يتناول المؤلفان في هذه الحلقة قضية في غاية الخطورة ألا وهي مسألة قيام وكالة المخابرات المركزية الأميركية «السي آي إيه» بتجنيد عملاء لها في أوساط الصحافيين داخل الولايات المتحدة وخارجها وإن كان يتم التركيز في هذا الكتاب، بطبيعة الحال، على زملائهم في المهنة من أبناء جلدتهم.
ويشير الأخوان غودمان إلى أن هذه الممارسة كانت شائعة منذ الستينات والسبعينات من القرن العشرين ولكنها اكتسبت زخماً خاصاً بعيد أحداث 11 سبتمبر وانطلاق إدارة بوش في حربها على الإرهاب وغزوها اللاحق لأفغانستان والعراق، وذلك لحاجة الإدارة الماسة لتجميل صورتها في العالم.ونجد تأكيداً من قبل المؤلفين على وجود أسماء لامعة في مجال الصحافة على قوائم كشوفات الرواتب الخاصة بالسي آي إيه. وفي مقابل محاولات التقرب والشراء التي قامت بها إدارة بوش إزاء الصحافيين، كانت هناك عمليات إقصاء وإبعاد ممنهجة للصحافيين الجادين والملتزمين بقضايا الجماهير عن المؤتمرات الصحافية للرئيس لكي لا يتم إحراجه بأسئلة تتوخى معرفة الحقيقة ونقلها إلى القراء.
عندما يتناول مؤلفا الكتاب شبكات التلفزيون التي يسميانها «المعادية للحقيقة» يقتبسان في صدر الفصل الخاص بها عبارة قيلت على لسان جوزيف غوبلز وزير الدعاية النازي مفادها: الحقيقة هي العدو القاتل للأكاذيب، فإذا انتشرت تصبح أكبر أعداء الدولة»!
فإذا انتقل المؤلفان إلى الحديث عن «الحرب على الإرهاب» فإنهما يريان أن إعلام الإدارة الأميركية، تصورها على أنها تسير سيرا حسنا جدا، ويعلقان على ذلك بقولهما إن كل الروايات التي يرويها ذلك الإعلام هي من إنتاج الحكومة الأميركية، وإن «المراسلين» ليسوا في الحقيقة، إلا محترفين لمهنة العلاقات العامة استأجرتهم الحكومة ويستخدمون أسماء مستعارة.
ويذّكر الكتاب قراءه بمشهد رجل أميركي من أصل عراقي ظهر على شاشة التلفزيون معلقا على سقوط بغداد وهو يهتف قائلا:
«شكرا لك يا بوش، شكرا لك يا أميركا.. أنا أحب بوش وأحب أميركا..». ويقول المؤلفان: «هذه هي رؤية إدارة بوش لما يسمى (تلفزيون الحقيقة): عندما لا يحب رجال الإدارة الحقيقة فإنهم ببساطة يصنعون حقيقة بديلة، ونحن نسمي ذلك بروباغندا إذا فعلته دول أخرى».
وهكذا تذيع شبكات التلفزة القصص الوهمية المصنوعة على أنها أخبار وقد أنفقت عشرون وكالة فيدرالية 250 مليون دولار في صنع مئات القصص الإخبارية الوهمية التلفزيونية، وإرسالها إلى محطات التلفزيون الأميركية المحلية.
وفي عام 2003 قالت باتريشيا هاريسون المسؤولة في وزارة الخارجية الأميركية للكونغرس: إن إدارة بوش تعتبر تلك القصص «أخبارا جيدة» باعتبارها أدوات استراتيجية للتأثير على الرأي العام، ولكن المكتب المسؤول عن مراقبة مسؤولية الحكومة التابع للكونغرس يطلق اسما آخر لها هو:
«البروباغندا السرية» ويُعتبر ذلك المكتب ذراع الكونغرس في إجراء التحقيقات، وقد ذكرت أربعة من تقاريره عام 2005 تفاصيل تدين إدارة بوش بمخالفة القانون، فقام البيت الأبيض بإرسال تعليمات إلى رؤساء جميع الوكالات الحكومية تآمرهم بتجاهل تقارير الكونغرس بشأن الدعاية السرية.
ويذكر المؤلفان أن معاوني الرئيس بوش قرروا صناعة الأخبار من جانبهم عندما وجدوا أن وسائل الإعلام الأميركية لم تُبد حماسا كافيا.
وذكرت صحيفة التايمز أن هؤلاء المسؤولين قالوا إنهم يهدفون إلى «مواجهة تهمة الإمبريالية الأميركية بخلق روايات تتحدث عن جهود أميركية لتحرير وإعادة بناء أفغانستان والعراق». وقد أنشأت وزارة الخارجية الأميركية مكتبا يسمى «مكتب الخدمات الإذاعية» .
وقد بدأ بالعمل في أوائل عام 2002 بالتعاون مع البيت الأبيض. وأخذ موظفوه في طبخ تقارير إخبارية للدعاية لما يسمى إنجازات إدارة بوش في العراق وأفغانستان والترويج للحرب، وقد أخفيت بذكاء المصادر الحقيقية التي أنتجت شرائط الفيديو الموزعة وبدا الأشخاص الذين يروون القصص وكأنهم صحافيون.
ففي أحد الأشرطة التي تردد حكايات عن أفغانستان استُخدم مراسل أفغاني ليقرأ النص الذي أعدته وزارة الخارجية الأميركية بحيث يبدو وكأن شريط الفيديو تم إنتاجه محليا في أفغانستان. وقامت وزارة الخارجية بتوزيع مثل تلك الأشرطة في جميع أنحاء الولايات المتحدة ودول العالم. ومع بداية عام 2005 أنتج مكتب الخدمات الإذاعية 59 رواية إخبارية مزيفة.
ولم يقتصر الأمر على تلك الجهات الحكومية المنتجة لذلك النوع من الحكايات، بل قامت إدارات عديدة أخرى بالاشتراك في صناعة الدعاية ومنها الخدمة الإخبارية الداخلية للجيش وسلاح الجو التابع للبنتاغون الذي صنع في عام 2004 خمسين قصة أذيعت 236 مرة وتستهدف 41 مليون أسرة أميركية، ومن بينها كذلك وزارة الزراعة التي أنتجت أكثر من 24 برنامجا في ثلاثة أشهر من عام 2005. وفي واحد من تلك البرامج وصف مايك جوهانس وزير الزراعة رئيسه بوش بأنه «أفضل مبعوث إلى العالم»!!
وقد دافع الرئيس الأميركي عن ذلك الأسلوب وأعلن في مارس 2005 أن الحكومة الفيدرالية تستخدم هذا النوع من أشرطة الفيديو منذ وقت طويل. وقد تابع مركز وسائل الإعلام والديمقراطية استخدام أقسام الأخبار في محطات التلفزيون لستة وثلاثين شريطا إخباريا وزعت عليها من إنتاج ثلاث مؤسسات علاقات عامة تابعة لشركات مختلفة من بينها جنرال موتورز، وفايزر، وكابيتال ون.
وأذاعت سبع وسبعون محطة ذلك النوع من الأشرطة الموزعة ثمان وتسعين مرة دون أن تكشف لمشاهديها أن موادها من إنتاج الشركات.
الدمى الصحافية
تقول إيمي غودمان وشريكها في تأليف الكتاب: «ومع امتهان وسائل الإعلام الأميركية لموجاتها الأثيرية لصالح جماعات المصالح الخاصة، لا نستغرب قيام بعض الصحفيين بإفساد أقدم مهنة في العالم. وفي بيئة يشتري فيها أكبر المزايدين الصامتين موجات الأثير والصفحات الأولى في الصحف، يسهل على مسؤولي الدعاية الحكومية التقاط صحافيين وكتّاب من السلطة الرابعة.
ثم يكشف المؤلفان عن بعض أصحاب الأسماء الإعلامية المعروفة في أميركا من الذين يصفهم المؤلفان بأنهم «باعوا أنفسهم» لآلة الدعاية في الإدارة الأميركية، مقابل مئات الآلاف من الدولارات لخداع الشعب الأميركي. وفي ظل الحقيقة البديلة لم تعد هناك حاجة لكي تحث إدارة بوش الصحافيين على توفير عمل صحافي جيد.
وببساطة تحولت الإدارة إلى صحافيين مزيفين لنقل دعايتها والعمل مثل «الدمى» التي تمسك الإدارة بخيوطها، ولجأت إلى حرمان الصحافيين الجادين من تصاريح دخول البيت الأبيض لحضور مؤتمرات بوش الصحافية، وعدم تجديد التصاريح القائمة بعد انتهاء مدتها. ويذكر المؤلفان أسماء عدد كبير من هؤلاء الصحافيين الذين يغضب عليهم ساكن البيت الأبيض ومساعدوه، بينما يحصل على التصاريح أشخاص لا علاقة لهم بالإعلام للتظاهر بأنهم مراسلون.
ويذكر المؤلفان وبالأسماء حالات عدد من الصحافيين والصحافيات الأميركيين الذين تضطهدهم إدارة بوش لا لشيء إلا لأنهم يوجهون إلى الرئيس أسئلة تبحث عن الحقيقة ولا يقتنعون بالإجابات الفضفاضة التي تتهرب من ذكر حقائق الأمور.
ومن أبرز هؤلاء الصحافيين السيدة هيلين توماس عميدة السلك الصحافي في البيت الأبيض التي غطت أخبار جميع رؤساء أميركا منذ الرئيس كيندي وتعمل بالصحافة منذ عام 1943 وكانت دائما تحتل مقعدها في الصف الأمامي في المؤتمرات الصحافية لهؤلاء الرؤساء حتى عام 2003 عندما تم إبعادها إلى الصفوف الخلفية بأسلوب فظ.
وأوضحت الصحافية الكبيرة السبب في ذلك بقولها: «إنهم لا يحبونني لأنني أوجه أسئلة مزعجة» وبلغ الأمر إلى حد أن كاتبة من المحافظين اسمها آن كولنز كتبت عمودا صحافيا تعيب فيه على البيت الأبيض منح التصاريح لتلك الصحافية وتحدثت عنها بأسلوب يخلو من الذوق وينضح بالتعصب العنصري إذ تصف الصحافية الخبيرة بأنها «تلك العجوز العربية التي يسمح لها بالجلوس على بعد ياردات قليلة من الرئيس» ذلك لأن السيدة هيلين توماس أميركية من أصل سوري.
ومع ذلك يرى المؤلفان أن السبب الحقيقي وراء مقال المعلقة آن كولنز يكمن في إصرار هيلين على الحصول على إجابات حقيقية. ويسرد المؤلفان نموذجا من مشهد لحوار جرى بين الصحافية وآري فليشر المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض في يوم 6 يناير عام 2003، وهذه بعض السطور من ذلك الحوار:
هيلين توماس: آري..ذكرت أن الرئيس يستهجن قتل الأرواح البريئة فهل ينطبق ذلك على جميع الأرواح البريئة في العالم؟ ولدي مزيد من الأسئلة.
آري فليشر: أنا أشير بالتحديد إلى الهجوم الإرهابي المفزع في تل أبيب الذي قتل عددا لا حصر له وجرح المئات. والرئيس ـ كما قال في بيانه بالأمس ـ يستنكر بأقوى العبارات قتل تلك الأرواح وجرح أولئك الناس الأبرياء في إسرائيل.
هيلين: سؤالي التالي هو لماذا يريد الرئيس قصف العراقيين الأبرياء بالقنابل؟..
فليشر: يا هيلين أعتقد أنك تعرفين جيدا أن موقف الرئيس يتمثل في رغبته في تجنب الحرب وأن الرئيس طلب من الأمم المتحدة الذهاب إلى العراق للمساعدة على تحقيق هدف تجنب الحرب.
هيلين: هل سيقوم الرئيس بمهاجمة العراقيين الأبرياء؟
فليشر: يريد الرئيس التأكد من استطاعته الدفاع عن بلدنا، والدفاع عن مصالحنا، وعن المنطقة والتأكد من عدم فقدان الأميركيين لحياتهم.
هيلين: وهو يعتقد أنهم يمثلون خطرا علينا؟!
فليشر: لا ريب أن الرئيس يعتقد أن العراق خطر على الولايات المتحدة.
هيلين: الشعب العراقي؟!
فليشر: الشعب العراقي تمثله حكومته..
وهكذا يستمر الحوار المحرج، ويشير الكتاب إلى أن مسؤولي البيت الأبيض لم يلجأوا إلى سحب الشارة الصحافية من هيلين توماس، ولكنهم أخروها بطريقة أخرى وهي عدم دعوتها إلى توجيه أسئلة..
وفي يوم 21 مارس 2006 ولأول مرة بعد ثلاث سنوات أشار إليها الرئيس بوش أخيرا لكي توجه سؤالها، وعلى الفور استأنفت هيلين ما كانت قد توقفت عنده من قبل وقالت للرئيس: «قرارك غزو العراق تسبب في موت آلاف الأميركيين والعراقيين وإصابة الأميركيين والعراقيين بجراح ستبقى أبد الدهر.
وتبين أن كل الأسباب التي قيلت ـ علنا على الأقل ـ كانت غير حقيقية.. وسؤالي هو: لماذا تريد حقيقة الاستمرار في الحرب؟. وفي رد سريع الغضب أجاب بوش قائلا في حرج: «مع احترامي لسؤالك ولك كصحافية عريقة، أنا لم أرد الحرب، وافتراضك أنني أريد حقيقة الاستمرار فيها هو افتراض خاطئ تماما يا هيلين».
والحالة الثانية التي يتضمنها الكتاب هي أيضا حالة صحافي أميركي من أصل عربي اسمه راسل مخيبر رئيس تحرير صحيفة «كوربوريت كرايم ريبورت».
وهو يحضر على الدوام جلسات التقارير الصحافية في البيت الأبيض ولكن كان من النادر منحه فرصة توجيه الأسئلة ومع ذلك كانت له محاورات لا تنسى مع سكوت ماكليلان السكرتير الصحافي للبيت الأبيض الأميركي، مثل ذلك الحوار الذي جرى يوم 2 سبتمبر 2003 على الوجه التالي:
راسل مخيبر: سكوت.. هناك سؤالان: الأول هو هل يعلم الرئيس عدد الذين قتلوا وجرحوا في العراق منذ بداية الحرب؟
سكوت ماكليلان: هذه الأرقام أصبحت متاحة علنا.
مخيبر: هل يعلم الرئيس عدد الذين..
ماكليلان: هو يدرك جيدا التضحيات التي بذلت في العراق.
مخيبر: حسنا.. كم عدد الذين قتلوا في العراق؟ ليس الأميركيين وحدهم بل مجموع الناس الذين قتلوا وجرحوا في العراق منذ بداية الحرب؟
ماكليلان: .... لا أعرف، يمكنك تتبع جميع الأرقام. أقصد أنك في تلك المسائل تحتاج إلى مخاطبة سلطة التحالف المؤقتة.
مخيبر: هل يعلم الرئيس كم عدد الذين قتلوا و....
ماكليلان: الرئيس يعلم أن ما نقوم به في العراق هو أمر أساسي لكسب الحرب على الإرهاب.
مخيبر: لم يكن ذلك سؤالي.
ماكليلان: من الأمور الأساسية..
مخيبر: هل هو يعلم عدد القتلى والجرحى؟
ماكليلان: من الأمور الأساسية في جلب..
مخيبر: أعرف ذلك ولكن هل هو يعلم كم عدد..
ماكليلان (مكملا جملته السابقة) سلام أكثر وأمان أكثر..
مخيبر (مكملا سؤاله) الذين قتلوا وأصيبوا..
ماكليلان (مستمرا) مما يعني عالما أكثر أمنا.
مخيبر: ليس هذا موضوع سؤالي يا سكوت فالسؤال الذي طرحته هو: هل يعلم الرئيس عدد الذين..
ماكليلان (مقاطعا) مرة أخرى: لقد أجبت عن سؤالك. وذكرت لك أنه يدرك جيدا التضحيات التي بذلتها قواتنا وتضحيات أسرهم.
ويعلق مؤلفا الكتاب بعد ذلك بقولهما إن راسل مخيبر أصبح يجد صعوبة في الوصول إلى البيت الأبيض طوال حرب العراق، ورغم ذلك استطاع توجيه السؤال التالي أول فبراير عام 2005:
مخيبر: سكوت.. في الليلة الماضية.. وفي الدعوى المرفوعة أمام المحكمة العليا رضخت وزارة العدل لصالح مسألة عرض الوصايا العشر في مباني الوزارة والمحاكم والمقار الحكومية في أنحاء أميركا.. وسؤالي هو: هل يؤمن الرئيس بالوصية رقم 6 التي تقول: «لا تقتل» مع وجوب تطبيقها بالنسبة للغزو الأميركي للعراق؟
ماكليلان (دون أن يجيب): السؤال التالي..
علاقة حميمة
في فصل آخر يتناول الكتاب الذي نستعرضه العلاقة الحميمة بين الشركات المحتكرة لوسائل الإعلام وحكومة الولايات المتحدة والتي لم تترك أبدا للمصادفات. ويتهم المؤلفان أبرز الصحافيين الأميركيين بالعمل الوثيق والذي لا يغتفر مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
وأن أسماء بعض منهم مسجلة على كشف رواتب الوكالة المخصصة للجواسيس، ويصفهم فرانك ويزنر، رئيس قسم العمليات السرية في السي آي إيه، بأنهم «الأبواق الضخمة» وكما قالت صحيفة نيويورك تايمز: «تكفي ضغطة واحدة على الزر لتعزف تلك الأبواق ولتصبح أداة لاوركسترا الدعاية بأية لغة وفي أي بلد من بلاد العالم طالما أن مزاج السي آي إيه يتقبل الاستماع إليها. ويدعم تلك الأبواق اوركسترا كبيرة من الصحافيين».
وفيما بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين قام أكثر من 400 صحافي أميركي بمهام لوكالة الاستخبارات المركزية في برنامج أطلق عليه اسم عملية «الطائر المحاكي لأصوات غيره»، وقد بلغت ذروتها في الستينيات عندما تضمنت شبكة السي آي إيه الدعائية أكثر من 800 من المواد الإخبارية ومنظمات الاستعلامات العامة والأفراد وفقا لما جاء في سلسلة تحقيقات لصحيفة التايمز عام 1977.
وبينما كان السياسيون الأميركيون يسخرون من نظرية سيطرة الدولة على وسائل الإعلام في بلاد مثل الاتحاد السوفييتي، أصبح الصحافيون الأميركيون عملاء لحكومتهم دون أن يظهر صوت واحد للاحتجاج على هذا الإجراء.
ويكشف الكتاب في هذا الصدد أسماء عدد كبير من ألمع الصحافيين وغيرهم من الإعلاميين والكتّاب المتعاونين مع السي آي إيه ومن بينهم عدد ممن حصلوا على جائزة بوليتزر الصحافية ومن المراسلين المشهورين. وتبين وثائق الوكالة أن الصحافيين كانوا يؤدون مهامهم الاستخبارية بموافقة إدارات أكبر المؤسسات الإخبارية في أميركا.
وقال واحد من كبار مسؤولي السي آي إيه «إن صحافيا واحدا يساوي عشرين وكالة، إذ تفتح له الأبواب، ويستطيع طرح الأسئلة دون أن يثير الشكوك».
وذهب آرثر هايز سلزبيرغر ناشر صحيفة نيويورك تايمز، إلى أبعد من ذلك فوقع اتفاقا سريا مع السي آي إيه مع وعده بعدم إفشاء تعاون مؤسسته مع الوكالة، ولكن سرعان ما افتضح أمر ذلك الاتفاق ولم يعد من الممكن الاستمرار في إنكاره من جانب المتورطين فيه. وقد أسس آلان دالاس مدير الوكالة الأسبق ما سمي «استجواب» المراسلين الأميركيين في الخارج عند عودتهم.
وتطلب هذا الإجراء أن يقدم هؤلاء المراسلون ملاحظاتهم وانطباعاتهم إلى مسؤولي الوكالة الذين كانوا في الغالب يستقبلونهم على أسطح السفن. وكانت العلاقة بين المراسلين والسي آي إيه مفيدة للطرفين حيث تصبح للصحافيين صلات داخلية وطيدة بالإضافة إلى الأموال النقدية، أما الوكالة فهي تحصل على غطاء جيد أو منبر لنشر وجهات نظرها.
اختراق فعلي
يضيف مؤلفا الكتاب إن السي آي إيه لم تقنع بمداهنة ورشوة الصحافيين الأميركيين لتنفيذ أوامرها، بل لجأت إلى إنشاء عالم آخر مواز لهم من وسائل الإعلام المدعومة من السي آي إيه في جميع أنحاء العالم. وفي الفترة ما بين 1950 و1970 وما بعدها امتلكت الوكالة أو مولت أكثر من خمسين صحيفة ومحطات إذاعية وخدمات إخبارية ومطبوعات دورية وغيرها من وسائل الإعلام الأخرى خارج الولايات المتحدة. وكانت مهمة بعضها نشر الدعاية الأميركية بينما قُصد ببعضها الآخر توفير غطاء صحافي للعمليات السرية.
ووظفت السي آي إيه اثني عشر عميلا على الأقل للعمل بدوام كامل في مؤسسات الأخبار الأميركية، وتم اختراق المؤسسات الإخبارية الأجنبية باثني عشر عميلا آخرين يتقاضون رواتب من وكالة الاستخبارات المركزية، كما قامت نحو اثنتين وعشرين مؤسسة صحفية أميركية بتعيين صحفيين أميركيين بها كانوا أيضا من عملاء السي آي إيه.
وطبعت اثنتا عشرة دار نشر أميركية ما يزيد على ألف كتاب أنتجتها الوكالة أو مولتها. وفي عام 1979 سئل وليام كولبي مدير الوكالة آنذاك عما إذا كانت السي آيه إيه قد أملت على عملائها من الصحافيين الأجانب العاملين لديها بأجر ما يكتبون أجاب بقوله: «نعم بالتأكيد وفي جميع الأوقات».
ويؤكد الكتاب أن السي آي إيه تتحايل لتسريب المواد الدعائية إلى داخل الولايات المتحدة نفسها نظرا لأن القانون الأميركي يمنعها من نشرها داخليا، ولذلك تقوم الوكالة بدس معلومات مضللة مستعينة بعملائها من الصحافيين. ومن بين وسائلها لإعادة المعلومات إلى داخل البلاد دس القصص الإخبارية عبر وكالات الأنباء في أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة بالطبع. وقد قدرت وكالة أسوشيتدبرس أن خدمتها عام 1977 وصلت إلى نصف سكان العالم.
وقد نشطت السي آي إيه في دس المعلومات الزائفة عبر وكالات أسوشيتدبرس، ويونايتدبرس، ورويترز.. وحاولت الوكالة بكل جهدها منع الأخبار التي لا تحبها، ففي عام 1964 نشر الصحافيان ديفيد وايز وتوماس روس كتابهما «الحكومة الخفية» .
وهو أول عمل يكشف عمليات الوكالة السرية في أنحاء العالم وقام مسؤول كبير في الوكالة بزيارة دار النشر راندوم هاوس واقترح أن تقوم السي آي إيه بشراء جميع نسخ الكتاب وردت دار النشر بأنها ترحب ببيعها للوكالة ولكنها سوف تصدر طبعة أخرى بعد ذلك. ومات مشروع الوكالة ولكنها شنت حملة ضخمة على الكتاب لتشجيع مشاهدي التلفزيون على عدم شرائه.
ومن الحملات الشرسة الأخرى الفاشلة تلك التي شنتها السي آي إيه ضد كتاب «سياسة الهيرووين في جنوب شرق آسيا» تأليف ألفريد ماكوي وكاثلين ريد عام 1972. وماكوي هو أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسين- ماديسون وقام بأبحاثه الخاصة بالكتاب في جبال لاوس حيث اكتشف أن الجنود المدعومين من قبل السي آي إيه يقومون بشراء الأفيون وشحنه إلى مقر السي آي إيه.
حيث يتم تحويله إلى هيرووين ثم بيعه في فيتنام الجنوبية. ويحكي ألفريد ماكوي ما حدث لكتابه إذ يقول إنه عندما أشارت الصحف إلى قرب صدوره قام رئيس قسم العمليات السرية في الوكالة بزيارة دار النشر في نيويورك وهي هاربر آندرو واقترح عليها عدم نشر الكتاب، وسمحت الدار للوكالة بمراجعة النص الأصلي ولكنها نشرت الكتاب دون تغيير كلمة واحدة.
لجنة تشيرش
في عام 1976 أجرت لجنة تشيرش البرلمانية تحقيقا حول عمليات السي آي إيه السرية وحفل تقرير اللجنة النهائي بتفاصيل العمليات السرية مثل الاغتيالات، ودعم الانقلابات وما شابه ذلك، ولكن تضمن التقرير تسع صفحات فقط عن استخدام وكالة الاستخبارات المركزية للصحافيين غير أن الوكالة حجبت معلومات مهمة عن اللجنة بما في ذلك أسماء الصحافيين المتعاونين معها.
وتم حذف المعلومات من التقرير النهائي.. ويبين ذلك كيف أن السي آي إيه مستعدة لإفشاء أسرار الاغتيالات الخبيثة لزعماء أجانب، ولكنها لا تفرط في واحد من أثمن كنوزها في العمليات السرية وهو استخدام الصحافيين.
وفي عام 1976 كان جورج بوش الأب مديرا للوكالة وبدا أنه يعد بعصر جديد عندما أعلن أن السي آي إيه سوف لن تدخل في أية علاقة تعاقدية مع أي مراسل إخباري معتمد من أية خدمة إخبارية أميركية أو صحيفة أو نشرة دورية أو محطة أو شبكة إذاعية أو تليفزيونية.
ولكن كانت هناك ثغرات خطيرة ويستطيع مدير السي آي إيه تجاوز تلك القاعدة لأن عددا كبيرا من عملاء الوكالة ليسوا مراسلين معتمدين، وبالتالي يمكن للوكالة أن تقبل التعاون التطوعي من هؤلاء الصحافيين، وكان من الواضح أن السي آي إيه لا تنوي إنهاء عملها السري داخل غرف الأخبار.
لم ينج أصحاب الفكر والمثقفون والصحافيون من تصنيفات الإدارة الأميركية وأجهزتها فقد جاء في تقرير من واشنطن لمراسل صحيفة (المصري اليوم) القاهرية في عددها الصادر يوم 22 يوليو 2007 أن هيئة المعونة الأميركية أدرجت الصحافيين والمفكرين المصريين الذين ينتقدون دورها في قائمة «الأعداء»، في حين وضعت من سمتهم أعضاء الحكومة الموالين للغرب، وكذلك رجال الأعمال، تحت بند «الحلفاء» وحصلت وكالة أنباء «أميركا إن أرابيك» على نص الخطة الإعلامية لهيئة المعونة الأميركية.
وتقترح الخطة دعوة الصحافيين المصريين إلى غداء عمل مرة كل شهر، كأحد الحلول لتحسين صورة أميركا في مصر التي تعتبر ثاني أكبر متلق للمعونة الأميركية بعد إسرائيل. وتتكون الخطة الإعلامية لهيئة المعونة الأميركية من 71 صفحة بعنوان «تحديث الخطة الاستراتيجية للفترة بين عام 2000 وعام 2009» وتشمل آخر تعديل على خطة العمل الأميركية في مصر.
وجاء في قسم خاص بعنوان «خطة الاتصالات والتواصل مع المجتمع» أن هيئة المعونة الأميركية تواجه ثلاثة «أعداء» كبار، وهم ـ حسب الخطة ـ النشطاء المناهضون للولايات المتحدة، والمفكرون والصحافيون المعادون لها، والسياسيون المعادون للولايات المتحدة، غير أن الوثيقة لم تذكر أسماء بعينها.
وفي المقابل، أوردت الخطة غير المعلنة تحت بند (الحلفاء): «مسؤولي الحكومة الموالين للغرب، ومجتمع الأعمال والمال، والمفكرين والإعلاميين الموالين للغرب، والزبائن والمستفيدين من برامج هيئة المعونة الأميركية، والمؤسسات المانحة والمنظمات غير الحكومية».
وعن خطة العمل وكيفية تنفيذها، قالت الخطة: إنها ستنفذ بالتعاون الوثيق مع السفارة الأميركية بالقاهرة، ومع الخارجية الأميركية. وأضافت: يجب أن يستهدف برنامج هيئة المعونة الأميركية للتواصل في مصر الإعلام المصري والأجنبي، علاوة على الجامعات المصرية والجماعات الدينية والمؤسسات غير الحكومية في مصر .
وفي الولايات المتحدة. وتحتوي الخطة على بعض النصائح التفصيلية في كيفية الترويج للولايات المتحدة في مصر، ومنها أنه يجب الإكثار من استخدام بعض الألفاظ والعبارات الإيجابية، مثل القول إن برامج المعونة تساعد في تحسين نوعية الحياة للمصريين العاديين، وتقليل الفروق الاجتماعية بين جنوب مصر والدلتا.
عرض ومناقشة: صلاح عويس

