فاز نيكولا ساركوزي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو الماضي لأنه جذب جزءاً أساسياً من أنصار اليمين المتشدد باتجاه شعاراته المحافظة. وفي واقع الأمر، فإن نسبة دعم الجبهة الوطنية هبطت من 15% إلى 10%، الأمر الذي أضعف هذا الحزب إلى حد كبير وعزز من قوة اليمين الفرنسي التقليدي.

حقق ساركوزي نجاحاً في الاستراتيجية القائمة على تبني مسائل الهوية الوطنية والهجرة. وكنتيجة لهذه الاستراتيجية، فإن الكثير من الشبان رأوا أن حملته الانتخابية تميل كثيراً باتجاه اليمين. وفي فرنسا ، كما في أوروبا كلها، كان الناس ينتظرون حكومة محافظة بشكل متشدد مماثلة لإدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.

لكن ذلك كان خطأ. فتناول نيكولا ساركوزي قضية الهوية الوطنية المهددة، الأمر الذي يرتبط بالهجرة دائماً، ليس كافيا لتحويله إلى أحد المحافظين الجدد على الطراز الأميركي، ولقد قرر إظهار ذلك في ميدان السياسة الخارجية.

ساركوزي شكل حكومته وهو على علم بوجود تقليد عريق يتعلق بكون السياسة الخارجية الفرنسية قائمة على التوافق ، بحيث أعطى مفاتيح أهم حقائب هذه الحكومة لسياسيين من اليسار، وعلى رأسهم بيرنار كوشنير الاشتراكي الذي تسلم حقيبة وزارة الخارجية، والذي كان سابقا وزيرا اشتراكيا للشؤون الإنسانية ونائب وزير الصحة.

جان بيير جوييه يساري آخر يحمل حقيبة الشؤون الأوروبية. وجان ماري بوكيل ، عمدة مولهاوس الاشتراكي، يشغل منصب وزير التعاون والعلاقات مع العالم الفرانكفوني. وهناك اشتراكيون آخرون تم تعيينهم في ميادين شتى في الحكومة. أما فضيلة عمارة، وهي مديرة منظمة غير حكومية تدافع عن حقوق المرأة، فقد تسلمت حقيبة وزيرة الدولة للإدارة المدنية.

المبادرة الثانية المهمة لنيكولا ساركوزي تمثلت في إعطاء زخم جديد للمشروع الأوروبي. فبعد الفشل الذي شهده عام 2005 في إقرار مسودة الدستور الأوروبي، أصبح من الصعوبة بمكان توضيح أن الطريقة السليمة للتصرف تكمن في المشاركة في مفاوضات قد تحرز تقدما جزئيا على صعيد تحسين آليات اتخاذ القرارات في الاتحاد الأوروبي.

على كل حال، فإنه لم يكن هناك دواع ملحة ومباشرة والجميع كان يمكن أن يتفهم أن نيكولا ساركوزي كان بوسعه الانتظار عامين أو ثلاثة أعوام قبل أن يدخل سمعته إلى دائرة الخطر من باب إحياء فكرة الدستور الأوروبي.

لكنه نهض بأعباء هذا الخطر وحقق نجاحاً في إقناع قادة أوروبيين آخرين بأن يتبنوا دعوته إلى «اتفاقية مبسطة». صحيح أنه لم يكتب النص النهائي للاتفاقية حتى الآن، لكن يبدو ممكنا أن تلقى تلك الاتفاقية النجاح المنشود، الأمر الذي لن يحسن آلية عمل الاتحاد الأوروبي فحسب، وإنما سيكون نافعا كذلك من أجل إرسال إشارة إيجابية للمتشككين من الأوروبيين، وخصوصا البريطانيين والبولنديين. ففرنسا لم تتخل عن تطلعها إلى أوروبا «ككيان سياسي» يتعدى مجرد كونه سوقا موحدة.

المبادرة الثالثة لساركوزي حدثت عندما تنازل عن منصب رئيس صندوق النقد الدولي. فمن الطبيعي أن يذهب ذلك المنصب إلى شخص أوروبي وساركوزي فاجأ الجميع بتقديمه لاشتراكي فرنسي هو دومينيك شتراوس كان، الرجل الذي يتمتع بقدرات حقيقية ويحظى باحترام الجميع.

كما شكل تعيين شتراوس كان ضربة فعالة من منظور السياسة الفرنسية الداخلية، ذلك أنه قد يضعف موقف الاشتراكيين. بيد أن الأهم من كل ما سبق هو أن حدث اختيار شتراوس كان يمثل اتخاذ موقف حقيقي في النقاشات الاقتصادية العالمية في يومنا هذا. وساركوزي يعلن عن نفسه بذلك «منظما» اقتصاديا ، وليس ليبراليا مقتنعا بأن التوازن الحالي لقوى السوق على خير ما يرام وبأنه لا حاجة لأي تدخل.

المبادرة الرابعة مرتبطة بالشؤون الخارجية أيضا وتتمثل في إطلاق سراح الممرضات البلغاريات الست اللواتي كن سجينات في ليبيا بتهم مزيفة تتعلق بنقل عدوى فيروس الايدز عمدا إلى عدد من الأطفال الليبيين. فلقد جرت مفاوضات مكثفة مع ليبيا امتدت على مدار أكثر من عام ، وكانت تلك المفاوضات مدفوعة من قبل أوروبا بشكل رئيسي، لكنها لم تصل إلى نهاية طيبة، لأن الحكومة الليبية بقيادة العقيد القذافي لم تثق بمحاوريها، وساركوزي فهم ذلك وساعد باختياره زوجته كمفاوضة، بحل المسألة.

لا بل إن ساركوزي يسعى إلى تكثيف التعاون في ميدان التنمية في سائر منطقة البحر الأبيض المتوسط . واستهل مسعاه هذا برحلة رئاسية إلى الجزائر ومن ثم إلى طرابلس الغرب، ولقد أعقب هذه الرحلة برحلات على مستوى الوزراء إلى بيروت. وإن ضمان المستوى الجيد من التنمية في هذه المنطقة من العالم سيشكل تحديا طويل الأجل ومعقدا ومن الضروري إحراز تقدم على هذا الصعيد.

إن استعداد الحكومة الفرنسية للامساك بزمام المبادرة في المحادثات الدولية حول التغير المناخي يمثل إشارة أخرى على أن ساركوزي لديه النية في جعل فرنسا تعود إلى موقعها الطبيعي لتكون قوة عالمية. بعد الشلل الجزئي الذي شهدته السنوات الخيرة على صعيد منصب الرئيس جاك شيراك، عادت الحيوية للسياسة الخارجية الفرنسية. وهنا يتعلق الأمر بضرورة امتلاك نظرة متفائلة ليس في فرنسا فحسب، لأن حيوية ساركوزي تعد بإعطاء زخم لتأثير أوروبا السياسي في العالم أجمع.

عن «إيه بي سي»