يمضي المؤلف في هذه الحلقة في حديثه عن العلماء المسلمين وفضلهم في التقدم الحضاري للإنسانية جمعاء والدور الذي لعبوه في نقل معارف من سبقوهم من علماء من مختلف الأمم والأقوام، والإضافة إليها بعد دراستها وتمحيصها ونقدها. ويذكر مايكل مورغان بعض الأمثلة على علماء أوروبيين برزوا واشتهروا في حقول تخصصهم وكانوا ممن تأثروا بما خلفه علماء المسلمين من كنوز علمية استطاعوا أن يراكموها خلال عصور الإسلام الذهبية.

ونلاحظ من خلال مطالعتنا لهذا الكتاب أن العلماء الغربيين الذين يذكرهم ذاع صيتهم كثيراً في الغرب والعالم بينما تم تجاهل فضل من استقوا علمهم منهم، بل إن الملاحظ أن الأسماء قد جرى تحويرها بحيث لا تبدو وكأنها عربية أو إسلامية، مثل ابن الهيثم الذي أصبح «الهازن» والفرغاني الذي أطلقوا عليه اسم «الفرغانوس» والبتاني الذي بات يعرف باسم «الباتاجنيوس». الجمال هو رونق التنظيم وحسن الشكل وانسجام العلاقات بين عناصر الأشياء واتساق التكوين، الجمال هو أيضا الإيقاع الذي ينظم الموجودات، وهو عنصر التفرد وحركة توزيع هذه الموجودات وإيقاع انتشارها. ألا ترى إلى النجوم وقد توزعت في أكباد السموات فإذا بها متعة للنظر وغذاء للروح واجتذابا للعقل والتدبر في آلاء الملكوت؟

ألا ترى إلى زهور الروضة وقد توزعت فإذا بها تصبح أجمل وأبهى بكثير من الورود وقد نسقوها في إناء حتى ولو كان من ذهب إبريز؟ الجمال أيضا هو التعبير الأرقى عن تواصل المخلوقات، وقدرتها على الاستمرار حلقة من بعد أخرى. انظر وتأمل انبساط المراعي مترامية بخضرتها على مدى البصر، الجمال هنا معنى وفكرة بقدر ما أنه ملامح مجسدة في كيان الماديات. تأملات عالم مسلم: هكذا كانت تأملات العالم المسلم، المفكر الذي عاش في منتصف القرن الحادي عشر ـ الحسن بن الهيثم رائد علوم الضوء والأشعة والبصريات، وتلك مقتطفات وأفكار استقاها مؤلف الكتاب الذي نستعرضه من منظورنا التحليلي من واقع تأملات يصفها المؤلف بأنها ترقى إلى مستوى الشعر وقد راودت وجدان العالم المسلم الكبير.

يروي المؤلف مايكل مورغان قائلاً: القاهرة سنة 1040: بلغ الحسن بن الهيثم سن الخامسة والسبعين، ها هو يعتزل الناس أو يكاد بعد أن كلّ البصر وبدأت جذوة العافية من الشحوب إلى ذبول ـ هذا الباحث النجيب في ظواهر الضوء، بدأ يشعر بانسحاب الضوء من حوله وكأنه لن يرى ضوءً مبهرا إلا بعد أن يرحل إلى دار الحق والبقاء. يضيف مؤلفنا قائلا: لسوف تمضي عدة قرون قبل أن تضاء الأنوار بالحق حول اسم العالم المسلم عندما يترجمون إلى اللاتينية كتاباته الغزيرة وينقلون خلاصة ما أجهد فيه العقل والبصر عبر سنوات من دراسات وتأملات وبحوث، أولى هذه الترجمات ستصدر مخطوطة عام 1270 وبعدها يعتني بطباعتها الألماني فردريتش ريزنر عام 1572، وفي تلك المراحل من الزمن تعرف أكاديميات أوروبا ودوائر العلم النظري والتطبيقي في العالم كله فضل الحسن بن الهيثم، حيث تطلق عليه اسم «الهازن».

هنا يستدرك المؤلف قائلا: تمر حقبة أو أكثر من الزمن تنظر فيها أوروبا إلى الهازن ـ ابن الهيثم على أنه عملاق من عمالقة العلم وبوصفه قد تجاوز بأبحاثه الكثير من أفكار وطروحات العصور الوسطى. ولكن مع حلول عصر النهضة، سيأتي قوم آخرون ليغطوا بأسمائهم على اسمه وشهرته رغم أن هؤلاء الآخرين بدأوا من حيث انتهى ونهلوا من فضله وسجلوا على منوال أفكاره وبحوثه ونظرياته.

بيت بسيط في القاهرة

وعندي ـ يؤكد المؤلف الأميركي ـ أن ابن الهيثم ما كان ليكترث إزاء هذا الوضع في قليل أو كثير، فقد كان اهتمامه الأول هو أن يجيب على ما راوده من تساؤلات بشأن هذا الكون العظيم، وما كان ليهتم بالشهرة في الحياة أو بعد الرحيل. والحق أنه كان سعيدا بكل ما كتب وكل ما بحث، إذ كان يأوي، حيث كان اعتزل الناس، إلى مسكن بسيط من أحياء القاهرة.

ولو قُيض لابن الهيثم أن يستشرف المستقبل الذي تشكل بعد رحيله لأفعمت نفسه الطيبة رضا وحبورا. فقد شاء القدر أن تشهد الأصقاع النائية ما بين آسيا الوسطى وبلاد فارس سيرة عملاق آخر في الرياضيات، نابغة مسلم ما زال اسمه ذائعا وصيته يملأ الآفاق، أبدع في مجال الرياضيات بقدر ما أبدع في عوالم التصوف والشعر، ومن عجب أن تذكره أوروبا شاعرا، دون أن تذكره أستاذا في علوم الرياضيات.

عمر الخيام الشاعر والعالم

في عام 1048، شهدت مدينة نيسابور الزاهرة بالعلم ونوابغ علماء المسلمين، مولد غيث الدين عمر ابن إبراهيم النيسابوري ـ الذي ما برحت الدنيا تعرفه باسم عمر الخيام. كان في الأصل ينتمي إلى أسرة من صانعي الخيام. وكانت مدينته الأم قد حظيت بثروة حافلة بفضل صناعات الخيام، إضافة إلى صناعة أنواع فاخرة، وأحيانا نادرة من فنون الخزف والقيشاني ـ السيراميك مستوحاة في ذلك تراث اليونان وأصالة العرب وإبداعات الفرس وثقافة الهنود.

لكن الفتى عمر نشأ في أسرة رتيقة الحال، وكم كان يمضي الليالي فوق سطح البيت البسيط مسهدا ومتأملا أحوال النجوم، وهو ما دفعه إلى التبحّر في دراسة علوم الفلك، ومن هذه التأملات في السماوات المنداحة في انبساط عبقري بدأت بين جوانحه إشراقات الموهبة الشعرية ـ إبداعا يجمع بين روح التجريد الصوفي المحلّقة في الفضاء وبين محاولة الالتصاق بأديم الأرض بكل ما تحفل به من واقع الحياة وحيرة البشر أمام معجز الخلق وعذابات الإنسان، وهكذا كتب عمر الخيام (في ترجمة عربية جميلة من الشاعر المصري أحمد رامي):

فكم توالى الليل بعد النهار

وطال بالأنجم هذا المدار

فامْشِ الهوينا إن هذا الثرى

من أعين ساحرة الإحورار

وبين دعوة النجوم في السماء، وإلحاح النوازع الأرضية بدعوات مماثلة، عاش عمر الخيام شاعرا تسري في أشعاره ـ بالفارسية ـ نغمة من حزن دفين، متصوفا يرتجي دوما رحمة السماء وعفو الرب عن ضعف الإنسان:

يا عالمَ الأسرار علم اليقين

يا كاشف الضر عن البائسين

يا قابل الأعذار، عدنا إلى ظلك

شلكن الخيام الشاعر المبهر، الصوفي المتبتل كان أيضا عالما كبيرا وأستاذاً ضليعا له فتوحات مشهودة في علوم الرياضيات فضلا عن علم الفلك وحسابات الزمن بدقة تماثل ما توصلت إليه أجهزة الحواسيب الإلكترونية بعد عصره بنحو ألفي سنة، فما بالك وقد عقد الخيام مؤتمرا لكي يثبت أن الأرض تدور حول محورها أمام جمع من نخبة علماء زمانه وكان من بينهم، كما يقول المؤلف، (ص 112) حجة الإسلام الغزالي!

يختتم المؤلف سطور الفصل الثالث من الكتاب موضحا مدى فداحة الظلم الذي لحق بسيرة عمر الخيام حيث لا يكاد الناس يقفون مليا عند الرجل: عالما للرياضيات وبحّاثة في علوم الفلك، بقدر ما يقف الناس كثيرا عند أشعار رباعيات الخيام التي قدم لها فيتزجيرالد الانجليزي ترجمة أصدرها في عام 1859 وشدت الانتباه وانطوت على متعة القراءة رغم أنها كما يؤكد المؤلف كانت حافلة بالأخطاء.

وهكذا لم تسلم سيرة هذا العبقري المسلم من الظلم الذي لحق بها وبه على يد المؤرخين أو على يد المترجمين على السواء.

بلال في مختبر الفضاء

يستهل المؤلف مسرح الأحداث في الفصل الرابع من الكتاب: بفتح الستار على مشهد روبرت بايلي العالم الأميركي المتخصص في علوم الفضاء، قابعا في مختبره العلمي في باسادينا بولاية كاليفورنيا، يتهيأ لاستقبال أحدث رسائل الرادار التي تبثها سفينة الفضاء الأميركية «كاسيني» وهي تحلق صوب كوكب زحل العملاق.

الدكتور بايلي محب لعمله وتخصصه، تتيح له فترات عمله الطويلة أكثر من فسحة للتأمل بين حاضره بوصفه رب أسرة تعيش حياة ميسورة، وبين الماضي القريب لنشأته وسط عائلة من الملوّنين ترجع أصولها إلى قارة أفريقيا، ولكنها ضحت من أجل أن يتعلم ويحصل على الدكتوراه، ثم بين الماضي البعيد لجذوره التي تعود إلى نيجيريا حيث جاءوا إلى أميركا بأجداده الأوائل منذ نحو 200 سنة أيام تجارة العبيد.

بين لحظة وأخرى يلقي الدكتور بايلي نظرة على المقال الذي أرسلته له والدته البالغة من العمر 80 عاما وما زالت تعيش في مسكن الأسرة القديم على سواحل ولاية جورجيا ـ المقال منشور في مجلة «أطلانطا جورنال» ويحوي بحثا مستفيضا عن الأصول والجذور التي تشكلت منها جزيرة جورجيا وأسلافها الأوائل. تقصّى الباحثون هذه الجذور فرجعوا بها إلى الأصل الأفريقي من قبائل اليوروبا في نيجيريا وبالتحديد إلى الجد الأعلى وكان اسمه «بلال»، ومن نسله جاء أجداد وآباء الدكتور بايلي، ومن اسمه جاء اسم العائلة بعد تحوير تم على مدار عشرات من السنين.

صحيح أن الدكتور بايلي وآباءه نشأوا في أميركا يترددون على الكنيسة المعمدانية في جورجيا حيث مدافن الأسرة عبر أجيالها العديدة، لكن المقال المنشور يومئ إلى ظاهرة غير مألوفة صادفت القائمين على أمر هذا البحث التاريخي الطريف، الظاهرة يشير إليها مؤلف كتابنا (ص 119) في العبارات التالية: وجدوا أن هذه الكنيسة وغيرها من الكنائس القديمة على أرض الجزيرة (بالولاية الأميركية) ويرجع بناؤها إلى أيام العبيد (المجلوبين من أفريقيا) شيدوها موجهة شطر الشرق ـ إلى اتجاه مكة بالتحديد.

حيث كان قدامى سكان المنطقة يولوّن وجوههم شطر الشرق وهم يؤدون صلوات عقيدتهم المعمدانية، وكأن هؤلاء الأفارقة المعمدانيين مسلمون في إهاب مسيحي ولكنهم لم يعرفوا عن أصولهم شيئا، وفوق هذا كله فهم في جذورهم التي انحدروا منها ينتسبون إلى اسم بلال، الأفريقي الذي عاش في القرن السابع للميلاد واعتنق الإسلام وكان من صحابة النبي وهو أول من رفع الأذان للصلاة في صحراء الجزيرة العربية منذ أكثر من 1400 سنة من عمر الزمان.

من جانبنا نعبر هذه اللقطة الطريفة التي يسجلها المؤلف مع أوائل عام 2007 الحالي، حيث ينتقل مسرح الأحداث في ومضة خاطفة (ص 120 وما بعدها) ليتابع الكتاب صفحات مضيئة من التاريخ المنسي الذي سجله المسلمون في مجال علوم الفلك والتقويم والجغرافيا مهتدين في هذا كله بالبيان القرآني المعجز: «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكلٌ في فلك يسبحون.» صدق الله العظيم.

هذه الآية الكريمة هي التي يحرص المؤلف على أن يصدّر بها سطور الفصل الرابع من هذا الكتاب. وهو يهتم بأن يبين لقارئ كتابه ـ الغربي أساسا ـ مدى اهتمام المسلمين بحسابات الفلك وتقويم الأشهر وبنود الروزنامة بشكل عام، يحتاجونها لتحديد أوائل شهور السنة ـ الهجرية ـ القمرية، ويحتاجونها لتحديد مواقيت الصلوات الخمس، فضلا عن مواقيت المواسم الدينية والأعياد ويحتاجونها لتحديد مواقع القبلة التي تتجه إليها وجوههم وأفئدتهم عند كل صلاة.

لهذا بادر العلماء المسلمون منذ فجر النهضة في العصر العباسي، وربما قبله، إلى مطالعة علوم الفلك عند الهنود، ومن قبلهم تدارسوا ما أنجزه الفلكي السكندري القديم بطليموس من نظريات ودراسات في هذا الميدان. فأما النص الهندي العمدة كما يقال فقد حمل أيامها عنوان «براهما سفونا سيدانتا» أو «مفاتيح الكون». أما كتاب بطليموس فقد حمل عنوان «سينتاكس» أو المقالة الكبرى في حين جاءت ترجمتة العربية القديمة بعنوان «المجسطي» بعنوان السفر العظيم وهي الترجمة التي ما زالت ثابتة عبر العصور وحتى اليوم.

قياس محيط الأرض

بعد هذه التوطئة يمضي المؤلف ـ في حمية ملحوظة ـ ليعدد أسماء الأكابر من علماء الفلك عند المسلمين، ويعرض بإيجاز لأهم منجزات كل منهم في تدارس التراث الكلاسيكي الذي تناهى إليه في زمانه، فضلا عن إسهامات النابغة المسلم بالنقد والتصحيح ثم الإضافة والابتكار إلى هذا الصرح الإنساني من علوم الفلك والجغرافيا وإلى فهم وقياس أطوال كوكب الأرض الذي يعيش البشر على سطحه: شكله، حركته، علاقته بالشمس وسائر الكواكب، مسافات محيطه، الخ.

في هذا الإطار يوضح المؤلف كيف اهتم الفلكيون والجغرافيون المسلمون بفكرة كروية كوكبنا ودوران الأرض على محورها. وبذلك كانت أفكارهم وأبحاثهم وتصوراتهم ورسوماتهم تمهيدا لمن أتى بعدهم من علماء أوروبا ومنهم بالذات كوبرنيكوس الذي استخدم في أبحاثه مناهج علمية استطاع أن يفند بها مقولات بطليموس حول ثبوت كوكب الأرض مستفيدا في ذلك من النتائج التي سبق إليها الطوسي وغيره من علماء المسلمين. (ص 123).

شهادة جامعة كندا

في هذا الإطار أيضا يعرض المؤلف لأسماء الأعلام من أساتذة هذه الفروع العلمية ممن شكلوا المساهمة المرموقة التي أسداها المسلمون والعرب إلى مسيرة التقدم للحضارة الإنسانية. نقرأ معه في هذا السياق أسماء من قبيل عالم الفلك الكبير القوشي الذي عاش في القرن الخامس عشر وقد وصفه الباحثون المحدثون بأنه «كان متفردا في نبوغه العلمي بين صفوف العلماء وفلاسفة العصور الوسطى على نحو ما يؤكد البروفيسور «جميل رجب» الأستاذ بجامعة ما كجيل في كندا.

ونقرأ أيضا كيف رسم العلماء المسلمون خارطة المجرة الفلكية (الزيج) وكيف توصل «إبراهيم الغزاري» الذي نشأ في أفغانستان واستدعوه إلى بلاط هارون الرشيد ـ إلى تطوير آلة الاسطرلاب لتكون بمثابة بوصلة بحرية يستهدي بها الملاحون في أعالي البحار. وقد كان الأسطرلاب كما يصفه المؤلف أقرب نسخة غير رقمية من آلة الحاسوب (الكمبيوتر) وظل مستخدما على متن السفن عابرة المحيطات حتى القرن الثامن عشر للميلاد.

وكان مفيدا لا في تحديد ابعاد المكان وحسب بل أيضا في تحديد أبعاد الزمان حرصا على مواقيت الصلوات، وانتشر استخدامه في أوروبا لدرجة أن تصدر مقالة كاملة في وصفه وتبيان منافعه بقلم شاعر الانجليز الشهير جيوفري تشوسر (توفي عام 1400 للميلاد) صاحب العمل الرائد في الأدب الانجليزي بعنوان «حكايات كنتربري» المتأثر بدوره بحكايات «ألف ليلة وليلة».

الفرغانوس الأوزبكستاني

وإذ يتابع المؤلف سيرة الفزاري القادم إلى أرض الرافدين من أفغانستان فهو يؤكد لنا أيضا أن هذا العالم النابغة استقدم كذلك ابنه محمدا ليكون ساعده الأيمن حين شمر عن هذا الساعد كي يترجم نصوص علم الرياضيات والأرقام الهندي إلى اللغة العربية إلى أن استكمل هذا الجهد أبو بكر الخوارزمي في القرن التاسع للميلاد.

يحكي المؤلف أيضا عن بناء أكثر من مرصد لمتابعة ودراسة حركة الأفلاك ـ النجوم ـ والكواكب في مجرّاتها السماوية، وبلغ هذا العمل ذروته في عصر المأمون العباسي الذي أمر بإنشاء هذه المراصد بكل أهميتها الجوهرية بالنسبة لعلوم الفلك فكان أن شهدت حواضر إمبراطوريته الإسلامية شبكة من المراصد في باب الشماسية ببغداد وجند يسابور (فارس) وفوق جبل قاسيون في دمشق.

ومن حوض بحر قزوين يأتي من أوزبكستان أيضا أستاذ علم الفلك الفرغاني الذي بدأ بتلخيص تحليلي لأعمال بطليموس ونشره باللغة العربية نحو عام 833 وبعد 300 سنة من ذلك التاريخ ترجموه إلى اللاتينية على يد علماء من أوروبا تحت اسم «كتاب الفرغانوس» ليأتي اليوم الذي يطلقون فيه اسم هذا الفلكي المسلم الأوزبكستاني الأصل على إحدى فوهات براكين القمر.

ولا ينسى المؤلف أيضا (ص 127) أن يسجل حقيقة الانتشار الواسع كما أسلفنا لكتاب المجسطي المأثور عن بطليموس ـ أعظم جغرافيي العالم القديم في ترجمته العربية بهذا الاسم، وكيف أن هذه الترجمة فضلا عن المصادر والمرويات العربية الإسلامية هي التي طالعها وثقفها دانتي الليجيري شاعر إيطاليا الكبير، فكان أن تأثر بها الشاعر الإيطالي حين أبدع ملحمته الشهيرة بعنوان «الكوميديا الإلهية».

سوبر نوفا من ضفاف النيل

ثم يأتي دور «البتّاني» الذي ما زالت الدوائر الأكاديمية في أوروبا تعرفه باسم الباتاجنيوس وهو الفلكي المسلم الذي سيُدخل تنقيحات ومراجعات مبتكرة على الجداول الفلكية وبعدها يتلقفها علماء أوروبا في القرن الثاني عشر والثالث عشر كي يترجموها من العربية إلى اللاتينية، ومن ثم لا يجد كوبرنيكوس بُداّ من أن يذكر أعمال البتاني الفلكي المسلم الكبير في كتابه بعنوان «دوران الأجسام السماوية» 23 مرة وكان ذلك بعد أن انقضى على كتابات وبحوث البتّاني نفسه 700 سنة بالتمام والكمال.

ومن القاهرة يذكّرنا مؤلفنا بالعالم الفلكي المصري الشاب ابن رضوان الذي رصد الظاهرة الفلكية المعروفة باسم «سوبر نوفا» وتتعلق بتوهج ومن ثم انفجار نجم من النجوم، ثم قام ابن رضوان بوصفها بدقة متناهية بعد أن تابعها من مرصده البسيط من نقطة اختارها على ضفاف نهر النيل من ضاحية الجيزة قرب القاهرة وكان ذلك على وجه التحديد في عام 1006 للميلاد.

ورغم أن ابن رضوان لم يتابع اهتماماته بعلوم الفلك بل تحّول إلى حيث التخصص في مهنة الطب، إلا أن الوصف الدقيق والذكي الذي قدمه لظاهرة الانفجار الفلكي التي لاحظها ـ وكان عمره أيامها لا يزيد على 18 عاما ـ ما لبث أن وجد من يفهمه ويدرك أبعاد الحدث الخطير الذي يرافقه.

وفي هذا يعلن مؤلف الكتاب قائلا: كان لا بد أن ينقضي ألف عام حتى يدرك علماء الفلك المحدثون وفي عصر السفر إلى الفضاء دقة ما شاهده وشهد عليه ودقّق في توصيفه ابن رضوان الشاب المصري المسلم الذي بدأ يلاحظ توهج النجم من مأذنة جامع الحاكم في قلب قاهرة ذلك الزمان وبعدها عكف على رصده ومتابعة انفجاره من النقطة التي اختارها على ضفاف النيل.

مشعل الحضارة إلى الأندلس

ومن بغداد، وأفغانستان ـ ومن أوزبكستان والقاهرة، إلى أقصى غرب العالم الإسلامي، حيث بزغت شمس الكيان المسلم في أرض الأندلس، حين بدأت قرطبة تدخل في منافسة رائعة مع سائر مراكز العلم والبحث والتنوير على مستوى دنيا الإسلام والمسلمين.

وأصبحت قرطبة مع حلول القرن الحادي عشر قبلة القصّاد من العلماء والفنانين والفلاسفة والمبدعين الذين وفدوا إليها من أقطار المشرق، من العراق ومصر والشام وقد استهواهم ما تسامعت به الركبان من نهضة في مضمار العلم والفلسفة كان يرفدها ويشجعها حكام الأمويين في الأندلس الذين حفل بلاطهم بالشعراء والفنانين وكبار الأئمة وأعاظم القضاة وأمهر المترجمين.

لم تكن قرطبة وحدها في هذا المجال المزدهر بالتقدم الحضاري: كان هناك إشبيلية وغرناطة وطليطلة. وفي محافل هذه النهضة لمعت أسماء وسطعت نجوم تألقت معها بالإبداع والاستنارة حياة البشر وقد اهتدت بأنوار الإسلام واغتنت بعطاء المسلمين.

عرض ومناقشة: محمد الخولي