يتناول المؤلفان في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من عرض الكتاب، نشوء الحركات المناهضة للحرب الأميركية في العراق واتساع نطاقها لتشمل أمهات الجنود القتلى والجنود الجرحى وقدامى المحاربين في أفغانستان والعراق.
وذلك بعد تكشف بعض الحقائق المتعلقة بالكذب والتضليل اللذين مورسا من قبل إدارة بوش لتبرير الغزو وبعد تزايد القتلى في صفوف الجنود الذين أرسلوا إلى بلاد ما بين النهرين بذريعة جلب الديمقراطية للشعب العراقي وتخليصه من نظام صدام حسين الجائر ليكتشفوا بعد ذلك أن الدافع الحقيقي وراء زجهم في المستنقع العراقي ليس سوى السيطرة على النفط وخدمة مصالح الشركات الكبرى.كان من المفروض أن يكون الأسبوع الأول من أغسطس 2005 هادئا وخاليا من الأحداث، فقد ذهب الرئيس بوش إلى كراوفورد في تكساس ليقضي إجازة أخرى، ولكن عندما وصلت سيندي شيهان والدة أحد ضحايا حرب العراق إلى كراوفورد يوم 6 أغسطس لتبدأ حملة احتجاج الأمهات لمدة شهر، سلطت الأضواء فجأة على الإدارة الأميركية المشغولة بالبيزنس كالعادة، ففي ذلك الأسبوع لم يستطع بوش الخروج من باب بيته ليتحدث إلى شيهان وأمهات الجنود الأميركيين الضحايا.
ولكن كان لديه الوقت الكافي ذلك الأسبوع ليسافر إلى نيومكسيكو لتوقيع قانون الطاقة لعام 2005 مقدما هبة عظيمة لشركات الطاقة. ويعلق مؤلفا الكتاب على ذلك بقولهما:
«بينما تقاتل القوات الأميركية في العراق ويسقط الجنود قتلى من أجل ضمان تدفق النفط من دول تكره أميركا، قد تظن أن الحكومة الأميركية سوف تسعى إلى خفض اعتمادها على النفط الأجنبي». ويذكر المؤلفان أن استهلاك أميركا اليومي من النفط يبلغ 21 مليون برميل وأن 60% من تلك الكمية يأتي من مصادر خارجية. ويعكس أسلوب بوش في معالجته لأزمة الطاقة أسلوبه في معالجة مسألة الحرب على الوجه التالي:
«اخلق الوهم بالاهتمام بالأمر بينما تعمل سرا على تمكين النهب واستغلال الموقف وعلى الاستمرار في جني الأرباح». ولهذا عندما أعلن الرئيس بوش في خطابه حالة الاتحاد عام 2006 أن «أميركا تدمن النفط»، كان يأمل ألا يتذكر الشعب الأميركي أن قانون الطاقة الذي وقعه قبل خمسة أشهر.
والذي لعب تشيني دور الوسيط فيه شجع الأميركيين على استخدام المزيد من النفط. وبدأت ملامح التراجع في مؤتمر صحفي استُدعي إليه الصحفيون بعد يوم من الخطاب، وقال لهم صامويل بودمان وزير الطاقة إن الرئيس كان يعطي «مجرد مثال» عندما تحدث عن جعل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط شيئا من الماضي.
ويتناول الكتاب تناقض الموقف بالنسبة للطاقة أيضا، ففي نفس خطاب حالة الاتحاد العام الماضي 2006 يتبنى الرئيس بوش مسألة الطاقة المتجددة الجديدة ويدعو إلى إجراء أبحاث واستثمارات جديدة للحصول على «مصادر طاقة بديلة أنظف وأرخص ويعتمد عليها بدرجة أكبر» .
ولم يمض وقت طويل حتى اصطدمت خطبته بالواقع فبعد يوم واحد أعلن مختبر الطاقة المتجددة الأولية التابع لوزارة الطاقة أنه مضطر إلى الاستغناء عن اثنين وثلاثين باحثا في الإيثانول وتقنية الرياح، نتيجة لاقتطاع 28 مليون دولار من ميزانية المختبر. وبدلا من اتخاذ إجراء ملموس بشأن إدمان أميركا للنفط كلف الرئيس الأميركي الانتهازيين بالبحث عن علاج.
وكان تشيني قد شكل ما سمي بقوة العمل من أجل الطاقة في يناير 2001، فكلفها بوضع خطة قومية أصبحت أساس قانون الطاقة لعام 2005 ولكنها بدت وكأنها رغبات وتوصيات من رجال الصناعة، وكما لو كان بارونات الطاقة هم الذين صاغوا الخطة بأنفسهم. ولذلك ليس غريبا أن يضع المؤلفان للفصل الثاني عشر من الكتاب العنوان التالي: «المتربحون من استغلال النفط».
وقد اجتمعت قوة العمل بجميع المديرين في عالم الصناعة وزعماء اللوبي ولكن ديك تشيني بذل أقصى جهده لحماية هويات مهندسي قانون الطاقة الذين يعتبرون من المستفيدين بالقانون في نفس الوقت. وفي إحدى معارك إدارة بوش للحفاظ على السرية رفض تشيني الكشف عن أسماء الذين التقى بهم لوضع ملامح سياسة الطاقة.
وكانت اجتماعات قوة العمل تحاط بالسرية التامة ورفضت الإدارة الإفصاح عمن شاركوا فيها. وقد نجح نائب الرئيس في حماية أنصاره وشركائه رغم رفع دعاوى قانونية غير مسبوقة من كل من مكتب المحاسبة العامة، وجماعة المراقبة القضائية المحافظة، وسييرا كلوب التي توجهت إلى المحكمة العليا.
كشف الأسرار
غير أن بصيصا من الضوء بدأ يظهر في الغرف الخلفية للبيت الأبيض حيث كانت توزع منح الطاقة. وفي نوفمبر 2005 كانت أسعار البترول وأرباح شركات النفط قد حققت أرقاما قياسية فاستدعى مجلس الشيوخ رؤساء شركات النفط الكبرى لكي يدلوا بشهاداتهم أمام المجلس ويشرحوا علانية أسرار ما تحقق من أرباح. ورفض رئيس لجنة التجارة - المستفيد من تلك الشركات - أن يؤدي مديرو الشركات القسم قبل الإدلاء بشهاداتهم.
وكان أعضاء مجلس الشيوخ حريصين على تجنب تكرار ما حدث في جلسة الاستماع إلى كبار مديري شركات التبغ الذين أخذوا في الإدلاء بالأكاذيب عن مدى علمهم بأن التدخين يسبب السرطان، رغم أدائهم للقسم بقول الحقيقة.
ولكن السيناتور الديمقراطي فرانك لوتنبرغ انتهز الفرصة لمعرفة ما أراد تشيني إخفاءه، فسأل مديري الشركات عما إذا كانوا قد التقوا مع قوة العمل من أجل الطاقة في عام 2001، وأجاب بالنفي مديرو شركات إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيلبس، بينما قال رئيس شركة شل ان شركته لم تشارك «على حد علمه».
وقال رئيس شركة بريتش بتروليوم - أميركا إنه لا يعلم. وقامت صحيفة واشنطن بوست بفحص السجلات السرية واكتشفت أن مديري كل واحدة من شركات النفط هذه اجتمع في البيت الأبيض مع أعضاء قوة تشيني للطاقة في عام 2001.
وتتضح النية المبيتة بالنسبة للنفط العراقي منذ وقت مبكر من عام 2001، بل ويكشف الكتاب أن الأطماع الأميركية في النفط العراقي تمتد حتى إلى ما قبل أحداث 11 سبتمبر.
ويشير مؤلفا الكتاب إلى أن حكما قضائيا أجبر وزارة التجارة الأميركية على الإفراج عن وثائق سرية توضح أن القوة التابعة لتشيني كانت تقوم في بداية عام 2001 بفحص خرائط حقول النفط العراقية، وخطوط الأنابيب، والشركات الأجنبية التي تتنافس للحصول على عقود النفط العراقي. وتبين أن شركات الطاقة الأميركية كانت لديها خططها بالنسبة لحقول النفط العراقية قبل أحداث 11 سبتمبر بوقت طويل، وأن تلك الأحداث وفرت لإدارة بوش ذريعة لإحكام سيطرتها على منابع النفط في العراق.
في القسم الثاني والأخير من الكتاب الذي نستعرضه يتناول المؤلفان إيمي وديفيد غودمان الأنشطة الأميركية المناضلة ضد كل السلبيات التي أشارا إليها في القسم الأول من الكتاب، ويبدآن بالحديث عن سيندي شيهان الأم الأميركية التي فقدت ابنها في حرب العراق.
ويختاران عنوانا قد يحير القارئ يرتبط في الأساس بمزرعة جورج دبليو بوش في كراوفورد بولاية تكساس. ويستهل المؤلفان ذلك الفصل بالقول: «احذروا من الأمهات اللاتي لم يعد لديهن شيء يفقدنه». وعشية تنصيب بوش في يناير 2005 بدأت سيندي شيهان وسيلست زابالا مهمة معينة.
وقد ظلتا تحاولان طوال عدة أسابيع الحصول على موعد للقاء شخصي بوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد وأرسلتا له رسائل على بريده الالكتروني، وخطابات بريدية، وأجريتا مكالمات هاتفية ولكنه لم يجب عليهما إطلاقا، ولهذا توجهت السيدتان إلى وزارة الدفاع حاملتين صور ابنيهما اللذين لقيا مصرعهما في العراق، ولكن لماذا أرادت شيهان رؤية رامسفيلد.
تقول الأم المكلومة: «السبب الحقيقي هو أنني أردته أن يرى وجه ولدي الأخصائي كيسي شيهان الذي قتل في مدينة الصدر. أردته أن ينظر إلى وجهي ليرى عيني الحمراوين المتورمتين وخطوط الألم التي ارتسمت على وجهي.. أردته أن يرى الآلام التي لا تحتمل والتي سببها جهله وغطرسته لي ولعائلتي.
وأردت أن يعرف أن تصرفاته تركت نتائج مفزعة». وقد انضمت إلى السيدتين مجموعة من عائلات العسكريين، ومن الجنود السابقين المعارضين لسياسة بوش في الحرب بمن فيهم جندي الصاعقة السابق في الجيش الأميركي واسمه ستان غوف الذي يروي ما حدث بعد ذلك فيقول: «بمجرد أن تركت المجموعة ساحة انتظار السيارات الخاصة بالبنتاغون، رأينا فجأة من خلال الثلج المتساقط كتيبة في ملابس سوداء ورجال شرطة مسلحين وأجسادهم مغطاة بالدروع، وهم يقفون في انتظارنا.
ولم تستطع شيهان الدخول إلى مبنى البنتاغون ذلك اليوم. وبعد أن يتحدث الكتاب عن سوء تسليح القوات الأميركية في العراق وتزايد عدد القتلى من الجيش والمارينز، يشير إلى قيام بوش بإجازته في كراوفورد ودعوته إلى مؤتمر صحفي مشترك يوم 4 أغسطس مع رئيس كولومبيا ألفارو يوريبي، وانتهز الفرصة ليوجه رسالة إلى عائلات قتلى المارينز تقول: «لكم العزاء في معرفة أن التضحية بذلت من أجل قضية نبيلة».
وفي اليوم التالي خاطبت سيندي شيهان مؤتمر المحاربين من أجل السلام معلنة أنها سوف تتوجه إلى كراوفورد في اليوم التالي. ولم تكن تعرف حتى أين يقع هذا المكان ولكنها أصرت على البقاء فيه حتى يلتقي بها الرئيس بوش ويجيب عن سؤال واحد هو: «ما هي القضية النبيلة التي مات ابني من أجلها؟!» وفي يوم 6 أغسطس وصلت شيهان إلى كراوفورد وأقامت ما عرف باسم «معسكر كيسي». وهكذا بدأت مراقبتها خارج مزرعة بوش التي استمرت شهرا.
وأثناء ذلك قالت للبرنامج التلفزيوني «الديمقراطية الآن»: «هذا ما فعله جورج بوش.. لقد وضع أبناءنا في بلد أناس آخرين، والذين قتلوا ابني أرادوا أن يخرج من بلادهم. وقد أعتبر الشعب العراقي الحرب عليهم شيئا آخر، بينما قيل للجندي كيسي إن العراقيين سوف يرحبون به ويستقبلونه بقطع الشوكولاته وباقات الزهور، ولكن أهل العراق رأوا فيه محتلا لوطنهم».
وكان وجود شيهان ومن معها على جانب الطريق في كراوفورد يمثل نقيضا لما يفعله بوش الذي يستمتع بإجازته بينما يوجد 310 آلاف جندي أميركي في العراق تحت قصف النيران. وأخذ عملاء الجناح اليميني الأميركي في شن حملة صحفية ضد سيندي شيهان ومن معها زاعمين أن حركة الاحتجاج نتيجة تنسيق يساري.
وبعد أيام قليلة اضطرت شيهان إلى مغادرة كراوفورد لإصابة أمها بنوبة قلبية ولكنها قالت إن معسكر السلام سيظل قائما لأن الحركة أصبحت أكبر من شخصها وما لبث أن وصل مئات الأشخاص إلى المكان من الجنود العاملين والمواطنين العاديين، والمزيد من الأمهات. وكان لبعضهن قصص مشابهة مثل ناديا ماكافري وابنها باتريك الذي انضم إلى الحرس الوطني بالجيش بعد يوم 11 سبتمبر.
ولم يحلم أبدا بأن يرسلوه إلى العراق تاركا زوجته وطفليه الصغيرين. وقد لقي مصرعه بعد شهور قليلة من موت كيسي شيهان، وعلى الفور قررت أمه تحدي إدارة بوش. ويذكر الكتاب أن «ضحايا حرب بوش» تخفيهم الإدارة الأميركية بمن فيهم أيضاً الجنود الجرحى الذين يخفونهم عن الأنظار عند عودتهم إلى أميركا ويرسلونهم ليلا تحت جنح الظلام إلى مستشفيات إدارة شؤون المحاربين القدماء.
ولما كانت أوامر مساعدي بوش تمنع تصوير النعوش القادمة بالطائرات إلى أميركا فإن ناديا ماكافري كانت تعرف أيضاً قوة تأثير الصور فقامت بدعوة الصحفيين إلى مطار ساكرامنتو الدولي لتصوير كفن ابنها عند خروجه من الطائرة، وقالت إن تلك الصور كانت رسالة إلى أحفادها ورسالة أيضاً إلى العالم. ويسرد الكتاب قصص أمهات كثيرات نكبن في أبنائهن.
المحاربون المعارضون
ينتقل الكتاب إلى فئة أخرى من معارضي الحرب على العراق يطلق عليهم المؤلفان العنوان التالي: «المحاربون المعارضون»، ومن بينهم جندي اسمه مايك هوفمان الذي لم يكن رفاقه يتوقعون أن يصبح من قادة حركة الاحتجاج، وكان قد انضم إلى قوات المارينز عام 1999، وقد تحول إلى ناشط ضد الحرب أثناء وجوده في شوارع بغداد.
وقد وصل هوفمان إلى الكويت في فبراير 2003 وتحدث أعلى جنود الوحدة رتبة إلى الجنود قائلا بصراحة: «لستم ذاهبين إلى العراق لكي تحولوه إلى عراق ديمقراطي آمن. أنتم ذاهبون لسبب واحد فقط هو: النفط، ولكنكم مضطرون إلى الذهاب لأنكم وقعتم عقودا ولكي تعودوا أيضاً بأصدقائكم إلى الوطن». كانت لدى هوفمان شكوكه الخاصة بالنسبة للحرب وشعر بالارتياح لأنه لم يتوقع أبدا أن يسمع تقويما نزيها مثل الذي سمعه من أحد رؤسائه، ولم يستقر في عقله المغزى الكامل لكلمات رئيسه إلا بعد أن قضى في العراق عدة شهور.
وقال هوفمان إن مبررا الحرب خاطئة.. بل هي أكاذيب فلم تكن في العراق أسلحة دمار شامل ولم تكن القاعدة هناك وكان واضحا أننا لن نستطيع فرض الديمقراطية على الناس بقوة السلاح».
وعندما عاد إلى الوطن وسرح من المارينز في أغسطس 2003 كان يعرف ما هي خطوته التالية يقول هوفمان: «بعدما كنت في العراق وبعدما رأيت حقيقة تلك الحرب، أدركت أن السبيل الوحيد لدعم قواتنا هو المطالبة بانسحاب جميع قوات الاحتلال من العراق» وأسس هوفمان جماعة أسماها «محاربون بالعراق ضد الحرب» وفجأة وجد نفسه عضوا في حركة متنامية من الجنود الذين يعارضون الحرب في العراق علنا.
ولم يكن عدم الرضا عن الحرب في العراق بين العسكريين أمرا جديدا فقد كان ضباط كبار يتشككون في التصريحات المتفائلة من قادة البنتاغون المدنيين منذ البداية، كما وجه بعض الجنرالات المتقاعدين نقدا مرا للحرب، من بينهم الجنرال المتقاعد أنتوني زيني رئيس القيادة المركزية قبل الجنرال تومي فرانكس، وكان ذات مرة مبعوث الرئيس بوش الخاص إلى الشرق الأوسط. وقال زيني في برنامج «60 دقيقة» في مايو 2004: «أعتقد أننا مستمرون في مسارنا..
وهذا المسار كأنه يتجه إلى شلالات نياغارا.. كان ذلك فشلا ذريعا». وأصبح من المعتاد أن يشكك المحافظون الجدد في وطنية كل من يعارض الحرب، وفعلوا ذلك بالنسبة إلى الجنرال زيني نفسه واتهموه بمعاداة السامية لانتقاده الحرب. واليوم تعلو أصوات الجنود وعائلاتهم وتزداد أعدادهم. وقد بدأ هوفمان مجموعته في يوليو 2004 بثمانية أعضاء وبعد عامين ارتفع العدد إلى أكثر من 300 عضو.
وهناك منظمة أخرى اسمها «يا عائلات العسكريين تكلموا جهارا» وقد بدأت بعائلتين عام 2002، وبعد أربع سنوات أصبحت تضم 2400 عائلة. وتتلقى جماعات الدفاع عن الجنود أعدادا متنامية من الطلبات من العسكريين الذين يعتزمون رفض الاشتراك في القتال. وقد هرب عدد من العسكريين إلى كندا بدلا من الذهاب إلى العراق.
ويؤكد الكتاب أن معظم أفراد القوات الآن يسألون عن المبرر الرسمي لاستمرار احتلال العراق. وفي أول استطلاع للرأي أجري بين القوات الأميركية في العراق من قبل «زغبي وكلية لومين» أعربت نسبة مذهلة من الجنود، تبلغ 72% عن اعتقادها بضرورة انسحاب الولايات المتحدة من العراق خلال السنة المقبلة وفضل واحد من أربعة الانسحاب الفوري. وفي تصويت أجرته صحيفة «ميليتاري تايمز» عام 2005 وافقت أغلبية بسيطة (54%) على سياسة الرئيس بوش في العراق.
وفي تصويت أجري في فيلادلفيا عام 2003 كان رأي 54% من العائلات أن «الحرب عمل خاطئ». وساهمت الشكوك التي أحاطت بتلك الحرب في هبوط الروح المعنوية. وفي عام 2004 وصف نحو ثلاثة أرباع الجنود الروح المعنوية بأنها أصبحت سيئة. ويرى بعض الخبراء أن ذلك الهبوط قد يكون سبب ارتفاع معدلات انتحار العسكريين الأميركيين في العراق التي وصلت إلى 40% منذ بداية الحرب.
ويقول بول ريكهوف قائد مجموعة من الحرس الوطني بنيويورك «إن وجود سبب مقنع للتواجد هناك هو الأداة الأساسية التي يحتاج إليها الجندي» وقد أسس ريكهوف مجموعة اسمها «المحاربون الأميركيون القدماء في العراق وأفغانستان» وهي تتيح للجنود منتدى حرا بلا قيود للتعبير عن وجهات نظرهم وآرائهم في الحرب.
فرار الجنود
لقد ازدادت مؤشرات مقاومة حروب بوش بين العسكريين الأميركيين، ففي أوائل عام 2006 هرب 200 جندي أميركي إلى كندا رافضين الحرب في العراق وأفغانستان وطلب 25% منهم اللجوء السياسي. وفي أواخر عام 2005 أفادت تقديرات البنتاغون أن أكثر من ثمانية آلاف عنصر في القوات المسلحة الأميركية فروا من الجندية منذ بداية الحرب في العراق، ويعتقد كثير من المراقبين أن العدد الفعلي أكبر بكثير مما أعلنته وزارة الدفاع.
ومع تمدد الجيش عام 2004 استدعى نحو 4 آلاف من الجنود السابقين للعودة إلى الجيش ولكن نصفهم قاوموا أوامره وذكر موقع يسمى «هوت لاين لحقوق المجندين» أنه يتلقى الآن بين 3 آلاف و4 آلاف مكالمة في الشهر من جنود يبحثون عن وسيلة لترك الخدمة العسكرية. وكان الموقع يتلقى 1000 مكالمة فقط في السنة كلها قبل الحرب.
وتقول جي. ماكنيل مديرة «مركز الضمير والحرب» إن بعض المتحدثين مع المركز لم يتصوروا أبدا أنهم سيشاهدون معارك، ولكن هناك جنوداً آخرين تحولوا إلى موقف معاد للحرب بسبب ما رأوه أثناء خدمتهم في العراق وهم يرفضون العودة إلى هناك مرة أخرى. إن الناس بدأت تعرف حقيقة الحرب. وتضيف مديرة المركز: «كثير من الناس على درجة من السذاجة في بعض الأحيان، كذلك فإن القوات المسلحة تصور نفسها على أنها قوات سلام».
وفي خاتمة الكتاب يتحدث المؤلفان بعبارات عاطفية جميلة ورقيقة وحزينة في نفس الوقت لإحياء الأمل في نفوسنا بعد الرحلة المؤلمة والمشحونة بالأحزان الإنسانية على صفحات كتابهما. ويعنونان خاتمتهما بالعبارة التالية: «أصوات الأمل والمقاومة» ويستشهدان في بدايتها بعبارة للأديب جورج أورويل صاحب رواية 1984 يقول فيها:
«في زمن الخداع العالمي يصبح قول الحقيقة فعلا ثوريا» ويستطرد المؤلفان قائلين: وفي وجه هجوم الدعاية السياسية التي لا تنقطع، والحرب، وحكومة أميركية لا تحترم القانون، والفساد، والإرهاب والتعذيب المعتمد من الدولة، اليوم وأكثر من أي وقت آخر يجب أن نقول الحقيقة في وجه القوة كما يفعل ذلك في جميع أنحاء العالم مفكرون مستقلون، وفنانون، وناشطون، وصحفيون، ووسائل إعلام بديلة.
ومن ضواحي نيو أورليانز المحطمة التي تنهض من جديد، إلى الناس الذين يعيدون بناء بيوتهم في غزة، والى المدافعين عن حقوق الإنسان والمناضلين ضد التعذيب في سجون أوزبكستان، وأقفاص غوانتانامو، إلى الصحفيين الأحرار الشجعان في العراق، من جميع هؤلاء نستدر الإلهام من رؤاهم وشجاعتهم. إن الأمل يكمن في المقاومة.
وقد كان برنامج «الديمقراطية الآن» يكسر حاجز الصمت بإذاعة عدد متنوع من الأصوات الثرية المعارضة والشجاعة.. أصوات الناس الذين يناضلون من أجل عالم أفضل وأكثر إنسانية وعدلا وسلاما.. وهؤلاء الذين يعانون اليوم هم رؤى الغد. وقد اختار المؤلفان في تلك الخاتمة عددا محدودا من مثل هؤلاء القادة الشجعان المقاتلين الذين يعبرون عن عدم رضاهم بالأفعال والكلمات عندما يكون ذلك ضروريا.
أصحاب المواقف المشرفة
من بين الأشخاص الذين كانت لديهم مواقف مشرفة المؤلفة والشاعرة والناشطة أليس ووكر التي اشتهرت أكثر بكتابها «اللون القرمزي» الذي نالت عليه جائزة بوليتزر لعام 1983 لتصبح أول امرأة افريقية - أميركية تنال جائزة الرواية. وقد اقتبست روايتها في فيلم رشح لجائزة الأوسكار، واقتبس منها عمل مسرحي موسيقي عرض على مسارح برودواي. وقد نشرت لها رواية أخرى عام 2004 عنوانها «حان الوقت الآن لتفتح قلبك».
وتقول إيمي غودمان إن آخر مرة رأت فيها أليس كان قبل غزو العراق مباشرة، وكان ذلك في يوم المرأة العالمي في 8 مارس 2003. وكانت الأديبة أليس ووكر واقفة أمام البيت الأبيض الأميركي مع المؤلفتين ماكسين هونغ كينغستون وتيري ويليامز وعدد آخر من السيدات..
ولم تزد المجموعة عن خمس عشرة امرأة وقفن هناك وقد تشابكت أيديهن وهن يتعرضن للاعتقال على أيدي الشرطة، ولم تسلم إيمي غودمان من الاعتقال هي والمصور الذي يرافقها.. وعندما صعدت أليس إلى عربة الشرطة قالت لها «هذا أسعد أيام حياتي» وكانت اليس من أشد المعارضين لغزو العراق.
وتتحدث خاتمة الكتاب عن شخصية صحفية إسرائيلية هي أميرة هاس، وهي مراسلة صحيفة هآرتس الإسرائيلية زمنا طويلا، وهي الصحفية اليهودية الإسرائيلية الوحيدة التي قضت السنوات العشر الماضية وهي تعيش بين الجماعات الفلسطينية المختلفة في كل من قطاع غزة والضفة الغربية وألفت كتابا عنوانه: «العمل الصحفي من رام الله: صحفية إسرائيلية في أرض محتلة». وقد تحدثت إلى إيمي غودمان عن قرارها العيش في الأراضي المحتلة فقالت: أردت تجربة الحياة تحت الاحتلال يوما بيوم وليلة بليلة، لا أن أقوم بزيارات هنا وهناك.
ولم أكن قانعة بما عرفته من الفلسطينيين في زياراتي القصيرة، ثم بدأت بالذهاب إلى غزة منذ عشر سنوات قبل أن أعمل كمراسلة صحفية. وكنت اقضي ليالي أكثر فأكثر في بيوت الأصدقاء في مدينة غزة أول الأمر ثم في مخيمات اللاجئين، وبعد ذلك أردت معرفة المزيد». وقد أثار قرارها الإقامة في فلسطين غضب إسرائيل ووصفها بعضهم بالخيانة، وأعرب آخرون عن افتخارهم بها.
وقد اتسمت تقاريرها الصحفية بالدقة وخاصة تلك التي تناولت الانتفاضة لأنها استقت معلوماتها من الفلسطينيين مباشرة لا من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومن بين ما ذكرته أميرة هاس أن الانتفاضة كانت تعبيرا تلقائيا عن الغضب وأن الزعيم ياسر عرفات لم يخطط لها، بل تقول إنه كان بشكل ما خائفا منها. وتضيف هاس «أنها كانت تنتقد السلطة الفلسطينية. والقيادة الفلسطينية وكنت أسمع الناس وهم يقولون إن ذلك جيد لأنني على الأقل كنت أعبر وأكتب عن انتقاداتهم.
وصحيح بالنسبة لي ولغيري من الصحفيين والناشطين الإسرائيليين الذين يناضلون ضد الاحتلال، أننا تحولنا دون تخطيط مسبق إلى رسل لإسرائيل لأن الفلسطينيين عرفوا من خلالنا نحن أن الإسرائيليين ليسوا جميعا على شاكلة المستوطنين وجنود الاحتلال». ويتناول المؤلفان في خاتمة الكتاب أيضاً الصحفي البريطاني الشهير الخبير بشؤون الشرق الأوسط روبرت فيسك وغيره من أصحاب الأقلام النظيفة والمواقف الشريفة والمنصفة.
عرض ومناقشة: صلاح عويس

