يتناول المؤلفان في هذه الحلقة مسلسل الخداع والتزييف الذي مارسته الإدارة الأميركية أولاً لتبرير غزو العراق وتالياً لنشر معلومات مضللة حول أوضاع العراقيين تحت الاحتلال، حيث شنت الإدارة حملة علاقات عامة مكثفة أنفقت فيها مليارات الدولارات من أجل تجميل صورة الولايات المتحدة التي تلطخت من جراء الحرب، وقامت بشراء أقلام مأجورة لكي تكتب قصصاً ومقالات صحافية منسوبة لشخصيات عراقية تمجد التغيير الحاصل في العراق وتعتبره إيجابياً، في حين أن الأوضاع على الأرض كانت تكذب كل هذه المزاعم.

ويتحدث الأخوان غودمان عن أساليب القمع وكبت الحريات العامة التي اتبعتها إدارة بوش داخل الأراضي الأميركية بحجة ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وقد امتد تأثيرها ليشمل كل من يحتج أو يتظاهر حتى لو كان الدافع مناصرة قضايا مدنية كالبيئة وحقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي. بأسلوب ذكي وبارع يرسم مؤلفا الكتاب صورة لما كان عليه الحال عام 1971 في الولايات المتحدة تحت عنوان يقول: »نخن نراقبك«.. وفي ذلك العام كان رئيس البلاد هو ريتشارد نيكسون. ويبدأ الأخوان غودمان موضوعهما بالفقرة التالية: »الرئيس كذاب.. وأميركا غارقة في مستنقع حرب خارجية لا أخلاقية، ولا شعبية لها، والأميركيون يعودون بالعشرات جثثا في أكياس.. ويتم استحضار شبح التهديد الخارجي لتبرير التعديات الجديدة على الحريات المدنية.

ويخضع منتقدو الحكومة للتجسس عليهم والمضايقات المستمرة والاعتقال.. وكان الكونغرس نمرا من ورق، ولزمت وسائل الإعلام الأميركية الصمت التام إزاء تلك الانتهاكات. وفي ذلك العام – 1971.. قرر مواطنون مهمومون في إحدى ضواحي فيلادلفيا ضرورة القيام بعمل ما.. وهكذا كانوا على وشك تغيير مسار التاريخ«. وفي يوم 8 مارس 1971 استخدم ناشطون مجهولون عتلة حديدية لاقتحام مكتب عضوين في الإف بي آي في بنسلفانيا في منتصف الليل. وفي الصباح جاء عملاء التحقيقات الفيدرالية فاكتشفوا أن خزانات الملفات أصبحت خاوية وأن أكثر من ألف وثيقة قد اختفت. وكان هؤلاء النشطاء قد أطلقوا على أنفسهم اسم »لجنة المواطنين للتحري عن الإف بي آي« وقاموا بأول وآخر عملية لهم. ومازالت آثار ذلك الاختراق ملموسة في الوقت الحاضر.

وخلال الأسابيع القليلة التالية بدأت مظاريف بريدية مجهولة العنوان في الوصول إلى قاعات الأخبار في جميع أنحاء أميركا، وفي داخل كل مظروف مجموعة من وثائق الإف بي آي المسروقة. وتسلم جميع محرري صحف واشنطن بوست، ونيويورك تايمز، ولوس أنجلوس تايمز نسخا من الوثائق. واحتوت المظاريف على بيان من لجنة المواطنين يشرح أهداف اللجنة بقوله: »نحن نؤمن بأن للمواطنين الحق في فحص ومراقبة أعمال حكومتهم.. لقد خان الإف بي آي ثقة الديمقراطية، ونحن نريد عرض الدليل على هذا الادعاء ليحكم عليها رفاقنا في الوطن حكما صريحا وعلنيا«. وطلب جون ميتشل المدعي العام الأميركي من مسؤولي صحيفة واشنطن بوست عدم نشر تلك المعلومات بحجة أنها قد تعرض حياة محققين حكوميين للخطر.

وردت الصحيفة على ذلك بنشر القصة في عددها الصادر يوم 24 مارس 1971 مع تقرير يوضح كيف قام مكتب التحقيقات الفيدرالية باستخدام رئيس شرطة محلية، وموزعي البريد، وعامل تليفونات في كلية سوارثمور، للتجسس على الطلبة في الحرم الجامعي، وعلى جماعات الناشطين السود في منطقة فيلادلفيا. وقالت صحيفة واشنطن بوست إنها تنشر الملفات المسروقة من أجل الصالح العام وإيمانا منها بأن الجمهور الأميركي في حاجة إلى إمعان الفكر طويلا وعميقا.

فيما إذا كان الأمن الداخلي يتوفر أساسا بالمراقبة والقهر الرسمي للرأي المخالف أم بمبدأ الحرية التقليدية لكل مواطن في إبداء رأيه في أي موضوع بغض النظر عما يعتبره الآخرون. وفي هذه الوثائق المسروقة كان يختبئ تعبير جديد مكون من مقاطع من اسم برنامج للإف بي آي اسمه »برنامج مكافحة الإرهاب« وكشفت الوثائق أن هذا البرنامج بالغ السرية بدأ في عام 1956.

ويقول المؤلفان إن الوثائق وما تبعها من كشف الأسرار ألقت الضوء على واحد من أشد فصول أميركا ظلاما، فلم تكن التحقيقات الفيدرالية تقوم بجمع المعلومات ببساطة، بل كان البرنامج يهدف إلى البلبلة، والإزعاج، والإساءة إلى السمعة، وتدمير المنظمات والأفراد، رغم أن كثيرا من هؤلاء لم يمارسوا شيئا أكثر من حقوقهم في حرية التعبير، وكل خطيئة هذه الجماعات والأفراد هي أن جي. إدغار هوفر مدير الإف بي آي لا يتفق معهم في الرأي.

وكانت أهداف ذلك البرنامج هي حزب النمور السود، وحركة الهنود الأميركيين، والطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي، وعدد كبير من المناهضين للحرب، والناشطون من أجل الحريات المدنية، والجماعات الدينية، والطلاب، والمشاهير، وأساتذة الجامعات، والمواطنون المهتمون بقضايا وطنهم. وتوضح إحدى الوثائق المسروقة العقلية الشريرة لذلك البرنامج السري إذ ترد فقرة من التعليقات في الوثيقة تقول: »حيدوهم بنفس الطريقة التي يحاولون بها تدمير وتحييد الولايات المتحدة«.

إسكات الخصوم

لقد أوقع البرنامج خسائر فادحة في الأرواح وذكر الكاتب الآن جالون في صحيفة لوس أنجلوس تايمز أن عملاء التحقيقات الفيدرالية حاولوا ابتزاز مارتن لوثر كينغ جونيور لكي يقتل نفسه، كما استهدفوا الممثلة جين سيبرغ لأنها قدمت هبة مالية لحزب النمور السود وانتهى بها الأمر إلى الانتحار بعد ترويج إشاعة كاذبة عنها عن طريق مكتب التحقيقات الفيدرالية، تم تسريبها إلى الصحيفة المذكورة. وها هو البرنامج يعود إلى الحياة بعد ثلاثة عقود من السنين، وتقوم الحكومة الفيدرالية مرة أخرى بالتجسس على المواطنين الأميركيين.

ويتقاسم المستهدفون بعملية التجسس غير القانونية في العادة شيئا مشتركا واحدا هو أنهم أميركيون أبرياء يمارسون حقوقهم في حرية التعبير. ويسرد الكتاب أمثلة للزيارات المفاجئة والاستجوابات التي يقوم بها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالية المسلحون لكل من يعارض إدارة الرئيس بوش، ويردد المؤلفان قول إحدى ضحايا هذه الزيارات واسمها سارة باردويل إنها اكتشفت أن لدى تلك الإدارة اسما جديدا لحرية التعبير هو: الإرهاب، كذلك يقول مارك سيلفر ستاين المدير القانوني للاتحاد الأميركي للحريات المدنية في كولورادو إن مكتب التحقيقات الفيدرالية يعتبر المظاهرات والمعارضة الشعبية العامة إرهابا محتملا دون أي مبرر.

ويتهم سيلفرستاين عملاء المكتب بأنهم يوجهون رسالة واضحة مؤداها أنك إذا شاركت في نشاط ينتقد الحكومة أو سياستها فسوف ينتهي بك المطاف إلى ملف في الإف بي آي، وخطورة ذلك بالطبع تتمثل في أن هذه الزيارات صممت لإرهاب الشباب الأميركي ومنعه من الاشتراك في نشاط يوجه الاحتجاجات أو الانضمام إلى أشخاص لهم علاقة بهذا النشاط، أو توقيع الالتماسات وكتابة رسائل إلى الصحف.

وفي عام 2005 أقام الاتحاد الأميركي للحريات المدنية دعاوى قضائية في عشرين ولاية مستندا إلى قانون حرية المعلومات ومطالبا بالحصول على معلومات حول الأشخاص الذين يراقبهم مكتب التحقيقات الفيدرالية وأسباب ذلك. وتوالت الإجابات ولاية بعد ولاية لتكشف عن نسق واحد مزعج هو أن إدارة بوش أطلقت العنان للإف. بي. آي أي لإسكات خصومها السياسيين.

ويسجل الأخوان غودمان نماذج كثيرة مما أسفرت عنه المعلومات التي توفرت من تلك الدعاوى القضائية ومن بينها قيام ما يسمى »قوة العمل المشتركة ضد الإرهاب« بفرض رقابة مشددة على ناشطين في مجال البيئة بعيدا تماما عن العنف، وعلى مكتبات لبيع الكتب. وفي ديسمبر 2005 أفرج الاتحاد الأميركي للحريات المدنية عن أكثر من 2300 صفحة من وثائق الإف بي آي تكشف عن أن عملاء مقاومة الإرهاب كانوا يراقبون منظمات محلية ناشطة في قضايا مثل السلام، والبيئة، وقسوة معاملة الحيوانات، وإغاثة حالات الفقر.

بالإضافة إلى فرض الرقابة على جماعات مثل غرين بيس، وجماعة المعاملة الأخلاقية للحيوانات، والمجلس الإسلامي للشؤون العامة، واللجنة الأميركية – العربية ضد التمييز، وجماعة إنقاذ الغابات القديمة، واللجنة الأميركية لخدمة الأصدقاء، وجماعة كود بينك، ونقابة المحامين الوطنية، والعاملون من أجل الكاثوليكية.

وأوضحت الوثائق أن الإف بي آي تقوم بمراقبة معارضي الحكومة وتدس مخبرين داخل المنظمات والجماعات للتجسس عليها. ولا عجب أن قراءة الأمثلة العديدة التي يشير إليها المؤلفان، تثير في نفس القارئ العربي على الفور نفس الانطباعات وخاصة في الحالات التي يتناولاها عن حشد أعداد من ضباط التحقيقات الفيدرالية داخل الحرم الجامعي لعدة جامعات أميركية كبرى في ولايات أميركية عديدة لممارسة التجسس على الطلاب والأساتذة، بل وحتى اقتحام مساكن الطلاب الجامعية لاستجواب من يريدون استجوابهم. فهل يا ترى استفادت الإدارة الأميركية من تجربة الحرس الجامعي المنتشر في عدد كبير من الجامعات في الدول العربية؟!!!

رقابة عنوانها الإرهاب

يختتم المؤلفان أمثلتهما بحكاية طريفة بطلتها شابة أميركية ناشطة في مجال حماية البيئة اسمها كريستين أتكنز. وقد سجل رقم سيارتها في ملف بمكتب التحقيقات الفيدرالية تحت عنوان »الإرهاب« بعد اشتراكها في حملة احتجاج ضد صناعة الأخشاب في كولورادو سبرينجز عام 2002.

وفي عام 1972 تم تأسيس مركز توماس ميرتون في بتسبيرغ بهدف »إيجاد أرضية مشتركة في الكفاح غير العنيف لإقامة مجتمع أكثر سلاما وعدلا«. ووفقا لوثائق الإف بي آي السرية فإن قوة العمل المشتركة في بتسبيرغ قامت بتحريات سرية حول أنشطة المركز بسبب معارضته للحرب في العراق.

من ناحية أخرى قال تيم فايننغ المدير السابق للمركز، في مقابلة له مع برنامج »الديمقراطية الآن«، إنه يعتقد أن ما جذب انتباها خاصا من الإف بي آي هو أن جهود المركز من أجل السلام اقتضت أيضاً العمل مع المجتمع الإسلامي المحلي لأن المركز أراد بناء علاقات تتخطى حدود الديانات التي قد تستخدم للتفرقة بين الناس، ولهذا السبب قامت الحكومة بالتجسس على المركز.

ويضيف تيم فايننغ قائلا: »والآن وقد أدى سوء الفهم والخلافات الدينية إلى الإرهاب والعنف في العالم في الوقت الحاضر، قد يظن البعض أنه يجب على الحكومة الأميركية أن تصفق لنا لأننا نبحث عن السلام وفهم بعضنا البعض، ولكنها أخذت تتجسس علينا بدلا من ذلك«. وفي ديسمبر 2005 كشفت شبكة إن بي سي الإخبارية الأميركية والصحفي الأميركي ويليام آركن عن وجود قاعدة بيانات سرية في وزارة الدفاع الأميركية لتتبع المعلومات المجمعة داخل الولايات المتحدة.

وتضمنت البيانات معلومات عن عشرات من حملات الاحتجاج ضد الحرب وخاصة الأنشطة التي تستهدف التجنيد العسكري. وتشير الوثائق إلى أن البنتاغون يقوم في الوقت الحاضر بمراقبة الحركات المناهضة للحرب وكذلك شبكة الانترنت. وتشير إحدى وثائق الوزارة السرية إلى أن الرقابة لاحظت اتصالات متزايدة وتشجيعا متبادلا بين الجماعات المناهضة عن طريق استخدام الإنترنت.

ويؤكد المؤلفان أن قيام البنتاغون بجمع المعلومات الاستخبارية المحلية يتم عبر برنامج سري يسمح للقواعد العسكرية والمنشآت العسكرية الأخرى بفتح ملفات فيما يسمى »ملاحظات حول التهديد والرقابة المحلية« للأنشطة المشبوهة. وقد أنشئ البرنامج عام 2003 على يد بول وولفويتز نائب وزير الدفاع آنذاك، وهو يتمتع بالسرية التامة حتى أن عدد التقارير في قاعدة البيانات محاط بالسرية. ومن الأسرار أيضاً حجم ميزانية وكالة جديدة للإشراف على قاعدة البيانات اسمها »وكالة النشاط الميداني للاستخبارات المضادة«.

ويقول مؤلفا الكتاب إن أكثر ما يفزع ويتجاوز جميع برامج إدارة بوش للتجسس التي افتضح أمرها هو ما يسمى التنصت دون تفويض أو أمر قضائي الذي تقوم به وكالة الأمن القومي. وقد عرف أمر هذا البرنامج لأول مرة في مقال بصحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر 2005 بعد أن ظل مسؤولوها يحتفظون به دون نشره لمدة عام بناء على طلب البيت الأبيض.

وكشفت الصحيفة أن الرئيس بوش منح وكالة الأمن القومي سلطة التنصت ــ دون أمر قضائي ــ على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني لكل من يشتبه في أن له علاقة بالإرهابيين. وفي مايو عام 2006 كشفت صحيفة »يو إس إيه توداي« عن قيام الوكالة بجمع تسجيلات لمكالمات ملايين الأميركيين بمساعدة عدد من شركات الاتصالات. وقال أحد مصادر الصحيفة إن وكالة الأمن القومي تحاول إقامة أضخم قاعدة بيانات في العالم تكفي لتسجيل كل مكالمة تجري داخل الولايات المتحدة.

وتقوم الوكالة بإرسال طوفان من أرقام الهواتف ورسائل البريد الالكتروني إلى الإف بي آي حتى أن ضباط مكتب التحقيقات الفيدرالية يسخرون من هذه العملية قائلين إنهم غرقوا في فيض من معلومات لا قيمة لها، وأن دفعات مكالمات الإرهاب الواردة من وكالة الأمن القومي أسفرت عن المزيد من المكالمات مع محلات البيتزا. وفي رأي الأخوين غودمان أن التهديد الحقيقي لأمن أميركا يأتي الآن من داخلها.

ويستشهد المؤلفان بعضو الحزب الجمهوري راسل تايس المؤيد لجورج دبليو بوش والذي قال في رسالة له إلى الكونغرس »إن حرية الشعب الأميركي لا يمكم حمايتها عندما تنتهك حرياتنا الدستورية وتتحول أمتنا إلى دولة بوليسية«، كذلك يردد صاحبا الكتاب ما قالته ساندرا داي أوكونر القاضية بالمحكمة العليا والتي استقالت في مارس عام 2006 إذ تقول: »يجب أن نحذر دائما من أولئك الذين يبالغون في إجبار السلطة القضائية على تبني سياساتهم المفضلة« وبعد شهرين فقط من تركها منصبها القضائي قالت: »يحتاج الأمر إلى كم ضخم من الفساد قبل أن تسقط البلاد فريسة الديكتاتورية، ولكن يجب علينا تجنب تلك النهايات عن طريق تجنب هذه البدايات«.

شراء الولاء

منذ وصول إدارة بوش إلى السلطة وهي غارقة في حملة علاقات عامة سرية تهدف إلى كسب ولاء كل من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية ويقدر ما أنفقته الإدارة بين عامي 2003 و2005 بمبلغ 1.6 مليار دولار على الإعلانات والعلاقات العامة لترويج سياساتها.

وفي العراق لم يكن التحدي الذي يواجه الإدارة الأميركية هو كيف تعيد بناء ذلك البلد وهي المهمة التي أهملتها الولايات المتحدة على نطاق واسع، ولكن التحدي هو الترفيه عن العراقيين الذين كانوا في حاجة إلى تصديق أن الاحتلال الأميركي هو منة على وطنهم المدمر والتغاضي عن حقيقة أن الكهرباء في بغداد لا تتوفر إلا لأربع ساعات فقط في اليوم.

بينما كانت متوفرة من ست عشرة إلى عشرين ساعة يوميا قبل الغزو الأميركي، وتجاهل حقيقة ماثلة عام 2006 مؤداها أن كل خدمة في العراق سقطت إلى ما دون مستوياتها قبل الغزو بما في ذلك النفط والكهرباء والماء والصرف الصحي. وكان مطلوبا من العراقيين ألا ينزعجوا من ارتفاع هجمات المتمردين إلى أرقام قياسية، ولا من إساءة معاملة آلاف العراقيين الأبرياء في سجون يديرها الأميركيون، أو المخاطرة بحياتهم التي قد تضيع بفعل سيارة مفخخة، في كل مرة يذهبون فيها إلى السوق.

كل ذلك اختفى من وسائل الإعلام العراقية وحلت محلها أنباء سعيدة بدأت في الظهور في الصحف العراقية في منتصف عام 2005 من النوع التالي: مزيد من الأموال لتنمية العراق، الرمال تهب نحو عراق ديمقراطي! وتهلل مقالة أخرى قائلة: »العراق سوف يطرد الإرهاب إلى الأبد بينما يعمل الشعب وقوات الأمن العراقية معا«.

وكتبت التقارير بطريقة توحي بأن كتابا عراقيين مستقلين هم أصحابها، ولكن الحقيقة أنها دبجت بواسطة قوات »العمليات الإعلامية« الأميركية التي تعتبر جزءا من عملية سرية للبنتاغون خصص لها مئات الملايين من الدولارات لزرع الدعاية السياسية في وسائل الإعلام العراقية، ودفع الأموال لبعض الصحفيين العراقيين.

وتدير هذه العملية السرية شركة مقاولات تدعى »لينكولن جروب« التي حصلت عام 2005 على عقد طويل الأجل قيمته السنوية 100 مليون دولار لإنتاج مواد دعائية مؤيدة لأميركا ومعادية لمعارضيها للإذاعة المسموعة والتليفزيون والرسائل المكتوبة. وقد أسس هذه الشركة عام 2003 بيج كريغ ضابط المارينز السابق الذي خدم في العراق، وكريستيان بيلي البريطاني خريج أوكسفورد الذي انتقل إلى الولايات المتحدة.

وتعتبر قيمة عقدهما جزءا من 300 مليون دولار مخصصة لما تسمى »حملة البنتاغون الخفية العالمية للعلاقات العامة«. وبحلول شهر ديسمبر 2005 كانت شركة لينكولن جروب قد أقحمت أكثر من ألف مقالة في 17 صحيفة عراقية وعربية، ودفعت مكافآت لرجال دين مسلمين مقابل نصائحهم بشأن كيفية إقناع السنة في العراق بالمشاركة في الانتخابات ومعارضة ما أسمته »التمرد« العراقي.

واقترحت الشركة إنتاج مسرحية كوميدية يقوم فيها ثلاثة مهرجين بدور إرهابيين، ولكن البنتاغون رفض الفكرة. ويسجل الكتاب شهادة عدد ممن عملوا مع ذلك النوع من الشركات إذ يقولون إن حملات العلاقات العامة التي قامت بها كلفت أموالا طائلة ولم تحقق أي نجاح في تحسين صورة أميركا لدى الشعب العراقي.

حرية زائفة

تحت عنوان »حرية وسائل الإعلام العراقية الزائفة« يتناول الكتاب زيف وسائل الإعلام التي أنشأتها وزارتا الدفاع والخارجية الأميركيتين وغيرهما من الأجهزة الأميركية. ويرى المؤلفان أن خلق وهم لدى الناس بحرية وسائل الإعلام العراقية يعتبر من أهم الأولويات لدى الرئيس بوش، فبعد وقت قليل من الغزو منحت سلطة التحالف المؤقتة بقيادة أميركا واحدا من مقاولي الدفاع عقدا قيمته 82 مليون دولار لإقامة شبكة إعلامية عراقية، وثلاثين محطة إرسال تليفزيونية وإذاعية، وثلاثة استوديوهات، وإثنى عشر مكتبا في جميع أنحاء العراق.

وما لبث أن اقتحم المجال عدد من غير المتخصصين والعسكريين الأميركيين السابقين باستثناء إذاعي خبير اسمه دون نورث ليدير شبكة أنشأتها المؤسسة الدولية للتطبيقات العلمية في العراق، ويصفه المؤلفان بأنه كان شديد السذاجة لأنه اعتقد أنه سوف يدير أول المراكز الصحفية المستقلة في العراق بعد الإطاحة برئيسه السابق صدام حسين.

وينقل الأخوان غودمان ما قاله نورث لبرنامج إيمي غودمان »الديمقراطية الآن« كما يلي: »بدأنا على الفور في التصادم مع سلطة التحالف المؤقتة التي أرادت فرض سيطرتها. وكان هدفنا إنشاء محطة إذاعة وتليفزيون شعبية من أجل العراقيين، ولكنها بدلا من ذلك تحولت إلى بوق لسلطة التحالف واعتبرها العراقيون غير جديرة بالثقة ومجرد نسخة أخرى من إذاعة صوت أميركا، ولذلك تحولوا إلى مشاهدة قنوات فضائية أخرى مثل قناة الجزيرة«.

ويشير الكتاب إلى أن بعض المشرفين على الإعلام المزيف قدموا للبيت الأبيض ما يريده كما يذكر واحد من مستشاري إحدى وكالات إعادة البناء الذي يضيف أن بعضهم حاول اختصار النفقات وكانوا يدفعون لمذيع الأخبار نحو 60 دولارا أميركيا في الشهر، فضلا عن علاوة بدل ملابس ضئيلة لشراء الجزء العلوي من ملابس المذيعين فقط!! وبعد أقل من عامين، وفي يونيو 2005.

اختارت وزارة الدفاع الأميركية شركتين أخريين للإشراف على خطة خمسية للقيام بحملة في »مناطق مثل العراق ولبنان« لكسب تأييد شعوبها لسياسة الولايات المتحدة وأهدافها في الدول الأجنبية. وذكرت صحيفة سان دييغو يونيون تربيون أن الحملة تضمنت الإذاعات المسموعة وبرامج الفيديو، ونشر مقالات جديدة، ومواد مطبوعة، وحتى الهدايا الشخصية مثل الـ»تي شيرت«.

تدمير الديمقراطية

يرى المؤلفان في كتابهما أن حملة الدعاية السياسية التي قامت بها أميركا لا تعتبر تدميرا للديمقراطية في العراق فحسب، وإنما تدميراً للديمقراطية الأميركية أيضا. ويكشفان عن وجود توجيه سري من البنتاغون في عام 2003 بشأن سياسة العمليات الإعلامية. ويحرّم هذا التوجيه على القوات الأميركية شن عمليات نفسية على وسائل الإعلام الأميركية. وقد وقع دونالد رامسفيلد ذلك الأمر.

ويقضي جزء من محتوياته بمنع وسائل الإعلام الأميركية من التقاط الدعاية المزروعة في المطبوعات الخارجية وهي ممنوعة بحكم القانون على أي حال، ولكن من الواضح أن الأميركيين هم جزء من الجمهور المستهدف بالدعاية. وقد ضبطت المؤسسات العسكرية وهي تدس قصصا مزيفة في صحافة الولايات المتحدة. ففي أكتوبر 2004 ظهر متحدث من المارينز على شاشة شبكة سي إن إن ليعلن أن القوات الأميركية بدأت عملية كبرى للسيطرة على مدينة الفلوجة العراقية.

وقال المتحدث ــ وهو الملازم أول لايل غيلبرت: »لقد عبرت القوات الخط الفاصل. وسوف تكون الليلة ليلة طويلة«. ولكن حقيقة الأمر هي أن غزو الفلوجة لم يكن ليبدأ إلا بعد ثلاثة أسابيع أخرى. وعلقت صحيفة لوس أنجلوس تايمز على ذلك بقولها: »كان إعلان غيلبرت المصاغ بعناية عملية نفسية متعمدة لخداع المتمردين في الفلوجة وإتاحة الفرصة للقادة الأميركيين لمعرفة رد فعل الفدائيين المحتمل إذا اعتقدوا أن القوات الأميركية تدخل المدينة.

وليست هذه المرة الوحيدة التي يستخدم فيها العسكريون الصحافة المحلية في حملاتهم لشن عمليات نفسية. وبعد 11 سبتمبر صرح ضابط بالجيش الأميركي لصحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر في سبتمبر 2001 بقوله: »هذه أكثر حروب الإعلام شراسة التي يمكنك تخيلها.. ونحن ننوي الكذب في بعض الحالات«.

ويعيد المؤلفان تذكيرنا بما قام به المؤتمر الوطني العراقي وأحمد الجلبي من إمداد الإدارة الأميركية بالأكاذيب والقصص الزائفة مثل حكاية أسلحة الدمار الشامل المعروفة وأكذوبة الاجتماع بين صدام حسين وأسامة بن لادن. وقد زرعت هذه القصص عبر شبكة من الصحافيين الأميركيين السذج وخاصة جوديث ميللر من صحيفة نيويورك تايمز.

ووصلت القصص الزائفة إلى مدى أوسع، ففي نوفمبر 2001 قدم المؤتمر الوطني العراقي شخصا يفترض أنه جنرال عراقي اسمه جمال الغريري لإجراء مقابلة مع مراسل صحيفة نيويورك تايمز. وتضمنت القصة التي نشرت في الصفحة الأولى وصفا أدلى به الجنرال لكيفية تدريب مقاتلين عرب على خطف الطائرات في موقع عسكري في سلمان باك جنوب بغداد.

وقال الجنرال في المقابلة: »كنا ندرب هؤلاء الناس على مهاجمة المنشآت الهامة في الولايات المتحدة« وتكررت نسخ من هذا الاتهام الهام في مطبوعات أخرى بما فيها صحف الواشنطن بوست، وڤانيتي فير، والأوبزرفر البريطانية، وفي ضربة قاضية نهائية أدرج البيت الأبيض قصة الجنرال العراقي وقاعدة سلمان باك في ورقة لتقديم خلفية بعنوان »عقد من الخداع والتحدي« لكي يستخدمها الرئيس الأميركي بوش في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12 سبتمبر 2002.

وما لبث أن افتضح أمر القصة وزيفها إذ كشفت الصحف عن أن الجنرال الغريري لم يغادر العراق في حياته وأن »جنرال« المؤتمر الوطني العراقي شخص محتال انتحل شخصية جمال الغريري. وهكذا اكتملت دائرة الخداع بأن قامت إدارة بوش بدفع نفقات إعداد وتوزيع القصص الزائفة على وسائل الإعلام الأميركية، ثم قامت بالاستشهاد بالروايات المزورة لتبرير شن الحرب.

ومع وجود صحفيين أميركيين متلهفين على التضحية بالحقيقة في سبيل الوصول إلى السلطة تنعدم أي فرصة أمام الحقائق. ويضيف المؤلفان أن الإدارة الأميركية اشترت حتى »الخبراء« ونتيجة لكل هذا فشلت حملة بوش ورامسفيلد الدعائية في العراق في كسب ود العراقيين.

عرض ومناقشة: صلاح عويس