ثماني أو تسع ساعات من الجلوس أمام جهاز الكمبيوتر، في ظل ضوء اصطناعي واستنشاق هواء يخرج من نظام التهوية. هذا هو الوضع الذي يواجهه بصورة يومية ملايين الأشخاص أثناء قيامهم بعملهم اليومي المكتبي.
وذلك بعد أن تم تحديث ظروف العمل وما طرأ عليها تاليا من تحسينات لا غنى عنها، لكنها تترك بصماتها، مع ذلك، على صحة الموظف وتقود إلى ظهور مشكلات صحية شائعة، على غرار آلام الظهر أو اضطرابات الرؤية والتغييرات التي تطرأ عليها،
فضلا عن مشكلات أخرى ليست اعتيادية بالقدر نفسه، على غرار ما يعرف بمرض الضمور الشحمي شبه الدائري ـ نوع من الاضطراب الغريب في الشحوم الموجودة تحت الجلد ويتسم بظهور تشققات في الجلد، لكن مهما تعددت تلك المشكلات وتنوعت إلا أن القاسم المشترك بينها جميعا يبدو أن له علاقة وثيقة بجو العمل في المكاتب.
فلقد ظهرت خلال العام الأخير في اسبانيا، على سبيل المثال، مئات الحالات من الإصابة بمرض الضمور الشحمي شبه الدائري في الساقين، في حين يبدو أن هذه الحالات مرتبطة بظروف بيئية معينة لها علاقة بجو العمل،
حيث يعتبر فرط الكهرباء الساكنة ونقص الرطوبة العاملين اللذين يسهلان عملية ظهور بعض الأخاديد والتجاعيد في منطقة الفخذين عند العمال، لكن بمجرد القضاء على أسباب ظهورها، فإنها تختفي بسهولة ومن دون أن تترك أي اثر يذكر.
على الرغم من إجراء دراسة على هذه الحالة في مقرات عدد من الشركات الاسبانية، التي سجلت فيها إصابات بمرض الضمور الشحمي شبه الدائري، إلا أن هناك حاجة لإجراء المزيد من الدراسات من أجل التحقق من الأسباب الكامنة وراء هذا الخلل. وحتى ذلك الحين، فإن هذا المرض سيظل ينظر إليه على أنه من الأمراض النادرة المرتبطة بالعمل وظروفه.
السبب الأول للغياب عن العمل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأعراض الضمور الشحمي شبه الدائري وآلام المفاصل ومشكلات الظهر والعنق، حيث تعتبر «أمراض الظهر في يومنا هذا أخطر آفة في بيئة العمل» على حد قول أنطونيو ميلينديز لوبيز،
وهو متخصص في ميدان طب العمل ويعمل في «رابطة فريماب للطب الوقائي» في إقليم الأندلس الاسباني، الذي يوضح أن الإصابات بمرض الضمور الشحمي شبه الدائري تستحوذ على حصة 85% من الأمراض المهنية التي تعاني منها إسبانيا.
ووضعية الجسم الثابتة والتكيف الخاطئ في موقع العمل هما السببان الرئيسيان لظهور هذا النوع من الوعكة الصحية. بيد أن نسبة الشفاء من هذا المرض على المدى المتوسط والقصير مرتفعة، إذ يشير ميلينديز إلى أنه «في الحالة الطبيعية، فإن ما بين 60% و80% من الحالات يمكن أن تشفى خلال فترة وجيزة نسبيا، أي بين شهر وثلاثة أشهر».
وتعتبر الحالة البدنية للموظف العامل أمرا أساسيا لدرء هذه المشكلات أو لتحسنها. إذ يشير ميلينديز إلى أن «تحسين الجهاز العضلي للعمود الفقري في جميع مستوياته التي تشمل الرقبة والظهر والمنطقة القطنية هو عنصر آخر إضافي في الوقاية من الإصابات بمرض الضمور الشحمي شبه الدائري، ومن اجل ذلك يعتبر أساسيا إشراك العامل في شؤون العناية بصحته وراحته»، فضلا عن ممارسة التمارين الرياضية بصورة دورية.
وهناك العديد من الاختصاصيين (علاج طبيعي، الطب الوظيفي..) الذين ينفذون برامج تهدف إلى تعليم عادات الوضعيات السليمة، حيث تركز مدارس الظهر على الممارسة الاعتيادية لهذه التمارين بغية شد عضلات الظهر المختلفة لإعدادها في المقام الأول، على أن يتم في وقت لاحق ممارسة تمارين أخرى لتقوية هذه العضلات. كما توجد سلسلة من القواعد الخاصة بتصحيح العادات السيئة لوضعية الجسم التي تسبب الكثير من المضايقات والأضرار الصحية.
أما اختيار موقع لوازم وأدوات العمل، فإنه يعتبر عنصرا آخر على جانب كبير من الأهمية ساعة التسبب أو الوقاية من مشكلة ما وليس في الظهر فحسب وإنما في أنحاء مختلفة من الجسم أيضا. ذلك أن 58% من الاسبان، على سبيل المثال، يعانون من مضايقات خفيفة خاصة بالعين والنظر، 38% منهم لا يعالجون لأسباب تتعلق بعدم معرفة العلاجات الممكنة.
يوضح نيكولاس لوبيز فيرناندو، رئيس قسم العيون في مستشفى «إل إسكوريال» المدريدي، أن اتخاذ تدابير بسيطة يمكن أن يحول دون الإصابة بهذا العارض، ولذلك، فإنه ينصح دائما بالنظر بعيدا بين الحين والآخر وبصورة دورية وتقليص وقت التركيز على النشاط المراد القيام به. والمسافة التي تفصل العين عن شاشة الكمبيوتر يجب أن تكون من 50 إلى 60 سنتيمترا، بحيث يمكن ملامسة الشاشة واليد ممدودة على طولها.
إن تركيز بؤرة النظر لمدة طويلة من دون راحة يؤدي إلى تقليص وتيرة طرف العين وإلى خروج كمية اقل من الدموع، مما يؤدي بدوره إلى مزيد من جفاف العين. وأولئك الأشخاص الذين يمضون وقتا طويلا أمام الكمبيوتر يمكن أن يتطور لديهم ما يسمى «عارض الشاشات المرئية».
ذلك أن طرف العين الطبيعي، أي بمعدل 25 حركة في الدقيقة، يمكن أن يقتصر في هذه الحالة على سبع حركات في الدقيقة فقط. ويشير فيرناندو، بهذا الصدد، إلى أنه «من الضرورة بمكان أحيانا أن يعمد إلى تركيب أجهزة ترطيب في المكاتب الموجودة في الأبنية التي فيها جفاف شديد بسبب الهواء المكيف».
فترات الاستراحة ضمن فترة العمل تعتبر، بدورها، على جانب كبير من الأهمية، ذلك أن عدم القيام بها يمكن أن يتسبب، بالإضافة إلى تسهيل الإصابة بأمراض العين عموما، بالشعور بمزيد من التوتر. «في عالم العمل، يعتبر التوتر أحد العناصر الرئيسية التي تؤدي إلى ظهور أعراض الشقيقة.
وهذا الأمر واضح للعيان عندما نعلم أنه بين 12% و14% من العمال يعانون من الشقيقة»، كما توضح تيوفيلا فيسينتي، المسؤولة عن الخدمة الطبية في دائرة البريد في مدينة فلنسيا ومؤلفة كتاب «دليل السلوك المهني لأطباء العمل».
وتبين هذه الاختصاصية أنه من أجل تقليص «تلك الأزمات، فإن الأمر الأساسي يكمن في السيطرة على تلك العناصر المحيطة بنا والمثيرة للمشكلات الصحية وتوظيف سلسلة من الأدوية والعقاقير الناجعة في هذا الميدان».
ومن الإجراءات الأخرى التي يمكن اتباعها للحفاظ على صحة العين، وضع شاشة الكمبيوتر في المكان الصحيح، بحيث يجب ألا تكون مرتفعة وإنما اخفض من خط الرؤية بقليل، ذلك أنه من المفضل النظر باتجاه الأسفل قليلا وليس باتجاه الأعلى، حتى من أجل الحيلولة دون المنغصات الصحية في منطقة الرقبة والعنق.
ومن جانب آخر، فإن العين مصممة للنظر إلى المسافات البعيدة وبالتالي فإن إجبارها على النظر لمسافات قصيرة لفترات طويلة يتطلب منها بذل جهد إضافي. مما يستدعي إبعاد الشاشة عن العين حسب المسافة المذكورة آنفا، فضلا عن استخدام حجم مناسب لها.
العنصر الآخر الذي لا بد من أخذه بعين الاعتبار عند العمل عن طريق الكمبيوتر هو ضبط التدرجات الضوئية بين لمعان الشاشة نفسها والضوء السائد في المكان، وذلك حتى لا يزعج الانعكاس الرؤية. صحيح أن شاشات الحماية مفيدة على هذا الصعيد،
لكن يجب أن يترافق استخدامها مع إجراءات وقائية أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن خطر التعرض للأضرار عموما يزيد في حالة استخدام الكمبيوتر المحمول، ولذلك ينصح بعدم استخدام هذه النوعية من الأجهزة لفترات طويلة.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الموندو»