الكتاب الذي نشرع في عرضه اليوم هو نتاج جهد مشترك من إعلاميين اثنين هما أخت وأخ. أما الأخت فاسمها إيمي غودمان صاحبة برنامج أميركي يومي شهير في الإذاعة والتليفزيون اسمه «الديمقراطية الآن».
وقد بدأت برنامجها في عام 1996 ويذاع الآن على موجات خمسمئة محطة ويعتبر أهم وأكبر مساهمة إعلامية في أميركا الشمالية، ويصفه النقاد بأنه أكثر من مجرد عرض تلفزيوني فهو بمثابة «حركة». والشريك الثاني في الكتاب هو شقيقها ديفيد غودمان صحافي التحقيقات وصاحب جائزة صحافة العمق ومؤلف ستة كتب، تنشر مقالاته في صحيفة واشنطن بوست وعدة صحف ومطبوعات أخرى. وقد حاول الاثنان اختراق دوامة الأحداث وخمود الإدارة الأميركية لكي يقدما لنا هذا الكتاب عن حقيقة الحرب وجرائم التعذيب وسيطرة الحكومة الأميركية على وسائل الإعلام. ومن هنا جاء اختيارهم لعنوان كتابهم الذي يوحي في كلمة واحدة بتحجر السلطات الأميركية وجمودها الذي تتمسك به بالنسبة للمعلومات التي تخفيها عن مواطنيها.
ويفسح الكتاب المجال لأصوات المنشقين والناشطين والآخرين الذين يتم تجميدهم دائما خارج المناقشات الرسمية بدءا من كارثة الإعصار كاترينا، وتنصت وكالة الأمن القومي على الناس، وحرب العراق المأساوية، وعمليات التعذيب في دول أجنبية برعاية الولايات المتحدة، وتخلص إدارة بوش من المواطنين المعارضين الذين يبدون وجهات نظرهم في منتديات عامة في أميركا. يقدم الكتاب أمثلة رهيبة عن الوسائل التي تتبعها الإدارة الأميركية الحالية لدفن الحقيقة تحت ركام من الخداع. ولا يغفل المؤلفان الاهتمام بالأنشطة الشجاعة للأفراد الذين يطالبون بالاستماع إلى أصواتهم وإلى صوت الحقيقة. ولعل ما ذكرناه يوضح السبب في لجوء المؤلفين إلى وضع عنوان فرعي طويل بعد العنوان الرئيسي المختصر وننقله هنا بالحرف: «الكذابون الحكوميون وزعماء من يهتفون لوسائل الإعلام، والناس الذين يناضلون ضدهم».
وعلى هذا الأساس يقسم المؤلفان كتابهما قسمين يتناول أولهما تلك الشرذمة التي أشارا إليها من الكذابين والمهللين، ويتعرض القسم الثاني إلى أولئك المواطنين الأميركيين الذين ساهموا في كشف السياسات غير القانونية للإدارة الأميركية ومن بينهم الأمهات اللائي فقدن أبناءهن في الحرب، والجنود الذين رفضوا الاشتراك فيها. وبعد مقدمة طويلة يختتمها الأخوان غودمان بقولهما إن حرية الكلام هي خط الدفاع الأخير للديمقراطية، وينبغي علينا أن نطالب بتلك الحرية وأن نستعملها قبل كل شيء.. والآن!! ومن ثم يبدأ القسم الأول من عدة فصول متفاوتة الحجم ويبدأ أولها بعنوان يقول: «الدولة المارقة». ولعل القارئ الكريم يتذكر أن الرئيس الأميركي بوش الابن يحلو له دائما توزيع الأوصاف على بعض دول العالم التي لا تروقه حتى شاع على لسانه تعبير «الدولة المارقة» وتتوالى الحكايات: الحكاية الأولى تبدأ عندما كان ماهر عرار في طريقه إلى كندا عائدا من إجازة عائلية على أن تلحق به زوجته وأطفاله فيما بعد.
وكان عليه أن يغير الطائرة في مطار كيندي، وفجأة انتزع من الطائرة وقام مكتب المباحث الفيدرالية (الإف بي آي) وشرطة مدينة نيويورك باحتجازه. بعد أسبوعين وفي أحد مباني إدارة الهجرة في المدينة قيد بالأصفاد بعد أن قرروا ترحيله إلى بلده الأم، ووضع في طائرة من طراز غلف ستريم في نيوجيرسي رغم توسلاته واحتجاجه خوفا من تعرضه للتعذيب، ولم يستمع إليه أحد وظل يبكي طوال الرحلة، بينما أسرته لا تدري شيئا عنه ولا عن اختطافه. وبعد مرور 374 يوما في السجن أفرجت عنه سلطات بلاده التي كانت تعتقله، ولم يوجه إليه أي اتهام على الإطلاق. وبعد أيام من الإفراج عنه ألقى بوش خطابا في واشنطن انتقد فيه إحدى الدول العربية، وبهذا عرف ماهر عرار ـ على لسان بوش ـ قصة اختطافه وتعذيبه بناء على رغبة أقوى دولة في العالم. ولم يكن هو الوحيد..
وهنا يقول المؤلفان إن الولايات المتحدة «دولة مارقة»، ومعروف أن القوانين التي تحكم سلوك القادة الأميركيين مستقاة من مجموعة مبادئ السلوك الأساسية لدى الشعوب المتحضرة ـ من ذلك مثلا أن وثيقة الماغنا كارتا عام 1215 أكدت أن لا أحد فوق حكم القانون حتى ولو كان ملكا. ومعروف أن الماغنا كارتا هي الوثيقة العظمى التي تنص على ضمانات أساسية للحقوق وقد نجح النبلاء الإنجليز في إجبار الملك جون على إقرارها في عام 1215.
وقد أرست الوثيقة مفهوم حق السجين في الطعن في قرار احتجازه أمام المحكمة وذلك عن طريق صدور أمر قضائي بالتحقيق في قانونية سجنه وبمثوله أمام المحكمة. وتتفق جميع الدول على تجريم الاختطاف والقتل والاغتصاب. أما اتفاقيات جنيف الأربع ـ التي كانت أولاها في عام 1864 ـ فهي تنص على حقوق المدنيين والمتحاربين حتى أثناء الحرب، وتحرم القتل والتعذيب واحتجاز الرهائن وتوقيع العقوبات والإعدام خارج نطاق المحكمة واختصاص القضاة.
وقد ظلت هذه المبادئ تشكل المثل العليا المعلنة في الدول الغربية زمنا طويلا، ولكنها كانت تنتهك سرا وبشكل روتيني بدءا من قهر سكان أميركا الأصليين، والرق، وفيتنام، حيث كانت عمليات التعذيب والقتل دون محاكمة تمثل ركائز برنامج وكالة المخابرات المركزية الأميركية المسمى «فينكس» وحتى أميركا اللاتينية.
حيث أمطرت فرق الموت المدعومة أميركيا المدنيين بالإرهاب خلال سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ووصولا إلى مدرسة الأميركتين التابعة للجيش الأميركي التي يتضمن دليل خريجيها كل ديكتاتور في أميركا اللاتينية ومنتهكي حقوق الإنسان. وقد ظلت الولايات المتحدة منغمسة سرا في «بيزنس التعذيب» سنوات طويلة، وهي تسمية مبتكرة من مؤلفي الكتاب!!. وحتى مع هذه المستويات من سوء السلوك فإن الولايات المتحدة تجرب الآن وسائل أكثر انحطاطا. ويعود الفضل في ذلك إلى الرئيس جورج دبليو بوش.
تفويض إلهي
بعد هجمات 11 سبتمبر اعتاد بوش على القول إنه تلقى تفويضا إلهيا لا لكي يحكم أميركا فحسب ولكن لكي يشن الحرب في أنحاء العالم أيضا. وذكرت التقارير أنه قال للرئيس الفلسطيني محمود عباس إن الله أمره بضرب القاعدة فلما فعل ذلك أمره بضرب صدام حسين. وقرر بوش أنه لا يخضع هو أو إدارته للقانون الدولي ولا لقوانين الولايات المتحدة.
ويؤكد مؤلفا الكتاب أنه لم يكن يستطيع أن يفعل كل ما فعله وحده، بل كانت المكونات الهامة في ترسانته هي كونغرس مطيع، ولوبي يعقد الصفقات لحسابه الخاص، وشركات متعددة الجنسيات، بالإضافة إلى وسائل إعلام أميركية مجاملة ومسايرة له. وأصبح اعتقال الآدميين في أقفاص خارج البلاد وحرمانهم من محاكمة عادلة أمرا تستحسنه الدولة المارقة التي حلت محل الولايات المتحدة الأميركية، كذلك أصبحت عمليات الاختطاف أداة رئيسية في السياسة الخارجية.
وقد قام نائب الرئيس نفسه بالتأثير على مجلس الشيوخ الأميركي لكي يقنن عمليات التعذيب، بينما يختار وزير الدفاع وسائل التعذيب المقبولة من العصور الوسطى ومن بينها الإغراق في المياه والتبريد حتى درجة التجمد. وأخذت وزيرة الخارجية تقفز إلى كل مكان في العالم لكي تلح بصراحة ودون مواربة على الحلفاء الذين تقع على أراضيهم عمليات الاختطاف أو التعذيب، بأن ينكروا ما يعرفون أنه حدث.
أما وسائل الإعلام الأميركية فهي تتحدث بأدب عن «تجاوز» محتمل وتلمح بلطف إلى أشياء مثل «المواقف الضاغطة». ولم يكن تعذيب الأعداء أمرا جديدا على الولايات المتحدة، ولكن الأمر غير المسبوق هو اعتناقه والتفاخر به علنا.
وبعد ذلك تبدأ إيمي وديفيد غودمان في سرد ما أسموه «أفعال الدولة المارقة السرية» ويقولان: دعونا الآن نلقي نظرة في الأزقة المظلمة وخلف القضبان الحديدية والزنازين والسجون. ويعود الكتاب مرة أخرى إلى قصة الشاب السوري ماهر عرار، البالغ من العمر 33 سنة ومهندس الكمبيوتر في شركة اسمها ماثووركس في ماساشوستس، الذي قال لمؤلفي الكتاب في أوائل عام 2006 إن الشيء الأساسي الذي يدفعه إلى الجنون هو أنهم عندما يتهمون شخصا ما بأنه إرهابي، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
تظل تلك الوصمة عالقة به مدى حياته فلا يستطيع أن يجد عملا وحتى الناس المتعاطفين معه يظل يلح على رأسهم ذلك السؤال: ماذا لو.. ماذا لو..؟ وقد اقتضى عمله كمهندس كمبيوتر السفر كثيرا ولكنه أصبح يخشى ركوب الطائرات أو حتى التنقل عبر كندا وانتابته كوابيس مرعبة. ويختتم عرار حديثه لبرنامج «الديمقراطية الآن» بقوله إن العالم أصبح مليئا بالظلم ولا أستطيع أن أصدق ما حدث لي. أيعقل أن تفعل بي كل هذا دولة كالولايات المتحدة يفترض أنها تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان؟».
ويشير الكتاب إلى أن ذلك الشاب العربي هو ضحية ما تسميه أميركا «التسليم غير العادي» أي إرسال المشتبه به إلى دول أجنبية ليتعرض لاستجواب قاس. وقد بدأ هذا البرنامج في عام 1995 في ظل إدارة بيل كلينتون عندما قامت وكالة المخابرات المركزية الأميركية بعمليات اختطاف لمن تسميهم الإرهابيين في أوروبا، وأرسلتهم إلى مصر حيث تعرض بعضهم للتعذيب ولقي آخرون حتفهم.
وقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» في عددها الصادر يوم 20 نوفمبر 2001 أن إحدى أنجح العمليات تمت في ألبانيا بالتعاون بين مستشارين من السي آي إيه والشرطة الألبانية السرية. ويعلق المؤلفان على برنامج التسليم بأنه لم يكن وحده «غير العادي» في تحديه الوقح للقانون الدولي، بل أيضا في التسبب في فقدان أرواح الناس وفي مقدمتهم الأميركيون.
ففي 15 أغسطس 1998 نشرت إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن رسالة مما تسمى الجبهة الإسلامية الدولية للجهاد تتوعد بالانتقام من الولايات المتحدة بسبب عملية ألبانيا «وباللغة التي تفهمها أميركا». وبعد يومين وقعت انفجارات في السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا أدت إلى مصرع 224 شخصا. ومنذ 11 سبتمبر تحول «برنامج التسليم غير العادي» إلى جولة مكوكية تتم فيها عمليات الخطف حول العالم وإلقاء المختطفين في أماكن مثل خليج غوانتانامو وباغرام في أفغانستان.
وبحلول منتصف عام 2006 بلغ عدد السجناء في هذين السجنين الأميركيين الخارجيين نحو ألف شخص. ولم توجه أية تهم إلى معظم هؤلاء السجناء الذين تخور قواهم بعيدا عن الأنظار وخارج حماية القانون. وبذلت كل من الإدارة الأميركية والحكومة الكندية جهودا حثيثة لإخفاء كل ما يتصل بقضية عرار.
القصة التالية التي يرويها الكاتبان تبدأ أحداثها في مدينة ميلانو الإيطالية، ففي يوم 17 فبراير 2003 بعد الظهر كان رجل ذو لحية طويلة يسير في شارع غيرزوني في طريقه إلى المسجد القريب، وفجأة اقترب منه اثنان من الأوروبيين أوقفاه وطلبا منه باللغة الإيطالية تسليمهما بطاقة هويته وكأنهما من رجال الشرطة.
ويحكي أحد الشهود ما حدث بعد ذلك فيقول: عند تقاطع شارع كروتشي فيولا كانت تقف سيارة «فان» وعندئذ سمعت ضجة مثل صوت الارتطام، وفجأة انطلقت السيارة إلى الخلف ثم عادت فانطلقت في طريقها مبتعدة عن المسجد بسرعة فائقة ولم يعد للرجال الثلاثة أي أثر في الشارع». كان الرجل الملتحي هو حسن مصطفى أسامة وهو لاجئ مصري معروف باسم «أبو عمر» إمام المسجد.
وعندما قامت الشرطة الإيطالية بالتحقيق في اختفائه أسفرت خيوط التحقيقات عن مفاجأة حول مصدر عملية الاختطاف وهو: السي آي إيه. وبعد تتبع سجل المكالمات الهاتفية وجميع المعلومات تبين للسلطات الإيطالية أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية أرسلت وحدة تسميها «وحدة الإبعاد الخاصة» إلى إيطاليا، وتتكون من 19 عميلا.
وقبل الاختطاف بعدة شهور عاش هؤلاء العملاء حياة فاخرة في أفخم الفنادق والمنتجعات الإيطالية وأخذوا يمارسون نشاطهم تحت ستار حرب الرئيس جورج دبليو بوش المسماة «الحرب على الإرهاب» وفي عالم لا علاقة له بالقوانين. وبعد انقضاضهم على فريستهم اندفعوا به مسرعين إلى قاعدة أفيانو الجوية وهي قاعدة إيطالية ـ أميركية مشتركة، وبعد ساعات هربوه خفية على متن طائرة من طراز ليرجت إلى القاعدة العسكرية الأميركية في رامشتاين بألمانيا، وبعد ذلك نقل بطائرة أخرى إلى القاهرة.
مطاردة الأشباح
بينما تفرق الأميركيون كانت السلطات الإيطالية تطارد أشباحا في حرب الإرهاب، لأن السي آي إيه بعثت في مارس 2003 رسالة عاجلة إلى الإيطاليين تقول إن «أبو عمر» هرب إلى البلقان، وفقدت الشرطة الإيطالية رشدها وهي تطارد أشباحا دون التوصل إلى نتيجة. وذكر محققون إيطاليون في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» أن برقية السي آي إيه كانت كذبة متعمدة منها وجزءا من حيلة ماكرة لإحباط جهود شرطة مقاومة الإرهاب الإيطالية في تتبع الإمام المصري.
وذلك لأن الأميركيين لم يكونوا يريدون تسرب أية معلومات إلى الحكومات الأوروبية المشمئزة عن أن الهدف الحقيقي في نقل أبو عمر هو مصر حيث تعرّض لاستجواب شديد القسوة ولعمليات تعذيب مزعومة من بينها الصدمات الكهربائية، والتعرض لدرجات حرارة حتى التجميد وغير ذلك من أنواع التعذيب التي جاءت في تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن حقوق الإنسان في مصر.
والمثير للعجب ادعاء الرئيس بوش في عام 2005 الذي يقول فيه «نحن لا نسلم أحدا إلى دول تمارس التعذيب» غير أن رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف صرح لصحيفة شيكاغو تربيون بأن السي آي إيه سلمت لمصر ما بين ستين إلى سبعين مشتبها فيهم كانت قد أسرتهم في أنحاء مختلفة من العالم. ويقول المؤلفان إن الحقيقة هي أن مصر أصبحت أحد الأهداف المختارة للحكومات الراغبة في تحاشي اتهامها بممارسة التعذيب.
وقد قدرت منظمة هيومان رايتس ووتش أن مصر عملت مع دول أخرى، بين عامي 2001 و2005، على اعتقال أكثر من ستين ناشطا إسلاميا يعيشون في الخارج وإعادتهم إلى مصر. وبعد نشر كتاب إيمي وديفيد غودمان نجد صحيفة مصرية هي «المصري اليوم» تقوم في عددها الصادر في 10 يونيو 2007 بنشر تقرير لصحيفة الإندبندنت البريطانية عن محاكمة عملاء السي آي إيه في إيطاليا تستند فيه إلى التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء المصري.
رجل بريء
وتحت عنوان «رجل بريء» يروي المؤلفان قصة ضحية أخرى اسمه خالد المصري اللبناني الأصل وبائع السيارات العاطل عن العمل في ألمانيا. وهو أب لخمسة أطفال ويتمتع بالجنسية الألمانية. ولما كان اسمه شبيها باسم شخص آخر متهم بالاشتراك في اختطاف الطائرات يوم 11 سبتمبر فقد اعتقله رجال حرس الحدود المقدونية وتصوروا أن جواز سفره الألماني مزور.
وحاول خالد عبثا إقناعهم هم وعملاء السي آي إيه بخطئهم، ولكنهم كانوا يتشوقون إلى لعب دور بارز في الحرب العالمية على الإرهاب وأصبح همهم الإيقاع بهذا الرجل البريء. وقد اعترف أحد ضباط المخابرات الأميركية بذلك لصحيفة واشنطن بوست إذ قال لمندوبها إن مراكز مقاومة الإرهاب التابعة للسي آي إيه هي أماكن تعج بعملاء عدوانيين يتطلعون لإثبات وجودهم في عالم سري مظلم لا قيمة فيه للقوانين.
وبعد أن تسلمت المخابرات الأميركية ذلك المواطن الألماني من شرطة مقدونيا بدأت إجراءاتها الروتينية وارتدى عملاؤها أقنعة وملابس سوداء ووضعوا عصابة على عيني أسيرهم الجديد ومزقوا ملابسه وخدروه بحقنة شرجية منومة لنقله بالطائرات إما إلى واحد من مراكز الاعتقال في الدول المتعاونة مع أميركا في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفغانستان، أو إلى واحد من سجون السي آي إيه السرية التي يشار إليها في أوراقها الرسمية السرية باسم «المواقع السوداء».
وقد ظل خالد المصري أسير تلك السجون السرية خمسة أشهر منذ بداية عام 2004 حتى شهر مايو من تلك السنة حيث خضع للتعذيب وعمليات استجواب متواصلة ومنعه من الاتصال بأحد أو تكليف محام للدفاع عنه. وظلت زوجته وأطفاله طوال تلك الفترة لا يعرفون أين هو حتى أن زوجته تصورت أنه هجرها. وأخيرا في يوم 28 مايو 2004 أخرجوه من زنزانته في أفغانستان مقيد اليدين ومعصوب العينين وقذف به إلى طائرة حملته إلى أوروبا.
وأخبره سجانوه الأميركيون بأنهم لن ينقلوه مباشرة إلى ألمانيا لأن الإدارة الأميركية مصرة على الاحتفاظ بسرية اعتقاله وحذروه من أن يتحدث لأحد عما حدث له. وعندما هبطت الطائرة وضعوه معصوب العينين في سيارة ظلت تسير عدة ساعات في مناطق جبلية وأخيرا أعطوه جواز سفره ونزعوا العصابة عن عينيه والقيود عن معصميه ورموه على جانب طريق مهجور وحذروه من أن يلتفت خلفه.
وتصور المصري أن هذه هي نهايته الأخيرة وانتظر رصاصة في ظهره ولكن السيارة انطلقت مسرعة. وبعد قليل وجد نفسه في مواجهة رجال شرطة محلية أخبروه أنه في ألبانيا، وكانت السي آي إيه قد تحققت من صحة جواز السفر الألماني بعد ثلاثة أشهر من اعتقاله، ومن أنها أخطأت واعتقلت رجلا بريئا، ومع ذلك استمر اعتقاله وتعذيبه شهرين آخرين حتى رموه على الأرض الألبانية.
ويقول مؤلفا الكتاب إن قصة خالد المصري ليست الوحيدة فقد اعتقلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية ثلاثة آلاف شخص ومن المستحيل أن يعرف أحد عدد الأبرياء من بين هؤلاء الناس. وتتصرف السي آي إيه على أنها القاضي والمحلفون والجلادون، ويقرر عملاؤها بأنفسهم من يعتقلون، كما تقرر الوكالة وقوع خطأ ما، وإذا لم تحصل على المعلومات التي تريدها، أو إذا أراد مسؤولوها التستر على خطأ منهم محرج لهم، تقرر الوكالة ببساطة «إخفاء» شخص ما بنقله إلى خليج غوانتانامو أو باغرام بأفغانستان.
وما دام الأمر بعيدا عن أنظار ومتناول وسائل الإعلام، فإن مراجعة السلطات العسكرية لقضية أحد المشتبه بهم يمكن أن تستغرق سنوات طويلة. وقد أفرج عن نحو 300 سجين من غوانتانامو دون توجيه تهمة لهم وكان قد تم اعتقالهم دون سند قانوني وعانوا عذاب سنوات من العزلة والتعذيب. ويصف مسؤول كبير معتقل غوانتانامو بأنه «مقبرة أخطاء السي آي إيه».
نفي رايس
ومع افتضاح تلك العمليات وقيام بعض السجناء السابقين برفع دعاوى قضائية ضد الولايات المتحدة وعملائها تحولت الولايات المتحدة إلى ما يشبه الفرق المسرحية المتجولة في عواصم الدول المتشككة والتي تقوم بالكذب عليها بشأن ما حدث أمام جمهور غاضب.
وانزعجت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية وهي في أوروبا في ديسمبر 2005 فادعت أن «الولايات المتحدة لا تقوم ـ ولم تقم ـ بنقل معتقلين من دولة إلى أخرى من أجل استجوابهم تحت التعذيب» ولكن بعد أربعة أشهر فقط كشف محققون تابعون للبرلمان الأوروبي عن أن السي آي إيه قامت بتسيير ألف رحلة جوية عبر أوروبا منذ عام 2001 خصص بعضها لنقل متهمين بالإرهاب إلى دول تمارس التعذيب.
وهكذا لم تستطع الولايات المتحدة أن تجد مشتريا لما كانت تريد بيعه للناس. وصرح أندرو تيري العضو المحافظ في البرلمان البريطاني بأن «من الواضح أن نص كلمة كوندوليزا رايس كتبه محامون بهدف تضليل جمهور مستمعيها». وكتب مراسل صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تقريرا حول جولة رايس الأوروبية في ديسمبر 2005 قال فيه بقسوة: «من الصعب أن نتخيل تلطيخا مفاجئا وشاملا لمصداقية إدارة بوش أكثر من ذلك الذي يحدث هنا والآن بالذات».
وبعد نشر كتاب إيمي وديفيد غودمان بدأت الانباء والتقارير تتواتر حاملة المزيد من الإدانة للسجون السرية خلال شهر يونيو من العام الحالي، من ذلك مثلا التقرير الثاني لمجلس أوروبا الذي أصدره مقرر الجمعية البرلمانية للمجلس ديك مارتي. وقد اتهم أجهزة مخابرات أوروبية بالتعاون مع السي آي إيه في عمليات النقل والاعتقال السرية وغير القانونية.
كذلك قال فرانكو فراتيني المفوض الأوروبي المكلف بشؤون الأمن والعدل والحرية: «لا يمكننا إلا التشديد على موقفنا الداعي إلى إخضاع كل الأنشطة الرامية إلى مكافحة الإرهاب لمقتضيات القانون الدولي والشرعية الأوروبية للحقوق الأساسية وحقوق الإنسان» كذلك أكد تقرير ديك مارتي تورط بولندا ورومانيا في التعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية في إقامة سجون سرية على أراضيهما.
ويؤكد الكتاب الذي نستعرضه أن ألمانيا كانت شريكا صامتا للولايات المتحدة في قضية اختطاف وسجن المواطن الألماني خالد المصري. وتشير إيمي غودمان وشقيقها إلى أن المصري عندما كان في سجون أفغانستان اشترك في استجوابه شخص يتحدث اللغة الألمانية بطلاقة وأنه شارك في جلسات الاستجواب.
وفي فبراير 2006 جيء بعشرة أشخاص لعرضهم على خالد المصري فتعرف على مسؤول شرطة ألماني وأكد أنه هو الرجل الذي استجوبه. وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز هذه القصة في عددها بتاريخ 21 فبراير 2006 ولكن الغريب أنها امتنعت عن ذكر اسم ذلك الرجل بناء على طلب جهاز المخابرات الألمانية بحجة أنه كان يقوم بعمل استخباراتي سري. وقد بلغ عدد ضحايا حرب الإرهاب الأبرياء حجما كبيرا لا يمكن تجاهله.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



