أكد محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن القنوات الدبلوماسية هي الطريق الأمثل لإخضاع إيران لرغبة المجتمع الدولي في إنهاء برنامجها النووي. وفي حوار مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية مؤخراً، قال البرادعي إن الفترة المقبلة ستكون فرصة إيران الأخيرة لإقناع المجتمع الدولي بالطبيعة السلمية لبرنامجها النووي، غير انه حذر من أن تصعيد الموقف مع طهران قد يأتي برد فعل من جانبها قد يذهل كل من يؤمن بالحل المسلح للقضية. وفيما يلي نص الحوار.

* المجتمع الدولي يرى أن إيران تسعى إلى بناء أسلحة نووية، في حين أن هناك نفياً إيرانياً لهذا الأمر. هل نحن الآن أمام مرحلة حاسمة يمكننا الحصول فيها على رد على تساؤل العالم حول هذه القضية؟ ـ نعم. الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة للموقف في الشرق الأوسط برمته، سواء أكان تحركاً نحو تصعيد الموقف أو نحو الوصول إلى حل سلمي.

* أنتم الآن تضطلعون بموقف محوري. فالتقرير الجديد بشأن إيران الذي أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية يمكن أن يؤدي إلى مزيد من العقوبات المتشددة ضد إيران.

ـ سيكون على المجتمع الدولي الوصول إلى مثل هذا القرار. نحن علينا توضيح الحقائق وتقييم الموقف فقط. هناك مؤشرات إيجابية للوضع الآن. فنحن في الوكالة ولأول مرة توصلنا لاتفاق مع الإيرانيين على وضع خريطة طريق لتوضيح القضايا العالقة. وسنعلم بحلول نوفمبر أو ديسمبر على الأكثر ما إذا كان الإيرانيون سيوفون بوعودهم أم لا. ففي حال عدم التزامهم، فإن إيران ستفقد فرصة عظيمة قد تكون الأخيرة في هذا الصدد.

* لقد وصفت الحكومة الأميركية استعداد إيران الأخير للتعاون بأنه محاولة واضحة لإبعاد اهتمام العالم عن نواياها الحقيقية وعملها المتواصل على تطوير قدرات نووية. هل الوكالة الدولية للطاقة الذرية يمكن أن تكون بهذه السذاجة؟

ـ لقد تعودت على هذه الاتهامات. وهي اتهامات غير حقيقية على الإطلاق. من غير الممكن أن يتلاعب بنا أحد. نحن لسنا ساذجين ولا نجامل طرفاً على حساب آخر. فتقريرنا الجديد حول إيران يقول إن الحكومة الإيرانية لا تلتزم حالياً بما طُلب منها من قبل الأمم المتحدة فيما يتعلق بالوقف الفوري لعمليات تخصيب اليورانيوم.

* هناك حقيقة واقعة تشير إلى أن طهران قضت سنوات في محاولة إخفاء نواح مهمة تخص برنامجها النووي عن المجتمع الدولي.

ـ هذا صحيح.

* إن نائبك، أولي هاينونين الذي يتفاوض مع الإيرانيين، يتحدث الآن عن حدوث اختراق في الموقف. ولكن ألا يلزمكم الاحتفاظ ببعض الشك في النوايا الإيرانية في ضوء سجل طهران في التفاوض معكم؟

ـ نحن جميعاً في واقع الأمر نعمل من أجل هدف استراتيجي واحد وهو ألا تملك إيران سلاحاً نووياً. نحن نبحث بشكل مستمر عن دلائل على سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. وعثرنا على أشياء تثير الشك. والآن علينا أن نتأكد من صحة أو عدم صحة هذه الشكوك عن طريق زيارة المنشآت الإيرانية والبحث في تفاصيل عمل تلك المنشآت.

* ماذا تتوقع من طهران؟

ـ نتوقع الحصول على معلومات عن مدى وطبيعة برنامج تخصيب اليورانيوم والدراسات المريبة التي حدثت حوله. العنصر الرئيسي والحاسم في تقديرنا للموقف سيكون ما إذا كانت إيران ستتعاون معنا بشكل إيجابي أم لا.

* يتضح أن إيران لديها وحدات طرد مركزية أقل مما افترض الخبراء مؤخراً. البعض يقول إن عددها أقل من 3000، وهو أقل عدد من وحدات الطرد التي تحتاجه أي دولة لإنتاج مواد قادرة على صنع قنبلة نووية خلال عام واحد. فهل واجه العلماء مشكلات في الجانب التقني، أم أن ذكر هذا العدد القليل يعد نوعاً من التسوية السياسية للموضوع؟

ـ كلا الاحتمالين وارد. حدسي يقول إن إيران استجابت لمطالبنا المتكررة للتراجع عن برنامجها النووي.

* ألا توجد أي مسائل أخرى لاتزال بعيدة عن علمكم؟

ـ لا. نحن نستطيع التأكد من كل شيء بشكل دقيق للغاية. أنا لا أريد أن أجزم بشكل قاطع ما إذا كانت إيران ملتزمة بوعودها وتعزز هذا الالتزام بالأفعال أم لا. أنا لا أريد أن أفقد فرصة التأكد بنفسي من كل شيء، فعقوبات الأمم المتحدة ضد إيران ستبقى أثناء الفترة الانتقالية. من المهم مواصلة الضغوط. ولكن بالإضافة إلى العقوبات يجب أن تكون هناك أيضاً حوافز.

* ألا تعتقد الآن أنه آن الأوان لتشجيع إيران على تبني اتجاه مغاير؟

ـ هذا هو موقفي. فإذا جاء لي أحدهم وقال لي أريد العمل معك فإنه يتعين علي التأكد من عرضه كي أدرك نواياه. يجب أن نطلع على جميع الوثائق وأن نتمكن من التحدث إلى أي شخص وأن تكون لنا حرية الوصول إلى أي منشأة. نحن نتحدث عن شهرين أو ثلاثة وبعدها سنحصل على مزيد من المعلومات.

* إذاً أنت تطلب فترة للتأكد من النوايا، ولكن إدارة بوش ترى القضية من منظور مختلف. فهي تريد مضاعفة درجة الحرارة على القدر الموجود على النار.

ـ فلنحذر من هذا الأمر! فإذا رفعنا من درجة الحرارة بشكل كبير للغاية فإن القدر يمكن أن ينفجر من حولنا.

*إن واشنطن تريد وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية وطلبت من البنوك الأجنبية إلغاء معاملاتها مع إيران. أما جريجوري شولت، المبعوث الأميركي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد أوضح بشكل لا يقبل أي مواربة أن بلاده تريد مزيداً من العقوبات على إيران. فهل تعتقد أن الروس والصينيين سيصوتون في مصلحة فرض عقوبات إضافية في مجلس الأمن عندما يطلعوا على التقرير الجديد للوكالة عن إيران.

ـ نحن في الوكالة الدولية لسنا الطرف المنوط به اتخاذ مثل هذه القرارات.

* ولكنك تعتقد أن تشديد العقوبات سيأتي بنتائج عكسية؟

ـ رأيي هذا ليس سراً. يمكنك التوصل لعدد كبير من خرائط الطريق. ولكن إذا كان لا يوجد أساس من الثقة، فإن كل الجهود التي ستبذل ستذهب سدى بلا أي طائل. فالعقوبات وحدها لن تؤدي إلى حل دائم. فما نحتاجه في الشرق الأوسط ليس مزيداً من الأسلحة وإنما فرص تعليمية أفضل ومزيد من الأمن للشعوب.

يجب أن نُذكّر أنفسنا كل يوم بالموقف المأساوي الذي يعيشه الشعب العراقي الآن. وتحسين الموقف هناك لن يتأتى إلا من خلال إجراءات سياسية ومن خلال تحسين جوهري في مستوى حياة الشعب هناك، وذلك عن طريق زيادة فرص التعليم وآفاق العمل. والأهم من ذلك كله تأتي مشاركة دول الجوار في وضع الحل.

* القيادة الإيرانية تصر على حقها في تخصيب اليورانيوم وكل دولة وقّعت على اتفاقية حظر الأسلحة النووية لها الحق نفسه، على الأقل من الناحية الرسمية.

ـ هناك شكوك ملموسة تحيط بأنشطة إيران. ولهذا فأنا أعتقد أن إيران بشكل مؤقت قد فقدت حقها في هذا الصدد ولن تستطيع استعادة هذا الحق إلا من خلال إجراءات بناء الثقة بينها وبين المجتمع الدولي. وعلى الوجه الآخر فإن الغرب يجب أن يدرك أنه إذا كان كل ما يتوقعونه هو المواجهة فإنهم ربما أيضاً ينسون الحوار، وفي ضوء هذا فإنهم قد يدهشون من محاولة الطرف الآخر الانتقام.

ترجمة: حاتم حسين

عن «دير شبيغل»