يفتح المؤلفان في هذه الحلقة ملف التعذيب بحق المعتقلين في السجون التي تشرف عليها وزارة الدفاع والمنتشرة خارج الأراضي الأميركية سواء غوانتانامو أو باغرام أو أبو غريب وغيرها من السجون السرية.
ويفضح الكتاب أساليب التعذيب الوحشية التي تتعارض مع اتفاقيات جنيف وحتى مع القوانين الأميركية، ويؤكد على أن تلك الأساليب حظيت بمصادقة ودعم من قبل الرئيس بوش نفسه ومن أركان إدارته، بل إن رامسفيلد حرص شخصياً على حضور بعض من جلسات التعذيب. ويشير المؤلفان إلى أن تقنيات التعذيب التي استخدمها المحققون أثناء استجواب المعتقلين قد مزجت بين الإيلام الجسدي والضغط النفسي وأنها كانت نتاج نصف قرن من الأبحاث التي شارك فيها علماء نفس متخصصون. يتميز الصحافي الأميركي ديفيد غودمان وأخته إيمي، صاحبة البرنامج التلفزيوني الشهير في أميركا «الديمقراطية الآن»، بالدقة في اختيار عناوين فصول كتابهما.
ويلاحظ القارئ للكتاب أنهما يضعان كل عنوان بعبارات قصيرة موحية وشديدة الذكاء ومن ذلك مثلاً الفصل الخامس من القسم الأول الذي يكشفان فيه عن عمليات التعذيب التي تتم في بعض الدول الحليفة حيث تقوم طائرات السي آي إيه بنقل المعتقلين إليها لتتولى أجهزة الأمن في تلك الدول استجوابهم تحت التعذيب بالوكالة عن الإدارة الأميركية. ويوحي عنوان ذلك الفصل بأن الدول التي تقوم بذلك نيابة عن أميركا هم مثل «صبي المعلم» الذي يقوم بمساعدة رب العمل في مهنته وأداء المهام التي يسندها إليه ومن هنا ندرك معنى العنوان الذي اختاره المؤلفان وهو: «صبي المعّذِب» بكسر حرف الذال.
ثم يبدأ الفصل بعبارة قصيرة للرئيس الأميركي بوش تقول: «نحن لا نقوم بالتعذيب» وكان ذلك في مؤتمر صحافي له في بنما في نهاية جولته التعيسة في أميركا اللاتينية والتي قوبلت بمظاهرات عنيفة في نوفمبر 2005. وكان بوش قد أرهقته وحاصرته الأسئلة عن سياسته القائمة على التعذيب في كل مكان ذهب إليه وهكذا لجأ الرئيس إلى تكنيك جديد خدمه جيداً في مجريات غزو العراق وهو يقضي بطرح كذبة كبيرة وتكرارها بدرجة كافية فيبدأ الناس في تصديقها. ولكن صاحبي الكتاب يذكران أن مشكلة بوش هي من تسميه صحيفة الواشنطن بوست «نائب الرئيس لشؤون التعذيب» وهو ديك تشيني الذي كان في نفس الوقت يحاول ليّ ذراع مجلس الشيوخ الأميركي لكي يسمح لوكالة الاستخبارات المركزية بممارسة عمليات التعذيب.
ورغم تصويت 90 ضد 9 لصالح مشروع تعديل قانون قدمه السيناتور جون ماكين يحرم معاملة السجناء بالقسوة والإهانة غير الإنسانية، استمات تشيني لحصول السي آي إيه على إعفائها من ذلك القانون الذي يقيدها. وهكذا كان هناك مشهد هزلي لقائدين يتجاذبان نفس الموضوع.. فهناك تشيني بطل التعذيب يمارس ضغوطه في الغرف الخلفية، في نفس الوقت الذي يصطنع فيه الرئيس بوش الابتسامات ويصر على الإنكار أمام الكاميرات. وأطلق البيت الأبيض قذائفه عبر سكوت ماكليلان المتحدث الصحافي الذي حاول الالتفاف على الموضوع، وبذلك أصبح الجميع في دنيا المسرح..
مسرح الحرب، ويعقد المؤلفان مقارنة بين حقيقة ما جرى من تعذيب في سجن أبوغريب بالعراق وبين ما كشف عنه فيلم سياسي في عام 1966 وهو الفيلم الشهير «معركة الجزائر» للفنان السينمائي الإيطالي جيلو بونتيكورفو الذي يصور نضال الجزائريين من أجل الاستقلال ضد الاحتلال الفرنسي في خمسينات وأوائل ستينات القرن العشرين.
ويبدي المؤلفان دهشتهما للتماثل الغريب بين استخدام الفرنسيين للتعذيب ضد مقاتلي جبهة التحرر الوطني الجزائرية، وبين لجوء الأميركيين إلى تعذيب السجناء في أبوغريب وغوانتانامو. وقد برزت أخبار فيلم «معركة الجزائر» من جديد عام 2003 بعد أن فرضت وزارة الدفاع الأميركية الرقابة عليه بعد شهور قليلة من إعلان بوش المتعجل أن حرب العراق قد انتهت رسمياً.
وقد أيد أحد أبواق دعاية البنتاغون فرض الرقابة على الفيلم بعبارة كاشفة تقول: «كيف نكسب معركة ضد الإرهاب ونخسر حرب الأفكار؟». وأجرى برنامج «الديمقراطية الآن» التلفزيوني مقارنة أخرى بين طريقة حديث إدارة بوش عن التعذيب اليوم، وبين أسلوب الفرنسيين في ستينات القرن الماضي، ففي أحد مشاهد الفيلم الإيطالي يعقد الكولونيل الفرنسي الدموي ماتيو مؤتمراً صحافياً وأخذ يتملص من الإجابة الصريحة على أسئلة المراسلين عن ممارسة التعذيب ضد الجزائريين ويزعم أن كلمة «تعذيب» لم ترد في الأوامر الصادرة للعسكريين الفرنسيين، وأن واجبهم هو كسب المعركة.
حوار في البيت الأبيض
يقفز البرنامج التلفزيوني على الفور إلى المؤتمر الصحافي الذي عقد في البيت الأبيض الأميركي بعد نصف قرن يوم 8 نوفمبر 2005، وفيه وجه المراسلون الأسئلة إلى سكوت ماكليلان السكرتير الصحافي للرئيس بوش، عن إعفاء السي آي إيه من مشروع القانون الذي يحرم تعذيب السجناء.
ومرة أخرى تطرح الصحافية الأميركية العريقة هيلين توماس سؤالاً عن طلب الإدارة الأميركية إعفاء وكالة الاستخبارات المركزية من تنفيذ ذلك القانون. وعندما يتهرب السكرتير الصحافي من الإجابة الواضحة على السؤال تواجهه هيلين توماس طالبة منه الإجابة بنعم أم لا؟! فيعود ماكليلان إلى المراوغة، وهنا يتدخل ديفيد غريغوري مراسل محطة إن بي سي متسائلاً:
ديفيد: لماذا تحتاج السي آي إيه لإعفائها؟!
ماكليلان: نحن نطلب ما هو ضروري لحماية الشعب الأميركي بما يتفق وقوانيننا والتزاماتنا النابعة من الاتفاقيات.. وهذا ما نفعله.
ديفيد: لماذا تحتاج السي آي إيه إلى الإعفاء من تطبيق القواعد التي تحكم سلوك العسكريين بالنسبة للممارسات الخاصة بالاستجواب؟!
ماكليلان: هناك قواعد كثيرة في الكتب ونحن نتبعها، وما نحتاجه هو ضمان قدرتنا على الاستمرار في الحرب ضد الإرهاب.
ويعلق المؤلفان على هذا المؤتمر قائلين إن ما جرى فيه ليس عملاً روائياً خيالياً ولكن إجابات البيت الأبيض هي الخيالية. ثم انتهى الأمر بمشهد مصافحة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بين بوش والسيناتور جون ماكين صاحب مشروع تعديل القانون في يوم 15 ديسمبر 2005، ورغم الحرب الضارية التي شنتها الإدارة الأميركية ضد المشروع، صدر «قانون معاملة المعتقلين» لعام 2005.
ولكنه جرد معتقلي غوانتانامو من الحق في الاعتراض على اعتقالهم أمام المحاكم الأميركية، رغم قرار تاريخي للمحكمة العليا يؤكد هذه الحقوق. ومن ثم فإن معتقلي غوانتانامو ومحققي الأمم المتحدة أكدوا تعذيب هؤلاء المعتقلين على أيدي آسريهم الأميركيين.
ومع ذلك لم تقنع الإدارة الأميركية بذلك فاختارت مساء يوم الجمعة عشية 30 ديسمبر 2005 لكي تبتعد عن أعين الصحافة لإعلان بيان موقع من الرئيس بوش ينص على أن «الفرع التنفيذي سوف يقوم بتفسير القانون بطريقة تتفق مع سلطة الرئيس الدستورية باعتباره القائد المسؤول» أي بمعنى آخر يستطيع بوش التصرف وفقاً لهواه لأنه هو رئيس الجمهورية.
وعلى الفور بدأت وزارة العدل في التحرك ورفضت تحقيق العدالة لضحايا التعذيب. وفي يوم 3 يناير 2006 أشارت الوزارة إلى القانون الجديد وأخبرت القضاة الفيدراليين بأنها تسعى إلى الرفض الفوري لجميع القضايا البالغ عددها 160 قضية سبق تسجيلها من أجل 300 معتقل في خليج غوانتانامو.
وقام المدعي العام بدعم هذا الموقف فأبلغ المحكمة العليا في 12 يناير بأنه لم يعد لها أية سلطة قضائية على غوانتانامو وطلب من القضاة رفض دعوى «حمدان ضد رامسفيلد» بشأن «المقاتلين الأعداء» كما أطلق عليها.
وفي يوم 24 يناير بدّل الجيش الأميركي موقفه وغير أوامره العسكرية ليسمح للعسكريين بتنفيذ عمليات الإعدام في معتقل غوانتانامو، ويقول البروفيسور ألفريد ماكوي: «هكذا تم استبعاد المحاكم الأميركية من التدخل في أحكام الإعدام العسكرية الميدانية للمعتقلين» وبدلاً من إغلاق غرف بوش للتعذيب تم طلاؤها بطلاء جديد وحتى تزويدها ببعض ستائر التعتيم!!
ولعل ما حدث هو الذي فتح الباب أمام المؤلفين للبحث في تورط الأميركيين في عمليات التعذيب محتمين بما وفرته لهم الإدارة الأميركية من تغطية، ولكن مؤلفي الكتاب يقولان «إن حصون الاستجواب المغلقة سرعان ما بدأت تقذف أسرارها خارج حوائطها، فبينما اضطر مزيد من الجنود إلى ممارسة التعذيب.
وبينما روى المزيد من الضحايا قصصهم المروعة عن التعذيب والأذى الجسدي الذي تعرضوا له على يد آسريهم الأميركيين، أصبحنا نتعرف يومياً على تفاصيل انزلاق أميركا إلى عالم التعذيب ولكن ما لم نسمع عنه شيئاً هو حصول الولايات المتحدة على أية معلومات مفيدة من وراء أساليب العصور الوسطى في الاستجواب».
ويستعين الكتاب بشهادة واحد من الأخصائيين عمل في الجيش الأميركي من 2001 حتى 2005 واسمه توني لاغورانيس، وقضى سنة في العراق كمحقق بدءاً من يناير عام 2004 ثم ألحق أثناء ذلك بفريق استجواب متنقل لزيارة مواقع الاعتقالات في أنحاء العراق. وعند عودته قرر أن يكشف عما رآه علناً وتمكنت إيمي غودمان من إقناعه بالتحدث بالصوت والصورة في برنامجها التلفزيوني.
حيث روى قصصاً مفزعة عن أساليب التعذيب التي كان الجنود والمحققون الأميركيون يستخدمونها بدءاً من عزل المعتقلين شهوراً طويلة وتبريد أجسامهم بالثلج لخفض حرارتها مع إبقائهم عراة، واستخدام الكلاب المتوحشة لنهش أجسادهم.
وفي موقع الاعتقال في مطار الموصل كان القائمون بالاستجواب يحبسون المعتقلين في حاويات الشحن مع تسليط الأضواء المبهرة والموسيقى الصاخبة عليهم، وبعدها يدفعون بالكلاب لتهاجمهم. ويعترف ذلك الأخصائي الأميركي بأن التعليمات العسكرية الصادرة لهم تخبرهم بأن عمليات التعذيب قانونية، وأنه اكتشف بعد ذلك أن المعتقلين مجرد فلاحين بسطاء وأبرياء تماماً ولذلك لم يستطع المحققون انتزاع أي معلومات منهم. وبعد افتضاح أمر سجن أبوغريب انتقلت عمليات التعذيب إلى المناطق السكانية.
التعذيب في البيوت
ومن أغسطس إلى أكتوبر عام 2004 ألحق لاغورانيس بوحدة استطلاع تابعة للمارينز في شمال بابل جنوب بغداد، وكانت الوحدة تغير على بيوت المعتقلين وتقوم بتعذيبهم داخلها. ويقول الأخصائي الأميركي: «كان الأمر أسوأ مما يدور في السجون فقد كان جنود المارينز يهشمون عظام المعتقلين وأقدامهم بالفؤوس. وقد أجبروا أحد المعتقلين على الجلوس على أنبوب عادم سيارة همفي العسكرية مما أصابه بحروق بشعة من الدرجة الثالثة».
ويضيف أن هؤلاء الجنود يعتقلون الناس لأكثر الأسباب غباء مثل حيازة هاتف محمول أو فأس واتهامهم بأنهم يستخدمونها لتفجير القنابل أو حفر الأرض لإخفاء المتفجرات. ويخلص لاغورانيس إلى أن أكثر من 98% من هؤلاء الناس أبرياء ولا يحملون متفجرات أو أسلحة، وأن كل من كانوا يحضرونهم إلى السجن يضطرون إلى الاعتراف بأنهم «إرهابيون» تحت ضغط التعذيب الوحشي ومن ثم يرسلونهم إلى أبو غريب.
وعندما كان لاغورانيس يذكر في تقاريره الخاصة بالاستجوابات أن هؤلاء الناس أبرياء، كانوا يرسلونهم إلى أبوغريب بدون تقاريره، وما لبثت تلك التقارير أن اختفت بطريقة غامضة ولم يعد لها وجود. وفي وقت ما أُرسل توني لاغورانيس إلى الفلوجة وطلب منه إحضار جثث القتلى العراقيين إلى أحد المخازن والبحث في جيوبهم عن بطاقات هويتهم للتعرف عليهم وجمع المعلومات بشأنهم. وبالفعل قام بتفتيش خمسمئة جثة.
ويشرح الأخصائي الأميركي السبب في ذلك بأن الأميركيين يحاولون إثبات أن عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب يعيشون في الفلوجة ويذكر أن نصف القتلى كانت لديهم بطاقات هوية ولكن كان من بينها عدد قليل للغاية من بطاقات الهوية الأجنبية.
ولم يعد لاغورانيس وحده بل عمل معه عدد من زملائه وكانوا يبذلون جهدهم فيما اسماه «طبخ السجلات» بمعنى أنهم إذا وجدوا مع جثة ما نسخة من القرآن مطبوعة في الجزائر سجلوا صاحب الجثة على أنه جزائري، وإذا وجدوا جثة بقميص أسود وبنطلون كاكي اللون اعتبروا الملابس زياً خاصاً بحزب الله وسجلوا صاحبها على أنه لبناني الجنسية.
ويقول لاغورانيس: «كان هذا أمراً بالغ السخافة لأنه كان من بين الخمسمئة جثة عدد كبير من القتلى النساء والأطفال، وتوجد فوق كل 20% من إجمالي عدد الجثث أسلحة». وفي حديثه مع برنامج «الديمقراطية الآن».
يذكر أخصائي الاستجواب أن مسؤولية تشجيع الجنود على تعذيب الناس تقع في المقام الأول على عاتق البنتاغون لأن وزارة الدفاع هي التي أصدرت ما أسمته «قواعد الاستجواب في زمن الاشتباك» التي تتعارض مع دليل الميدان الخاص بالجيش ومع اتفاقيات جنيف» ويصف هذا المحقق شعوره بقوله: «أعتقد أن استخدام العنف هو أبشع شيء يمكن أن نقوم به ولن تستطيع كسب حرب ضد الإرهاب بالقنابل والقوة لأنها لن تنجح وعليك أن تكسب القلوب والعقول. وقد فشلنا في هذا المجال تماماً.
واستخدام العنف وسيلة خاطئة تماماً ولم نحصل بها على أية معلومات لا في غوانتانامو ولا في أبوغريب». وفي صحوة من ضميره قرر لاغورانيس الإفصاح عن كل ما عرفه وشاهده إلى شاشة البرنامج التلفزيوني قائلاً: «بأمانة أريد أن أقدم اعتذاري للعراق لأنني أعتقد أننا ارتكبنا أعمالاً سيئة كثيرة هناك. وأقول لزملائي العسكريين في العراق: راعوا ضمائركم».
علم الألم
ورأفة بالقارئ العزيز آثرت ألا أتابع استعراض كل صور التعذيب المفزعة ذلك أنني شعرت بالإرهاق النفسي الشديد بعدما انتهيت من قراءتي الأولى للكتاب، ولكنني أرى من الضروري أن ألخص للقراء الأفاضل جزءاً مهماً من الفصل الخاص بالممارسات الوحشية للقوات الأميركية في العراق، ويتصل هذا الجزء بما يسمى «علم الألم» ويذكر مؤلفا الكتاب أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ظلت تقوم منذ عدة عقود من السنين بتطوير أساليبها في الاستجواب ثم تصديرها إلى بقية أنحاء العالم وتمثل صور التعذيب الشهيرة في أبوغريب ذروة نصف قرن من الأبحاث الأميركية في التعذيب.
ويستعين المؤلفان في هذا المجال بالبروفيسور ألفريد ماكوي أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسين وهو مؤلف كتاب: «مسألة تعذيب: استجوابات السي آي إيه من الحرب الباردة حتى الحرب على الإرهاب». ويشرح البروفيسور الأميركي ما أسماه الجنون الكامن وراء هذه الأساليب فيقول: «إذا تأملت الصورة الشهيرة من أبوغريب التي تبين شخصاً عراقياً يقف على صندوق وذراعيه مشدودتين ورأسه مغطى وتتدلى من ذراعيه أسلاك كهربائية..
في هذه الصورة تستطيع أن ترى تاريخ خمسين سنة كاملة من ممارسات السي آي إيه في التعذيب.. والمسألة في غاية البساطة عند تأمل تلك الصورة ـ فالرأس عليها غطاء لإفقاد الشخص المعتقل الحس بالمكان والزمان، ويداه مشدودتان لإصابته بالألم الذاتي، وهذا من تقنيات السي آي إيه الأصلية.
ففي الفترة بين عام 1952 وعام 1962 أجرت السي آي إيه برنامج أبحاث ضخماً على العقل البشري اسمه برنامج مانهاتان، وأنفقت عليه أكثر من مليار دولار في السنة لفك رموز الوعي البشري بدءاً من استخدام الإكراه في الاستجواب الفردي والإقناع الجمعي. وقد حاولت وكالة الاستخبارات الأميركية استخدام عقار إل إس دي، والمسكرات، وجميع أنواع المخدرات، وجربت أيضاً الصدمات الكهربائية، ومصل الحقيقة، والبنتوصوديوم، ولم تنجح أي منها».
ويضيف البروفيسور ألفريد ماكوي قوله «إن ما نجح في برنامج السي آي إيه مسألة سلوكية بسيطة تعود مصادرها إلى جامعات كبيرة مثل هارفارد وبرينستون وبيل وماكغيل. وقد تسربت الأنباء عن ذلك للمرة الأولى من جامعة ماكغيل الكندية وتبين أن الدكتور دونالد هيب العالم النفسي اللامع في تلك الجامعة مرتبط بعقد مع مجلس البحوث في وزارة الدفاع الكندية وشريكة وكالة السي آي إيه في ذلك البحث.
وقد توصل العالم الكندي إلى أنه يستطيع أن يسبب حالة من الاضطراب العقلي في شخص ما خلال ثماني وأربعين ساعة دون الحاجة إلى استخدام الصدمات الكهربائية أو مصل الحقيقة أو الضرب والإيلام. وكان كل ما لديه في أبحاثه عدد من تلاميذه المتطوعين جلسوا في غرفة صغيرة، وعلى أعينهم نظارات واقية من الضوء، ويرتدون قفازات، ويضعون سماعات الرأس على آذانهم، حتى يصبحوا معزولين تماماً وفاقدين لحواسهم ولا يتعرضون لأي شيء ينشط حسهم بالمكان أو الزمان لمدة ثماني وأربعين ساعة.
وفي البداية بدأ الطلاب يعانون من الهلوسة وانتهى بهم الأمر إلى الانهيار العصبي وتعتبر صور أبوغريب لقطات فوتوغرافية لأسلوب السي آي إيه وهي تظهر الناس وقد وضعت الأكياس على رؤوسهم. وإذا أمعنت النظر في صورة معتقلي غوانتانامو حتى في هذه الأيام ستجد أنهم يبدون بالضبط مثل الطلاب المتطوعين المحتجزين في غرفة الدكتور هيب».
أما المصدر الثاني الذي تسربت منه أنباء برنامج السي آي إيه فهو في مدينة نيويورك. ويذكر البروفيسور ماكوي اسم المركز الطبي في جامعة كورنيل الذي يوجد فيه اثنان من أطباء الأمراض العصبية البارزين. وهما كذلك متعاقدان مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لدراسة تقنيات التعذيب المتبعة لدى جهاز الكي جي بي السوفييتي.
وقد توصل الطبيبان إلى أن أنجحها تقنية الألم الذاتي وذلك بإجبار الشخص على الوقوف يوماً أو يومين دون أن تضربه أو تهينه ثم تقول له: هذا ما تفعله بنفسك، تعاون معنا فتستطيع أن تجلس. وبوقوف الشخص لمدة طويلة تندفع السوائل في جسمه إلى ساقيه فتتورمان. وتبدأ الهلوسة وتتعطل الكليتان.
ومن خلال التجربة والخطأ طورت السي آي إيه أساليبها عبر تجربة تقنيات تعذيب متنوعة بدءاً من الضرب حتى إمداد الجنود سراً بعقاقير الهلوسة، ولكن البروفيسور ماكوي يرى أنها لم تنجح ولكن نجح مزيج من أسلوبين يبعثان على الملل وهما إحداث الاضطراب العقلي الذي يفقد الحس بالمكان والزمان والإيلام الذاتي.
وقد ثبت أن الاستخدام الأميركي للتعذيب النفسي هو أكثر شرور التعذيب، وأنه أسلوب مدمر للنفس الإنسانية وأخطر تأثيراً من التعذيب الجسدي حتى أن السيناتور جون ماكين وهو يتحدث عن اقتراحه لقانون منع التعذيب قال إنه يفضل أن يعذب جسدياً على أن يتعرض لتعذيب نفسي».
وتوفر صور أبوغريب تفاصيل مهمة عن كيفية استخدام الولايات المتحدة لذلك الأسلوب المدمر الذي يذكر ماكوي أن مفتاحه هو مهاجمة الأعضاء الحسية البشرية حتى يفقد الإنسان الإحساس بالضوء والصوت والحرارة والبرودة والزمن.
ويؤكد المؤلفان أن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق كان يصر على اقتباس تقنيات التعذيب النفسي لاستخدامها في الحرب على الإرهاب واعتمد في ذلك على الجنرال جيفري ميللر الذي عين عام 2002 مديراً لمركز الاعتقال في خليج غوانتانامو فحوّل المعتقل إلى معمل لأبحاث التعذيب. وأضاف العسكريون الأميركيون أسلوبين جديدين إلى نماذج السي آي إيه وهما: «مهاجمة الحساسية الثقافية» وخاصة بالنسبة للذكور العرب وحساسيتهم بالنسبة للجنس والهوية الجنسية.
ثم تمادى العسكريون إلى أبعد من ذلك تحت إشراف الجنرال ميللر فابتكروا فرقاً من الاستشاريين النفسانيين لإشراكهم في عمليات الاستجواب لاستغلال أمراض الرهاب أي الهلع والخوف من أشياء معينة كالخوف من الظلام والارتباط الشديد بالأم والخوف من الأماكن المغلقة أو المرتفعة.. الخ.
وفي أغسطس 2003 وصل الجنرال ميللر إلى العراق ومعه دليل وعدد من الاسطوانات المدمجة (السي. دي) لنشر أسلوب التعذيب الأميركي بين العسكريين ومسؤولي الاستجواب والشرطة العسكرية وضباط أبوغريب والجنرال ريكاردو سانشيز القائد العسكري الأميركي في العراق. وخلال شهر وزع سانشيز تعليمات جديدة تتضمن تفاصيل جديدة لتقنيات الاستجواب والتعذيب تتجاوز تلك التي يسمح بها الدليل الميداني للجيش الأميركي.
حضور رامسفيلد
وكان رامسفيلد حريصاً على حضور بعض عمليات الاستجواب وقد حظي بدعم كبير من بوش الذي أعلن أن اتفاقيات جنيف لا تنطبق على من أسماهم «الإرهابيين». وذكرت مجلة نيوزويك الأميركية أن «رامسفيلد قرأ تقريراً في نوفمبر عام 2002 عن التقنيات الجديدة للاستجواب في غوانتانامو والتي كانت تقضي بوقوف المعتقل لمدة أربع ساعات.
فكتب رامسفيلد على هوامش التقرير يقول: «لماذا تحدد الوقوف بأربع ساعات فقط؟ أنا نفسي أقف ثماني ساعات في اليوم». ويقول البروفيسور ماكوي أستاذ التاريخ: «عندما أصدرت إدارة بوش أوامرها لاستخدام تقنيات تعذيب مماثلة في بداية الحرب على الإرهاب، تصورت أن هدفها سوف يكون محدوداً بكبار رجال القاعدة المشتبه فيهم، ولكن خلال شهور أصبحنا نعذب مئات الأفغان في باغرام، وبعدها بشهور قليلة في عام 2003 استخدمنا تلك التقنيات لتعذيب ألوف العراقيين.
ويمكن أن نرى في الصور التي ظهرت كيف أن التعذيب سرعان ما يتحول إلى جحيم دانتي بمجرد أن يبدأ. ويبدو الإصرار على استخدام تلك التقنيات من خلال تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية نشرته الصحف الصادرة يوم 24 يوليو 2007، فقد ذكرت الوكالة أن مايك ماكونل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قال إن بلاده ستواصل استخدام «تقنيات حازمة» لاستجواب المتهمين بالإرهاب لأنها أدت ـ كما يدعي ـ إلى إنقاذ عدد كبير من الناس».
ورفض ماكونل في حديث لشبكة إن بي سي الأميركية الإفصاح عن تلك التقنيات، كذلك لم يفسر مدير الاستخبارات ماذا يعني بكلمة «حازمة» وما إذا كانت تلك الكلمة تعني في الحقيقة استخدام تقنيات التعذيب. ولكن أشار إلى أنها مقاربة نفسية تدفع المتهم إلى الإحساس بعدم الأمان.
غير أن إيمي وديفيد غودمان يقولان إن إدارة بوش ذهبت إلى أبعد ما يمكن لكي تضفي على سياسات التعذيب غطاءً قانونياً وخاصة بالتحايل في صياغة قانون عام 2005 الخاص بمعاملة المعتقلين مرة بالنص على تبرئة عملاء السي آي إيه إذا ارتكبوا تعذيباً غير إنساني معتقدين أنهم ينفذون أمراً قانونياً، ومرة أخرى بالنص على عدم خضوع قاعدة ومعتقل خليج غوانتانامو للقوانين الأميركية.
ولذا فإن البروفيسور ماكوي يختتم بحثه بقوله: «الواقع أنهم (أي الإدارة الأميركية) استخدموا قانون معاملة المعتقلين لعام 2005 لإضفاء طابع قانوني على أعمالهم» . أما مؤلفا الكتاب فيختتمان هذا الفصل بقولهما: عند كتابة نعي الديمقراطية الأميركية ستكون علامة الإنجاز هي كيف دافع رئيس أميركي ونائبه عن عمليات التعذيب، وكيف أذعن الكونغرس، وكيف وفرت المحاكم الغطاء القانوني لأولئك الساديين، بينما كان حكماء ونقاد وسائل الإعلام يناقشون بأدب نتائج الانزلاق إلى الوحشية البربرية.
عرض ومناقشة: صلاح عويس


