في عالم الصحافيين الأسطوريين، يبرز اسم سيمور هيرش ككاتب استثنائي للتحقيقات الصحافية المتعلقة بالسلطة في الولايات المتحدة. ولد هيرش في شيكاغو عام 1937 وحقق شهرة عالمية في عام 1969 بفضل تحقيق صحافي حول مجزرة« ماي لاي» في فيتنام. اكتشافه لهذه المجزرة التي أودت بحياة مئات من المدنيين الفيتناميين- جلهم من النساء والأطفال- والتي ارتكبها جنود أميركيون أعطى زخما جديدا للحركة المناهضة للحرب ، فضلا عن أنه جعله يستحق جائزة « بولتزر».

وفي وقت لاحق، كتب حول هنري كيسنجر وجون كنيدي ومردخاي فعنونو، العالم الإسرائيلي الذي اختطفه جهاز الموساد من روما وسجن 18 عاما في إسرائيل لأنه كشف النقاب عن وجود الترسانة النووية الإسرائيلية. يعرف عن هيرش تحكمه بمصادر حكومية رفيعة المستوى، والمقالات التي يكتبها في مجلة « نيو يوركر» حول العراق أصبحت مادة مقروءة جداً بسبب ما تحتويه من كشف عن المناورات الخفية لحكومة بوش.

ففي عام 2005، كشف النقاب عن أن الولايات المتحدة كانت تقوم بعمليات سرية في إيران لتحديد أهداف هجوم مستقبلي محتمل. وفي عام 2006، كشف عن أن الحكومة الأميركية كانت تدرس إمكانية شن حرب ضد لبنان، يقتل فيها أكثر من ألف من المدنيين اللبنانيين. وآخر حالات الكشف هذه كانت تتعلق بجماعة فتح الإسلام. وفيما يلي نص الحوار الذي نشره موقع «ربليون» الإلكتروني، مؤخرا وأجري مع سيمور هيرش في مكتبه في واشنطن.

* لمقالكم الذي يتناول كيف تم التعتيم على تقرير الجنرال تاغوبا حول فضيحة سجن أبو غريب( الذي يسمع فيه صوت دونالد رامسفيلد وهو يضلل الكونغرس) وقع خاص مدهش. ما هو بنظركم الاكتشاف الأكثر إدهاشا الذي حققتموه؟

- هذا النوع من الرجال لم يعد يدهشني . لكن قد يكون من الممكن إبراز الازدراء الوقح تجاه الكونغرس . صحيح أننا نعرف أنهم يحتقرون وسائل الإعلام أصلا، لكنهم يتوجهون إلى الكونغرس أيضا ويشوهون ما يعرفون من حقائق. إنه أمر بات معروفا.

* كيف يمكن، من وجهة نظركم، أن تواصل حكومة بوش فعل ما يحلو لها في هذا النوع من السلوكيات؟

- هذا السؤال كان يجب توجيهه للكونغرس ولوسائل الإعلام المسماة جدية. وربما كنا متورطين، فلقد كان هناك حالات كثيرة من هذا القبيل. هناك كلمة لم تعد مستخدمة وهي كلمة الأخلاق. وعندما تغيب الأخلاق لدى الجميع، فإن النتيجة هي انحطاط القيم وانحطاط الدستور.

ومن وجهة نظري، فإن هذا يظهر مدى هشاشة المجتمع عموما، حيث يتمكن هؤلاء الرجال من الوصول إلى مواقع حساسة ويتمكنون من الحط من قدر الطبقة العسكرية والكونغرس ووسائل الإعلام والحكومة الاتحادية. وما يستدعي الدهشة حقا هو السهولة التي يحيد كل شيء بها عن الطريق.

* ما رأيكم بالمواجهات الدائرة في مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وتنظيم فتح الإسلام؟

- أعتقد أن هناك قاعدة سلوكية تسير مجريات الأمور على هداها. فإذا عدنا بالزمن إلى الوراء وقبل عقدين من الزمن تحديدا ، عندما كانت الحرب ضد روسيا تنفذ في أفغانستان، فإننا نرى أن البعض قد أقنعنا بأنه قادر على السيطرة على الإسلاميين المتشددين- أسامة بن لادن وجماعته- ونحن قدمنا كل مساعدتنا في وضح النهار ، رغم معرفتنا بحقيقة الأمور، وفي النهاية دفعنا الثمن غاليا. وفي الوقت الحالي، نحن نساعد الجيش اللبناني عل محاربة أناس قمنا بدعمهم مسبقا بصورة مباشرة. والأمر يتعلق، كما هي العادة، بجنون مطلق.

* البلدان الغربية ووسائل إعلامها وضعت زعيم حزب الله حسن نصر الله في قائمة الإرهاب. ما هو الانطباع الذي تركه ذلك لديكم؟

- يبدو لي أنهم ينظرون إليه في أوروبا بطريقة مختلفة كثيرا. فلقد قام الألمان فعلا بالتفاوض معه ولا شك بأن الفرنسيين يقومون بذلك أيضا. في الواقع إن الحكومة الفرنسية قد دعت نصر الله إلى مؤتمر حول مجمل الأزمة اللبنانية. وليس معروفا حتى الآن إذا ما كان سيعقد ذلك المؤتمر أم لا. فلقد قالوا لي إنهم أرجأوه بسبب اعتراضات الولايات المتحدة.

وبالتالي، فإن ذلك الوصف الذي تشيرون إليه يعكس بالدرجة الأساسية وجهة نظر أميركية. أعتقد أن البريطانيين بدورهم لديهم وجهة نظر أخرى أيضا. كما أني لا أعتقد أن هناك شكا بأنه بصرف النظر عما فعله قبل عشرين عاما خلت، إلا أنه يطور سياسة مسؤولة. ورده على الأزمة الأخيرة كان مثيرا للاهتمام إلى حد كبير وذلك بدعمه للجيش اللبناني. وهكذا، فإن الأفعال تتحدث عنه. فضلا عن أنه ربما كان الشخصية الأكثر تأثيرا في الشرق الأوسط.

* أكثر من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد؟

- لا مكان للشك في ذلك. فجميع استطلاعات الرأي التي تقيس الشعبية وخصوصا بعد الحرب ضد الإسرائيليين تضع نصر الله في المرتبة الأولى من القائمة. لا أعرف إذا كان ذلك صحيحا أم لا، لكنه يبقى شخصية مهمة جداً يتعين علينا التباحث معه بأي حال من الأحوال. لكن يبدو أن المسؤولين هنا في واشنطن العاصمة لا يعيشون في العالم الحقيقي.

* يبدو في ضوء الوضع في العراق أن أحدا من الساسة الأميركيين لم يخطر بباله أو يدرك أن إعطاء كل شخص صوتا في العراق كان سيعني ظهور حكومة شيعية.

- حسنا، من الواضح أنهم أجروا حسابات، لكني أعتقد أنهم فكروا أن بوسعهم السيطرة على الوضع بصورة أفضل مما كانوا يفعلونه.

* هل هذا منهج دارج، أي الاعتقاد بأنهم قادرون على السيطرة على الأوضاع ومن ثم تفلت هذه الأوضاع من بين أصابعهم؟

مرة أخرى، يبدو أن الأمور تسير على هذا النحو. وذلك على الرغم من أنه من الممكن أيضا أن كل ما يجري هو بالضبط ما تبتغيه الإدارة الأميركية، حيث يتعلق الأمر، بشكل أساسي، بنظرية الفوضى . فمنذ عشرين عاما، قال كيسنجر، بخصوص الحرب بين العراق وإيران : « أن نتركهم يقتلون بعضهم بعضا، فإننا نساعد كلا الطرفين على القضاء على الخصم». وقد تكون هذه إحدى النظريات التي تفسر المواجهة بين السنة والشيعة. يبدو أنه من غير الممكن تقريبا استشفاف أفكار هؤلاء الناس.

* بخصوص الموضوع الإيراني، كتبتم حول وجود صراعات داخلية أميركية على السلطة وأن تشيني يقف مع انتهاج أسلوب معالجة عسكري حيال إيران. إلى أين تسير باعتقادك هذه الصراعات السياسية في هذه اللحظات؟

- في الواقع، سأكتب المزيد حول هذه المسألة. لكني لا أعتقد أنها تمثل حقا معركة سياسات وأرى أن الموضوع كان له عنوانا واحدا دائما هو تشيني أولا وأخيرا. ومن الصعب الحصول على معلومات موثوقة حول ما يمكن للرئيس أن يفكر فيه أو يفعله. وأنا لا أعرف شيئا ما عدا أن كوندوليزا رايس تتمتع بحرية كبيرة. ولقد كنت دائما متشككا حيال تأثيرها. لكن أحدا لا يعرف شيئا، فهذه الحكومة هي أكثر الحكومات غموضا وتكتماً وتخفياً في تاريخ الولايات المتحدة.

ترجمة : باسل أبو حمدة عن « ربليون»