يتناول المؤلفان في هذه الحلقة موضوع معاملة السجناء داخل السجون الأميركية، حيث يشيران إلى وجود تفرقة وتمييز عنصري في تلك السجون، بل وتعذيب أدى في حالات عديدة إلى موت السجناء، ويؤكد مؤلفا الكتاب على أن التعذيب الذي شهده سجن أبو غريب في العراق وغيره من السجون كان أسلوباً ممنهجاً ولم يكن تصرفاً شخصياً من قبل أفراد قاموا بذلك من تلقاء أنفسهم.
وينقلان تصريحات القائدة المسؤولة عن السجن وهي البريغادير جنرال جانيس كارينسكي التي تؤكد فيها أن المسؤول الحقيقي عن عمليات التعذيب وإساءة معاملة السجناء هو وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي أصدر أوامر تتعلق بتقنيات الاستجواب ضمنها في مذكرة موقعة منه وزعت على مسؤولي الشرطة العسكرية.
ينتقل المؤلفان بعد ذلك إلى الحديث عن الدور الذي لعبته قناة الجزيرة في نقل الحقيقة من ساحة الحرب في الفلوجة وكيف ضاقت الإدارة الأميركية ذرعاً بتقاريرها فأوعزت إلى الحكومة العراقية كي تصدر قراراً بإغلاق مكتبها في بغداد ومنعها من ممارسة نشاطها هناك. وهذا ما حصل بالفعل.
في الفصل العاشر من القسم الأول من الكتاب الذي نناقشه يتوصل المؤلفان إيمي وديفيد غودمان إلى حقيقة مؤداها أن العسكريين الأميركيين الذين اكتسبوا سمعة سيئة في جميع أنحاء العالم بسبب تعذيبهم المعتقلين في سجن أبو غريب بالعراق، لم يصبحوا وحوشا بمجرد وصولهم إلى العراق، بل كان القتل والتعذيب الذي مارسوه ضد العراقيين مجرد الفصل الأخير والأكثر علانية في مسلسل حكايات هؤلاء المعذبين.
وبدلا من معاقبة السجانين الأميركيين الذين لهم سجلات جرائم طويلة في انتهاك حقوق الإنسان، كافأتهم إدارة الرئيس بوش بإرسالهم إلى العراق لإدارة سجونه. ويسرد المؤلفان حكاية غريبة عن أميركي يدعى هارولد سي. ويلسون وتجربته الشخصية في مناخ التعذيب الذي افتضح في أبو غريب.
والغريب في حكاية هذا الرجل أنه كان قد نجا من ثلاثة أحكام بالإعدام، ففي عام 1989، وهو في الحادية والثلاثين من عمره، وقف أمام محكمة فيلادلفيا ليسمع المحلفين وهم يؤيدون الحكم عليه لارتكابه ثلاث جرائم قتل بالرغم من احتجاجه وادعائه أن إدارة شرطة فيلادلفيا لفقت التهمة وأنه برئ تماما من تلك الجرائم.
وظل في السجن المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام أكثر من 16 عاما كاملة نتيجة الحكم عليه خطأ، ولما ثبتت براءته قرر بعد شهر من الإفراج عنه التحدث علانية عبر البرنامج التلفزيوني: «الديمقراطية الآن» ليحكي مأساته. وقال هارولد ويلسون: «عند سماعي الحكم بإعدامي شعرت بشيء ما يخترق جسدي وروحي.. ثلاثة أحكام بالإعدام؟!
ورغم الصدمة كنت أتساءل: كيف يمكن تنفيذ تلك الأحكام؟ وهل من الممكن أن أموت ثلاث مرات على الكرسي الكهربائي؟» وتم إرساله إلى مؤسسة الإصلاح التابعة للولاية وهي عبارة عن سجن يؤوي معظم المحكوم عليهم بالإعدام. وأصبح تحمله آلام التعذيب جزءا من الروتين العادي في حياته. وكانت إحدى وسائل تحطيم السجناء دفع تيار هوائي شديد البرودة إلى داخل الزنازين.
وكانت عملية التبريد تلك تستخدم كعقوبة لإسكات معظم المحكوم عليهم. وعلم ويلسون بعد ذلك أن تلك الوسيلة تستخدم أيضا في سجن أبو غريب. وقال أيضا إن البرد أثر على عظامه وكان عند لحظة معينة من البرودة الشديدة داخل الزنزانة يحفر الثلج المتجمد على نافذتها بقلم حبر وينام بكامل ملابسه ولا يستطيع الاغتسال على الحوض لأن درجات الحرارة المتدنية كانت لا تحتمل.
وقد اشتهرت عمليات التعذيب في ذلك السجن واسمه مؤسسة غرين للإصلاح ويصفه المؤلفان بأنه سجن «سوبر». وفي عام 1997 قام بزيارته بيير سانيه أمين عام منظمة العفو الدولية، وأعلن بعد الزيارة أن ذلك السجن «يبدو وكأنه مشرحة.
ومنذ لحظة وصول السجناء تحاول الولاية قتلهم ببطء بشكل آلي ومتعمد بدءا من قتلهم روحيا حتى القضاء عليهم جسديا» وذكر السجناء - ومعظمهم من السود ـ لوفد المنظمة أن الحراس يضربونهم ويعرضونهم لإهانات عنصرية واتهامات سلوكية زائفة. وفي عام 1998 تفجرت فضيحة كبرى في سجن غرين وكشفت مارتن هورن سكرتير مؤسسة بنسلفانيا الإصلاحية، عن وقوع 36 حادثة استخدم فيها العنف الزائد خلال اثنى عشر عاما.
وقد تعرض السجناء في أكثرها للخنق والركل واللكمات والضرب بعصي الشرطة، مع تكبيل أيديهم وتعريضهم للسخرية العنصرية المهينة. وقد فصل أربعة من الحراس وخفضت رتب واحد وعشرين حارسا، ونقل آمر السجن ونوابه.
وقالت غرزيل يبارا محامية واحد من الضحايا: «إنهم يديرون هنا معسكر اعتقال نازيا. وطوال عملي بالمحاماة اثنتين وعشرين سنة لم أر على الإطلاق مكانا مثل سجن غرين». ويضيف مؤلفا الكتاب أن «السجون صناعة مزدهرة في ولاية بنسلفانيا، ويوجد 42 ألف نزيل في خمسة وعشرين سجنا، وقد بلغت ميزانية الإصلاحيات أكثر من 3, 1 مليار دولار في عام 2005.
نزعة عنصرية
يؤكد الكتاب الذي نستعرضه أن تلك السجون تجسد النزعة العنصرية في نظام القضاء الجنائي الأميركي. وكانت الولايات المتحدة دائما أكثر حرصا على إعدام السود منها على إعدام البيض. وتبلغ نسبة السود المحكوم عليهم بالإعدام في بنسلفانيا 60%.
وفي فيلادلفيا يبلغ عدد السود المحكوم عليهم أربعة أضعاف البيض. وعلى مستوى الأمة يشكل السود 12% من مجموع المواطنين الأميركيين ولكنهم يمثلون 42% من 3314 محكوما عليه بالإعدام في الدولة وفقا لإحصاء عام 2004. وقد تطورت أساليب الإعدام في الولايات المتحدة ببطء شديد منذ العصور الوسطى.
وفي عام 1824 قام الروائي البريطاني الشهير تشارلز ديكنز بزيارة لإحدى الإصلاحيات في إحدى الولايات الشرقية فأفزعه ما رأى فكتب يقول: «أعتقد أن قليلا جدا من الرجال يستطيع تقدير الكم الهائل من التعذيب والعذاب الذي تلحقه هذه العقوبة البشعة، التي طال أمدها سنوات، بالمعذبين وأنا أقر بأن العبث اليومي بأسرار العقل أسوأ ـ بدرجة لا تقاس ـ من تعذيب الجسد».
وفي تسعينات القرن العشرين حدث انفجار في عدد نزلاء السجون في أميركا. وأصبحت السجون مأوى لأكثر من مليوني نزيل بزيادة قدرها 600 ألف نزيل عما كان عليه الحال عام 1995 ويوجد واحد من كل 136 أميركيا في السجن هذه الأيام، ويزداد نزلاء السجون بنحو 110 سجناء كل أسبوع. ويقذف بالأميركيين الأفارقة وراء القضبان. ووفقا لوزارة العدل فإن 17% من السود تعرضوا للسجن في عام 2001 مقارنة بنسبة 8% من أبناء أميركا اللاتينية، ونسبة 3% من البيض.
وفي عام 1999 نجح محامو هارولد ويلسون في إثبات أن ممثلي الادعاء تحيزوا ضده لأسباب عنصرية ولاستبعاد محلفين سود من جلسات محاكمته الأولى، الأمر الذي منحه فرصة جديدة لإعادة محاكمته، وتلا ذلك اكتشاف شريط فيديو تدريبي أعده مساعد المدعي العام في كاليفورنيا الذي حاكم ويلسون واسمه جاك ماكماهون. ويشرح الشريط لوكلاء نيابة آخرين كيفية اختيار محلفين يمكن أن يدينوا المتهم.
وفي جلسة أخرى من المحاكمة الجديدة ناضل المحامون لإثبات براءته، وقدموا مفاجأة مذهلة تتعلق بسترة ملطخة بالدماء كان المدعون يصرون على أنها تعود لهارولد ويلسون رغم إنكاره ذلك عدة مرات. وأمرت المحكمة بإجراء تحليل للحمض النووي، وكانت نتيجة الاختبار أن على السترة دماء الضحايا الثلاث وشخص رابع ولكنه ليس المتهم هارولد ويلسون. وأخيرا وبعد ستة عشر عاما حكمت المحكمة ببراءته بعد أن قضى تلك السنوات الطوال في سجن المحكوم عليهم بالإعدام.
وعندما شاعت صور أبو غريب سيئة السمعة في عام 2004 ظهر رجل في معظمها وهو جندي يقف فوق كومة من السجناء العراقيين المكدسين وهم عرايا. واسم هذا الجندي تشارلز غرينر وله سجل طويل في التعذيب منذ مدة طويلة قبل وصوله إلى العراق.
وكان قد تسلم عمله عام 1996 في إصلاحية غرين التي كانت قد افتتحت قبل عامين. وكان غرينر قد جاء إلى ذلك السجن مباشرة من لواء المارينز حيث خدم ثمانية أعوام. ويذكر مؤلفا الكتاب أنه كان مناسبا تماما للنزعات العنصرية لذلك السجن الذي تبلغ نسبة حراسه البيض 93% ونسبة السجناء السود فيه 77%.
وبعد عام من وصول ذلك الجندي إلى السجن افتضحت عمليات التعذيب الوحشية التي سبق ذكرها. وذكر هارولد ويلسون أنه على دراية بأسلوب غرينر في تعذيب السجناء. وتعرف سجين آخر حكم عليه بالإعدام خطأ أيضا واسمه نيك ياريس، على غرينر من صور أبو غريب، وقال لشبكة سي إن إن، إن تشارلز غرينر الذي يبتسم فوق جثة إنسان هو نفسه الذي كان يبتسم فوق صينية طعامه بعد أن بصق عليها.
كذلك له سجل في العنف في بيته. وقد قدمت زوجته ثلاث طلبات للشرطة من أجل حمايتها ضد اعتداءاته واتهمته بمطاردتها وتهديدها. واعترف في المحكمة بأنه كان يجرها من شعرها ويخبط رأسها ببلاط أرضية الغرفة. وقد فصل غرينر من سجن غرين في عام 2000 بعد توجيه اللوم إليه ووقفه عن العمل عدة مرات.
وعندما أصبح عاطلا وشاعت سمعته في استخدام العنف، انضم إلى الجيش الاحتياطي في بداية عام 2002، وما لبث أن توجه إلى العراق في خريف عام 2003 مكلفا بمهمة حراسة السجناء في سجن أبو غريب العراقي. ولم يمض وقت طويل حتى عاد تشارلز غرينر خبير الجيش إلى أساليبه القديمة حتى أن جنودا آخرين اتهموه بتعذيب وإذلال السجناء في موقع عمله الجديد في أبو غريب.
وفي إحدى حوادثه أخذ ينخس ويلكم ويركل سجينا عاريا وبقسوة شديدة أدت إلى موته. ولولا نشر صور أبو غريب التي كشفته وزملاءه وهم يتبادلون تعذيب المعتقلين، لما عرف أحد شيئا عن معاملة غرينر السادية للسجناء في بنسلفانيا من قبل. ويقول مؤلفا الكتاب: صحيح أنه تلقى إدانة من الجيش في نوفمبر 2003 لعمله في الشرطة العسكرية بالعراق.
ورغم أنه ضابط شرير إلا أنه كان من تلك النوعية التي تريدها إدارة بوش للعمل في العراق. أما الصور التي تناثرت عبر العالم كله على الصفحات الأولى للصحف في ابريل 2004، والتي تبين غرينر المبتسم فوق كومة من الرجال العراقيين وقد جردوا من ملابسهم وغطيت رؤوسهم، فقد كانت كارثة علاقات عامة لبوش الذي زعم أنه جاء بالديمقراطية إلى العراق.
وقد ألقت صور أبوغريب الضوء على عالم مجهول وشرير يمتد من سجون أميركا حتى سجون أبو غريب وأفغانستان وخليج غوانتانامو، وحتى شبكة من سجون السي آي إيه السرية في أنحاء العالم. ويختتم المؤلفان ذلك الفصل الكئيب بقولهما إن تعذيب السجون لم يحدث بالصدفة ولكن تم التخطيط له من قبل، ويعتبر تشارلز غرينر مجرد واحد من كثير من محترفي التعذيب الأميركيين الذين أرسلوا إلى سجون العراق.
تصدير التعذيب
في الفصل الذي يسميه المؤلفان «تصدير التعذيب» يرددان ثلاثة أسماء كان يجدر بها أن تقدم للمحاكمة، وكان صاحب الاسم الأول هو لين ماكوتر الذي كان يشرف على نظام سجن في يوتاه حيث مات سجين مصاباً بالجنون بعد تجريده من ملابسه وتقييده عاريا إلى أحد المقاعد. أما الثاني فهو غاري ديلاند الذي اتهم بالإشراف على سجون يوتاه حيث أجبر أحد السجناء على الاستلقاء عاريا على أرض أسمنتية لعدة أسابيع.
أما الجريمة الثالثة فقد قام بها حراس أحد السجون، تحت إشراف جون آرمسترونغ، بالضرب الوحشي لرجل مصاب بمرض عقلي حتى الموت في كونكتيكت. ويذكر مؤلفا الكتاب أنه عند ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان مثل هذه فإن من المتوقع أن يلقي بكل من ماكوتر وديلاند وآرمسترونغ في السجن.
وقد أرسلوا فعلا لا كسجناء ولكن كمشرفين، فقد بعثت إدارة بوش بهؤلاء المسؤولين الأميركيين الثلاثة إلى العراق كمستشارين ومديرين للسجون، ولسجن أبوغريب بشكل خاص. وكثير ممن أرسلتهم الإدارة الأميركية كمستشارين ومديرين لعملية إعادة بناء سجون العراق كانوا ممن طردوا من عملهم في إدارة سجون أميركا سواء كان ذلك نتيجة قضايا قانونية أو جدل سياسي.
وقد أثارت فضيحة من أطلقت الصحف الأميركية عليهم اسم «الجنود الأشرار» غضبا شديدا بعد أن نشرت أخبارها على الصفحات الأولى وتداولتها شبكات الأخبار التليفزيونية. وكان الصحافي الأميركي سيمور هيرش أول من كشف ممارسات كبار المسؤولين في الفضيحة، وذكرت صحيفة «ذا نيويوركر» في مايو 2004 أن التعذيب في سجن أبوغريب كان جزءا من برنامج سري بموافقة البنتاغون وبأوامر من دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي آنذاك.
وينقل الكتاب حرفيا جانبا مما كتبه سيمور هيرش على النحو التالي: «لا تعود جذور فضيحة سجن أبوغريب إلى النزعة الأميركية لدى عدد قليل من جنود الاحتياط في الجيش ولكن إلى قرار وافق عليه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع لمد نطاق العمليات بالغة السرية، التي تركزت على مطاردة القاعدة، لكي تشمل عمليات استجواب السجناء في العراق». ويضيف هيرش في تقريره أن قرار رامسفيلد أغضب مجتمع الاستخبارات الأميركية، ودمر فاعلية نخبة وحدات القتال وأضر باحتمالات المستقبل الأميركي في الحرب ضد الإرهاب.
ويعلق صاحبا الكتاب على ما سبق بقولهما: وهكذا أصبحنا على علم بما يسمى «التعذيب ذو الخطوتين» إذ تقوم إدارة بوش بتوفير الاستراتيجية والغطاء القانوني، ويقوم صغار العسكر بتوفير العضلات. ومن أفضل من السجانين الأميركيين الغلاظ المستعدين لكي يبينوا للعراقيين كيف يكون العمل؟!.
وفي أبريل 2004 توصل تقرير سري للبنتاغون إلى القول: «لقد ارتكب جنود أميركيون أفعالا فاضحة وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي». وعندما تكون هناك غرف تعذيب يتعرض السجناء للموت. وقد قال أنطوني روميرو المدير التنفيذي للاتحاد الأميركي للحريات المدنية: «ليس هناك أي شك في أن الاستجوابات الأميركية أسفرت عن قتلى.
ويجب أن يتحمل مسؤولية ذلك كبار المسؤولين الذين علموا بعمليات التعذيب ولم يتخذوا أي إجراء لمنعها، وأولئك الذين وضعوا هذه السياسة وصادقوا عليها». ويرى مؤلفا الكتاب أن «التعذيب ذا الخطوتين» استخدم لحماية الأسياد، وأن صغار العسكر هم الذين تحملوا السقطة. ومنذ ظهور صور أبوغريب الأولى لم يتعرض كبار مسؤولي إدارة بوش لأي لوم عما حدث في السجن.
وفي منتصف عام 2006 أدين عشرة عسكريين من أصحاب الرتب الصغيرة للأدوار التي قاموا بها. وفي عام 2005 كانت عشيقة غرينر واسمها ليندي إنغلاند، والتي ظهرت صورتها وهي تجر سجينا عراقيا من رقبته، قد حكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بينما يقضي صديقها الآن حكم السجن عشر سنوات.
وكانت صاحبة أعلى رتبة عسكرية تتعرض للتوبيخ هي البريغادير جنرال جانيس كارينسكي القائد المسؤول عن السجن. وقد خفضت رتبتها إلى كولونيل في مايو 2005 وكانت تشرف على كل الشرطة العسكرية في العراق وهي أول سيدة تقود الجنود في منطقة اشتباكات.
وقد ادعت أنها كانت كبش فداء في مسألة أبوغريب ولكن المدافعين عن حقوق الإنسان يصرون على أنها متورطة أكثر مما تدعي. وذكرت أن التعذيب في سجن أبوغريب كان نتيجة مباشرة لأوامر من دونالد رامسفيلد، وأنها علمت بتلك الأوامر من مذكرة موقعة منه تناقش تقنيات الاستجواب. وقالت أيضا إن الجنرال جيفري ميللر مبعوث رامسفيلد إلى العراق في أواخر عام 2003 قال لمسؤولي الشرطة العسكرية ممن قاموا بالاستجواب من قبل: «لقد كانوا لطفاء جدا مع السجناء العراقيين، ولم يكونوا عدوانيين بدرجة كافية..» ثم قال: «يجب أن تعاملوهم (أي السجناء) مثل الكلاب«!!
ويتساءل المؤلفان: من هم هؤلاء الناس الخطرون الذين ينبغي معاملتهم كالكلاب؟!.. لقد قدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 90% من السجناء المصنفين تحت اسم «معتقلي الأمن»، لم توجه إليهم أية اتهامات. وتقول الجنرال جانيس كارينسكي إن نحو 75% أو 80% من السجناء لا يوجد في ملفاتهم أي دليل يؤدي إلى الأمر باعتقالهم أو الحكم عليهم من أية محكمة أميركية».
السجناء الأشباح
ثم كان هناك «السجناء الأشباح» وهم المعتقلون الذين كان المسؤولون الأميركيون يخفونهم عن أعين الصليب الأحمر منتهكين بذلك اتفاقات جنيف. وتقول كارينسكي إن تعليمات صدرت إليها تأمرها بإخفاء سجين قيل لها إنه بالغ الأهمية وأشارت إليه البنتاغون باسم «إكس إكس إكس» وعندما كلفت بالإشراف عليه أمرها رامسفيلد بعدم ذكر اسمه على الإطلاق في أية قاعدة للمعلومات.
وعلى مدى نحو اثنتين وثلاثين صفحة يتناول الكتاب هجومين أساسيين قامت بهما الولايات المتحدة في الفلوجة في عام 2004 التي اعتبرها الأميركيون رمزا للمقاومة العراقية للاحتلال الأميركي. وقد وقع الهجوم الأول في شهر ابريل عام 2004.
وجاء بعد أيام قليلة من مقتل أربعة عسكريين من شركة الأمن الخاصة الشهيرة باسم بلاك ووتر. ونرجو أن نذكر قراءنا الأعزاء بأن الإدارة الأميركية تستعين بتلك الشركة سيئة السمعة والتي ارتكبت أبشع الجرائم في حق الشعب العراقي. ونعود إلى الكتاب الذي يذكر أن الهجوم الثاني وقع في شهر نوفمبر من نفس العام.
وقد أكد ناطق عسكري أميركي فيما بعد لبرنامج «الديمقراطية الآن» أن القوات الأميركية استخدمت في هذا الهجوم الفوسفور الأبيض وهو مادة كيميائية يمكن استخدامها في الإضاءة أو حجب تحركات القوات أو كسلاح حارق مثل النابالم الذي يؤدي إلى ذوبان بشرة الإنسان، وهو أمر يحرمه القانون الدولي.
ويمثل الهجومان عملا غير عادي من جانب القوات الأميركية. وقد أعلن مارتي هايكن الرئيس المشارك في النقابة الوطنية للمحامين العسكريين عندما أقام دعوى قضائية ضد المؤسسة العسكرية لكي يحصل على معلومات عن هذين الهجومين..
أعلن قوله: «منذ غورنيكا في إسبانيا عام 1937، وغيتو وارسو عام 1942، ونجازاكي وهيروشيما في اليابان ودريسدن في ألمانيا عام 1945، لم ير أحد مثل هذا التدمير الشامل لمدينة بحجم سينسناتي أو أوكلاند في أميركا، ويبلغ عدد سكانها 350 ألف نسمة أو يزيد دون هدف واضح غير «استعراض القوة» والسعي إلى الانتقام لمقتل أربعة مدنيين أميركيين متعاقدين مع شركة أمن خاصة في مارس 2004. وقد لجأت حكومة بوش إلى مسح واحدة من أكبر مدن العراق بلا رحمة».
وكان الحصار الذي تلا ذلك يمثل أكبر الهجمات دموية التي قام بها الاحتلال الأميركي. وفي أسبوعين من شهر أبريل لقي ثلاثون من المارينز مصرعهم أثناء مقاومة الفدائيين للمحاولات الأميركية أسر المدينة، وقتل نحو 600 عراقي وجرح أكثر من ألف. وأصر العسكريون الأميركيون على عدم وجود مدنيين عراقيين من بين ضحايا الهجوم رغم حقيقة أن أشرس المعارك دارت في قلب المدينة كثيفة السكان.
قتل الصحافيين
كان لدى قناة الجزيرة الإخبارية عدد من مراسليها في المدينة المحاصرة وسجلت تقارير حصرية أذاعتها كل شبكات الأخبار من السي إن إن إلى البي بي سي. وقد أغضبت تقارير الجزيرة الحكومة الأميركية التي قررت إبعاد القناة وأصرت على مراقبة الأخبار. ولم يتخيل أحد كيف حدث ذلك ففي اجتماع في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير يوم 16 ابريل 2004 اقترح جورج دبليو بوش قصف المركز الرئيسي لقناة الجزيرة في قطر.
وقد تسربت المحاضر بالغة السرية لقمة بوش ـ بلير إلى صحيفة ديلي ميرور البريطانية في نوفمبر 2005، وعلى الفور سارعت الحكومة البريطانية إلى تطبيق قانون الأسرار الرسمية ومنعت الديلي ميرور وأي من وسائل الإعلام الأخرى من نشر مزيد من تفاصيل الوثائق المتسربة، وتم اعتقال اثنين من الموظفين لتسريبهما المعلومات.
وقد استطاع بلير إقناع بوش بالرجوع عن فكرة تحويل مركز الجزيرة العالمي في قطر إلى رماد، ولكن الولايات المتحدة استمرت في هجومها ضد الشبكة العربية الإخبارية. وفي 9 ابريل 2004 طلبت إدارة بوش من الجزيرة مغادرة الفلوجة ولكن القناة رفضت منذ البداية. وظلت قناة الجزيرة عرضة لهجوم متواصل من إدارة بوش مع تمتعها بحجم من المشاهدين في جميع أنحاء العالم يبلغ نحو خمسين مليون مشاهد.
وقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا يقول: » في نوفمبر الماضي (عام 2003) أعلن جورج بوش أن المجتمعات الناجحة تحد من قوة الدولة والعسكريين وتسمح بالحرية للصحف ووسائل الإعلام الإذاعية المستقلة».
ولكن بعد ثلاثة أيام أعتقل مصور الجزيرة صلاح حسان في العراق واعتقل في سجن انفرادي في زنزانة بحجم قنّ الدجاج واضطر إلى الوقوف وقد غطيت رأسه وظل مكبلا لأكثر من إحدى عشرة ساعة وقد جرد من ملابسه. وتعرض للضرب من الجنود الأميركيين الذين كانوا ينادونه باسم «الجزيرة» أو بألفاظ بذيئة. وفي النهاية بعد شهر رموه في أحد الشوارع خارج بغداد بنفس الملابس الحمراء التي أجبروه على ارتدائها أثناء اعتقاله.
كذلك اعتقل عشرون آخرون من صحافيي الجزيرة واحتجزتهم القوات الأميركية في العراق ولقي الصحافي طارق أيوب مصرعه عندما أطلقت دبابة أميركية قذيفة على مكاتب الجزيرة في فندق فلسطين ببغداد. وزعم البنتاغون أن ما وقع كان مجرد حادث. يضاف إلى ذلك أن الطائرات الأميركية قصفت مكاتب الجزيرة في كل من البصرة وأفغانستان، كما أعتقل اثنان من مراسليها وسجنا دون تهم حقيقية أحدهما في إسبانيا والآخر في خليج غوانتانامو.
ولم يكن صحافيو الجزيرة هم الذين تعرضوا وحدهم للحصار، ولقد أصبحت حرب العراق أكثر المخاطر المميتة بالنسبة للصحافيين. وقد ذكرت لجنة حماية الصحافيين أنه بحلول منتصف عام 2006 قتل أكثر من مائة صحافي في العراق أثناء تأدية أعمالهم. ومقارنة بذلك نجد أن 66 صحافياً فقدوا حياتهم أثناء الصراع في فيتنام الذي استمر عشرين عاما.
وكان أكثر من نصف من ماتوا في العراق من الصحافيين العراقيين والعرب. وقد قتل خمسة عشر صحافياً بنيران أميركية. وأعلنت منظمة مراسلون بلا حدود أن بيانات القيادة العسكرية الأميركية المتكررة في العراق والتي تقول إن القوات تصرفت وفقا «لقواعد الاشتباك» أو «الدفاع المشروع عن النفس» حجج «غير كافية». كذلك يتعرض الصحافيون للاعتقال أثناء عملهم في العراق، ففي سنة 2005 وحدها اعتقلت القوات الأميركية سبعة صحافيين عراقيين لمدد طويلة دون اتهام أو الإفصاح عن أي دليل يؤيده.
وفي فبراير 2006 تحدث صحافيو الجزيرة عن تجربتهم للمرة الأولى على شاشة برنامج «الديمقراطية الآن». وكان أحمد منصور ومعه المصور ليث مشتاق يعملان داخل الفلوجة معظم أيام الحصار وركز بشكل خاص على مظاهر الحقد الأميركي. وفي عام 2005 قالت صحيفة «الأوبزرفر البريطانية» وفقا لما ذكره سامي محيي الدين الحاج، مصور الجزيرة الذي اعتقله الأميركيون في أفغانستان ثم سجنوه في غوانتانامو، فإنه يبدو أن المحققين الأميركيين مهووسون بفكرة أن القاعدة اخترقت القناة وظلوا يسألونه عن أحمد منصور أكثر من مائة مرة».
ويرى مؤلفا الكتاب أن تقارير أحمد منصور من الفلوجة أثارت غضب إدارة بوش والعسكريين الأميركيين لأن تلك التقارير كانت تفضح بشاعة الهجوم الأميركي وغارات الطائرات الأميركية واستهداف السكان المدنيين الذين واجهوا الموت هم وأطفالهم. وردت القيادة العسكرية الأميركية بأن طلبت من طاقم الجزيرة مغادرة الفلوجة حتى تستمر المذابح التي ترتكبها القوات الأميركية دون وجود شهود.
وأعلن الجنرال مارك كيميت أن «المحطات التي تبين أن الأميركيين يتعمدون قتل النساء والأطفال لم تعد تعتبر مصادر مشروعة للأخبار. هذه مجرد دعاية وأكاذيب». وبعد خمسة أيام في يوم 15 ابريل قال دونالد رامسفيلد إن تقارير قناة الجزيرة شريرة وغير دقيقة ولا تغتفر.
ويشير مؤلفا الكتاب إلى أن قليلا من الصحافيين هم الذين واجهوا العبء المزدوج الذي واجهه أحمد منصور وزملاؤه وهو ليس فقط المحافظة على حياتهم أثناء عملهم في منطقة حرب، بل وأيضا وجوب الحفاظ على إجادة المهنة والحفاظ على سمعتهم في وجه الانتقاد القاسي من القادة الأميركيين والبريطانيين.
ويقول المؤلفان: لقد أصبح من الواضح أن عقوبة تقديم الحقائق غير الرسمية أصبحت الرصاصات أو القنابل الأميركية التي جربت على مكاتب وصحافيي الجزيرة. وفي هجمة غير عادية على الصحافة أعلن العسكريون الأميركيون في ابريل 2004 أنه لن يكون سلام للفلوجة إلا إذا خرجت قناة الجزيرة من المدينة. وفي أغسطس 2004 أمرت الحكومة العراقية بإغلاق مكتب الجزيرة في بغداد. وكان ذلك الإغلاق معلما هاما في حرب بوش ضد وسائل الإعلام المستقلة.
عرض ومناقشة: صلاح عويس


