يلعب علم الكيمياء دورا كبيرا في حياة الإنسان وتقدمه ورقيه؛ فعلى امتداد عقود طويلة من الأبحاث والدراسات والاكتشافات، أمكن للعلماء اختراع ألوف من المواد الكيميائية الصناعية، حيث دخلت هذه المواد حياتنا اليومية وأصبحنا نعتمد عليها بشكل مباشر. وتؤكد الدراسات أنه يتم ابتكار حوالي 1000 مادة كيميائية سنويا تدخل جميعها في معظم نشاطات الإنسان اليومية، ويعتمد عليها البشر سعيا وراء الحضارة والمدنية الحديثة.
هذه الطائفة الكبيرة من المركبات الكيميائية تدخل في طعامنا وشرابنا وملابسنا ومستحضرات العناية الشخصية ومواد ومساحيق التنظيف وملطفات الجو وغيرها الكثير، فهل هذه المركبات الكيميائية آمنة ولا تشكل خطرا على صحة الإنسان وسلامته؟ هذا هو السؤال الذي تتعرض له مجلة «نيوساينتست» العلمية بشكل غير مباشر في أحد أعدادها الأخيرة. فطبقا لدراسات مجلس البحوث القومي الأميركي، فإن العالم يستخدم 50 ألف مادة كيميائية بشكل واسع، في الوقت الذي تتوفر فيه معلومات عامة عن خطورة نحو 80% من هذه المواد. فمن الشائع جدا في كل بيت استخدام المنظفات الكيميائية سواء في غسيل الملابس أو تنظيف الأرضيات أوالأطباق.
وتشير دراسة كندية في هذا الصدد إلى أن هذه المنظفات تتسبب سنويا في تسمم مليون شخص، سواء عن طريق ابتلاعها بشكل مباشر أو عن طريق استنشاق الغازات المنبعثة منها أو من خلال امتصاصها عن طريق الجلد.
وتثبت التجارب المعملية بشكل قاطع أن عملية غسل الأطباق بهذه المواد تؤدي إلى بقاء أثر محدود منها على جدران هذه الأوعية، وعند وضع الطعام الساخن في هذه الأواني التي تبدو نظيفة للوهلة الأولى، فإن المواد الكيميائية الضارة تطول في الحال هذا الطعام الذي يتناوله الإنسان من دون معرفة مدى خطورته.
فمعظم مساحيق التنظيف تحتوي على مادة النشادر التي تتفاعل مع الكلور الموجود في مساحيق التبييض وينتج عن اتحادهما مادة الكلورامين السامة جدا. كذلك فإن مساحيق التنظيف الخاصة بالغسالات تحتوي على مادة النافتا المثبطة للجهاز العصبي المركزي وعلى مادة دايثانولسامين المسببة لتسمم الكبد وعلى مادة كلوروفينيلفينول السامة جدا.
فضلا عن ذلك، فإن مساحيق التنظيف تحتوي على طائفة كبيرة من المركبات والعناصر الكيميائية المتفرقة كالفسفور والنفثالين والفينول والنشادر وبعض الأحماض غير العضوية والتي تسبب لدى ملامستها للجسم الحساسية والطفح الجلدي والحكة الشديدة.
كما شاع مؤخرا استخدام المطهرات والمعقمات في المنازل المخصصة لتعقيم الأرضيات والحمامات، وهذه المواد تحتوي على الفينول والكريسول والتي تعمل على تعطيل العصب الحسي وتدمير الكبد والكلى والبنكرياس والطحال والجهاز العصبي المركزي. أما ملطفات الجو، فلها قدرة عجيبة على تعطيل حاسة الشم عند الإنسان وتعمل على تغليف الشعب الهوائية والمجاري التنفسية بطبقة رقيقة من الزيت مهيجة للجهاز العصبي المركزي.
غير أن التقارير العلمية تشير إلى أن نسبة كبيرة من هذه المواد الكيميائية ليست ضارة في حد ذاتها ولكن ما يجعلها ضارة بالفعل بصحة الإنسان هي أنها، عند دخولها الجسم البشري، تتفاعل مع بعضها البعض، وتتسبب في الأضرار التي نعرفها جميعا.
لقد دأب علماء البيئة على التحذير من هذا الأمر لسنوات طويلة، غير أنه لم يكن لديهم دليل كاف سواء على صحة الأمر أو عدم صحته. فمعظم التحليلات التي تتم في هذا الصدد تتعرض للمواد الكيميائية بشكل فردي وذلك عن طريق تعريض الفئران لها من أجل معرفة الحد الأقصى للجرعة التي يمكن أن تتسبب في ضرر للبشر. ولا شك أن هذا النوع من التحاليل لا يمكنه تقدير الآثار الضارة للمركبات الكيميائية عندما تتحد مع بعضها داخل جسم الإنسان.
تقول شانا سوان، وهو مديرة مركز علم الأوبئة في جامعة روشستر في ولاية نيويورك الأميركية: « عندما تذهب إلى الطبيب فإنه، قبل أن يكتب لك أي دواء، يسألك أولا عما إذا كنت تأخذ أي نوع من الأدوية، وذلك لأن الأطباء يعلمون تماما خطورة التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل جسم الإنسان وما يمكن أن تتسبب فيه من أضرار مدمرة».
وتضيف الباحثة أن الأمر ذاته ينطبق على المواد الكيميائية التي لا تدخل في تصنيع المبيدات الحشرية والمنظفات وغيرها، مؤكدة على ضرورة فحص التأثير الذي يمكن أن تحدثه هذه المواد عند دخولها الجسم وليس فقط عند فحصها بشكل منفصل والتأكد من أن النسبة المستخدمة منها لا تضر بمفردها الجسم البشري.
ومن أجل التوصل إلى تقييم دقيق للخطر الذي تمثله هذه المواد الكيميائية عندما تتفاعل مع بعضها البعض داخل جسم الإنسان، قام عدد قليل من العلماء في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية باختبار اثر خميرة كيميائية على بعض الفئران المعملية وبعض أنواع السمك حيث كانت وجهة نظرهم تتمثل في أنه من المهم للغاية في هذا المرحلة التوصل إلى نتائج محددة في هذا الصدد لاسيما وأن الدوائر العلمية في العالم ليست لديها أي بيانات كافية عن كثير من المركبات الكيميائية حتى تستطيع توقع كيفية تفاعلها مع بعضها البعض عندما تدخل جسم الإنسان.
وأبدت مجموعة أخرى من العلماء اهتماما كبيرا بالتفاعلات التي تحدث بين المواد الكيميائية التي تدخل جسم الإنسان وذلك بعد أن لاحظوا زيادة في المشكلات الهرمونية التي يمكن أن يكون السبب وراءها هذه التفاعلات الكيميائية التي بدورها يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بسرطان الثدي عند السيدات.
وعندما قام هؤلاء الباحثون بفحص الأشخاص الذين يعانون هذه الاضطرابات الهرمونية وجدوا أن أجسامهم لا تحتوي إلا على نسبة قليلة من المواد الكيميائية التي يمكن أن تسبب في هذه الاضطرابات. وداخل المعمل، تبين لهم أن نسب عالية للغاية من مركبات كيميائية بعينها يجب أن توجد في جسم الإنسان كي يعاني تلك الاضطرابات، الأمر الذي دفع الباحثين بقيادة العالم أندرياس كورتينكامب.
وهو خبير في علم السميات، إلى الشك في أن التفاعلات بين المواد الكيميائية المختلفة التي تدخل جسم الإنسان هي السبب وراء إصابة الجسم بهذه الاضطرابات الهرمونية. وتوصل العالم والفريق العلمي المصاحب له إلى أن المواد الكيميائية المختلفة يمكن أن يكون لها أثر مختلف عندما تتفاعل مع بعضها البعض ويكون أثرها الضار أقوى من الأثر الفردي لكل مادة منها على حدة.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن هناك طائفة أخرى من العلماء لا يساورهم أي قلق حيال التأثير المركب لبعض المواد الكيميائية، بل أن بعضهم لا يرى لها أي أثر ضار على الإطلاق.
وتخلص المجلة إلى القول إن معظم الناس ليست لديهم الوسيلة التي تمكنهم من التخلص من المواد الكيميائية التي ثبت أنها ضارة بالجسم البشري وموجودة في الهواء الطلق على سبيل المثال، ومن ثم فإن الحل هو تنوير الناس ونصحهم بالحد من نسبة تعرضهم للمواد الضارة بقدر الإمكان وحث التجار والمصنعين على الابتعاد بقدر الإمكان عن تضمين مواد ضارة في منتجاتهم.
تقول العالمة سوان: «نحن بحاجة إلى تخصيص أموال كثيرة من أجل معرفة آلية عمل هذه الكيماويات ولكننا في الوقت نفسه يتعين علينا أخذ إجراءات تنظيمية تهدف إلى تنوير وتعريف الناس بخطورة الوضع. فكما نجح البعض في التقليص من نسبة التعرض إلى دخان السجائر، فإنه ينبغي لنا العمل على تقليص التعرض لهذه الكيماويات».
إعداد: حاتم حسين

