يختتم المؤلف كتابه في الحديث عن موطنه فرنسا والتحديات التي يواجهها وفي مقدمتها العولمة ورحلة البحث عن الدور القيادي العالمي الضائع في ظل وجود قوة عظمى تفرض هيمنتها على الساحة الدولية كالولايات المتحدة، والتصالح مع الماضي واستخلاص الدروس والعبر المفيدة منه.
ويشير فيدرين إلى أن فرنسا تعاني من أزمة ثقة تنعكس سلباً على مسيرتها ومكانتها في العالم، وتعاني سياستها الخارجية من الجمود، فهي لا تزال أسيرة للوطنية الكلاسيكية ونزعة السيادة، وإن كان المؤلف يشير إلى وجود شريحة واسعة في أوساط النخب الفرنسية تنادي بضرورة التأقلم مع العولمة ودعم المشروع الأميركي لنشر الديمقراطية ومواجهة الإرهاب وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط.ينطلق المؤلف في حديثه عن بلاده، فرنسا، بالقول إن حالة من الإحباط تسري في أجوائها منذ عدة سنوات. وهو يعيد ذلك إلى الطريقة التي تطور بها العالم وتطورت بها أوروبا ولم تجد فرنسا نفسها فيها، هذا في الوقت الذي لا يوجد فيه نظريا أي سبب كي تكون فرنسا في حالة ضيق بسبب العولمة.
أرادت فرنسا طيلة الجزء الأكبر من تاريخها أن تكون ذات بعد كوني على خلفية طموحاتها ونزعتها نحو المغامرة. لكن العولمة التي تعيد صياغة العالم ليست تلك التي تسمح لفرنسا بنشر أفكارها وقيمها ولغتها في العالم. على العكس إن العالم هو الذي يريد إسقاط تعييناته عليها، بل ويتهمها بعدم القدرة على التأقلم.
وهذه العولمة التي تشهدها العقود الأخيرة هي من صنع الشركات الكبرى والبنوك والمستثمرين والسلطات الأميركية والتقدم التكنولوجي في ميدان الإعلام والصورة، وهي العولمة التي تريد تحويل مجموع سكان المعمورة إلى مستهلكين للسلع والخدمات وللاستعراضات السياسية أو غير السياسية.
وفرنسا، كديمقراطية عريقة، لا يمكنها إلا أن تفرح لرؤية تقدم الديمقراطية والحرية في بلدان لم تكن تعرفها، ولا يمكنها إلا أن تستفيد، مبدئيا، من موقعها كاقتصاد غربي متقدم من انخراطها في العولمة. وفرنسا، كبلد اهتمّ منذ فترة طويلة بمصير العالم الثالث، ينبغي لها أن تكون مغتبطة لواقع التنمية والصعود الذي عرفته بلدان عاشت خاضعة لغيرها زمنا طويلا.
لكن مع هذا كله تشعر فرنسا بالضيق لأنها ليست واثقة، أو ليست راضية، حيال دورها ومكانتها في العالم الحالي. هذا لاسيما أن العولمة السائدة تقوم على قاعدة ليبرالية متطرفة تختزل حكما دور الدولة وتعتبر الحماية الاجتماعية بمثابة مصدر إعاقة غير محتمل.
ثم إن هذه العولمة تجري تحت زعامة الولايات المتحدة التي تعرف فرنسا معها غالبا علاقات صعبة لأنها لا تريد، وهي على صواب كما يؤكد المؤلف، أن توليها دعمها على طول الخط. كما أن الولايات المتحدة تلعب اليوم الدور الذي كانت فرنسا قد لعبته لفترة طويلة، أي دور البلاد التي تحدد التوجهات الكونية. أمام هذا الوضع تشعر فرنسا بالمرارة، بل بالغيرة.
ويرى المؤلف أن مثل هذه المشاعر تثير الدهشة إذا أُخذت الوقائع الموضوعية بالحسبان. وفي مقدمة هذه الوقائع المكانة التي احتفظت بها فرنسا في المؤسسات والسياسة الدولية، وما ينتظره العالم من سياستها الخارجية، وإمكانياتها ومصداقيتها العسكرية، وقوتها النووية التي تبقى عسكريا مصدر ضمان كبيرا، وديمغرافيتها النشيطة، والنجاح الكبير الذي تحققه شركاتها، وآلاف الفرنسيين العاملين في الخارج، وقوة الجذب التي تمارسها بلادها الجميلة للسائحين ومطبخها وبيوت أزيائها الراقية وثقافتها ولغتها، الخ.
لكن رغم هذا كله هناك حالة من القلق تسود في السنوات الأخيرة، فهل هناك شيء يثير الرضا إذا لم يتم احتلال موقع في مركز القرارات؟ وإذا لم تعد فرنسا سوى قوة «متوسطة»؟
كما يتساءل فيدرين ليشرح عدم موافقته على توصيف «قوة متوسطة» بالنسبة لبلاده التي لا تزال تحتل موقع قوة ذات تأثير عالمي برأيه على ضوء المقارنة بال192 دولة التي تضمّها منظمة الأمم المتحدة. وتساؤل آخر يسري في الأجواء هو: ماذا يمكن أن نكسب من «تأقلمنا» مع العولمة التي يتم دفعنا للانضواء في إطارها؟
حصان طروادة
يرى الكثير من الفرنسيين أن أوروبا القوية سوف تطيل من واقع النفوذ الفرنسي. ويعتقد آخرون أن أوروبا الاجتماعية سوف تضمن مكاسبهم في هذا الميدان وسوف تمدّها كي تشمل بقية القارة. لم يكن مرتقبا إذن أن التكامل الأوروبي سيكون عبارة عن «حصان طروادة» للعولمة الليبرالية.
وأنه يستوجب التفاوض حول كل شيء باستمرار مع عدد كبير من الشركاء، وأنه يمكن لفرنسا، ولغيرها، أن تجد نفسها في موقع الأقلية أثناء كل عملية اقتراع إذا لم تستخدم دائما ببراعة معارفها الدبلوماسية وقدراتها التكتيكية الخلاقة. لكن هذا لن يمثّل مع ذلك حلا دائما. خيبة الأمل تتحول أحيانا إلى نوع من التقليل من القيمة الذاتية بل وحتى من كره الذات. هذا يبدو جلياً حيال النظام الاقتصادي والاجتماعي وحيال التاريخ أيضا.
ولا يتردد المؤلف في تأكيد ضرورة إصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي مع المحافظة على ما هو أساسي فيه. ذلك أنه لابد أن تُؤخذ بالاعتبار القوانين الجديدة للسوق العالمي والتنافسي مع محاولة الاستفادة من اقتصاد مفتوح والابتعاد عن انتهاج سياسة اقتصادية وضرائبية واجتماعية تتناقض مع سياسة الشركاء الأوروبيين.
هذا في ظل الخسارة النسبية الأكيدة التي تعرفها فرنسا في ميدان التنافس ودرجة التقدم الاقتصادي بالمقارنة مع البلدان المصنّفة في نفس فئتها، مع وجود عجوزات عامة تثقل على الجيل الحالي، بل على جيلين. هذا ما يؤكده جميع الخبراء مع الإشارة إلى أنه يمكن لفرنسا أن تجني بعض الفوائد من خلال تبني مفهوم أكثر انفتاحاً على العولمة.
إن فرنسا التي تقول بمثل هذه المقاربة لا تتحدث سوى عن ضرورة التخلّص من المعوقات القديمة والتكيّف مع العولمة، وتصدر أحكاما قاسية ضد ساستها، اليمينيون منهم واليساريون، لأنهم لم ينجحوا في إقناع الفرنسيين بضرورة هذه الإصلاحات. ويشير المؤلف إلى أن الأمر يصل ببعض المتطرفين في هذا الاتجاه إلى حالة من الرفض الكامل لكل ما هو فرنسي حيث كل شيء «باطل» من اللغة حتى دور الدولة ومرورا بالحياة السياسية والحياة الثقافية وبالجمهروية نفسها.
هناك محللون آخرون يعلنون عن ذهولهم أمام حالة «الإفقار» التي تعرفها الطبقات الوسطى عبر تعاظم الهوة بين الأكثر فقرا وبين المستفيدين من العولمة. ويشجبون حالة التفسخ الحقيقي للروابط الاجتماعية ويمثّل الوضع الذي يعاني منه أبناء المهاجرين المنبوذون الذين لم يتم دمجهم حقيقة في النسيج الاجتماعي أحد أعراضها الصارخة.
ذلك أن فرنسا، ورغم مساعداتها الاجتماعية بالحد الأدنى ومدرستها ومصالحها العامة ليست محميّة من آثار العولمة. وفرنسا هذه تتلقّى العولمة وكأنها عملية اعتداء وتنتظر من رجال السياسة حمايتها منها، وحتى لو كانت فرنسا هذه تستفيد من العولمة من موقع المستهلك.
أما بالنسبة للتاريخ فيؤكد المؤلف على ضرورة معرفة كل ما عرفه تاريخ بلد ما بكل مراحله ودون أية محظورات، فمن السيئ محاولة طمس ذلك ومن الطبيعي مناقشة كل شيء. لكن الأمر لم يكن كذلك في فرنسا خلال السنوات الأخيرة. وتتم الإشارة هنا إلى أن ذكر الماضي قد أخذ غالبا نوعا من تعذيب الذات.
إن لحظات مأساوية قد «أُعيد اكتشافها» كما لو أنها كانت فجأة، مطموسة وقد كانت كذلك في الواقع مثل مذبحة سان برتيليمي التي كان ضحيتها هم من البروتستانتيين على يد الكاثوليك، وفترة العبودية، والاستعمار، وحرب الجزائر. ولم يكن الأمر يتعلق كل مرة بالتعرف أكثر أو باستخلاص أفضل الدروس وإنما بالأحرى بطلب الغفران.
ومما طرح مشاكل أخلاقية وسياسية وقانونية عديدة. إذ ما معنى طلب الغفران حيال أعمال قام بها آخرون في الماضي؟ وما هي مسؤولية أبناء اليوم عن أفعال قام بها أجدادهم؟ وهل هناك، على عكس ما تنص عليه مبادئ القانون النافذ، مسؤولية جماعية وهل هذه المسؤولية قابلة للنقل؟ هذه هي بعض الأسئلة التي يطرحها المؤلف.
الأسس القانونية لمثل هذا المسار قابلة للاعتراض عليها لاسيما أنها موظّفة سياسيا ولها خلفيات انتخابية واضحة. الأمر نفسه بالنسبة لمحاولة تمجيد الماضي مثل القول بوجود جوانب إيجابية للاستعمار.
هكذا تصبح الذاكرة المطلوبة حكما واجبا والإخلال به يشكل جريمة. لكن هناك بعض المؤرخين الذين يطالبون ب«الحرية من أجل التاريخ» مما يستدعي القول بإلغاء قانون «غيسو»، القاضي بفرض عقاب قانوني على كل من ينفي وجود مذابح اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية على يد النازية، أو على الأقل إعادة صياغته.
جنوح مفرط
يرى المؤلف أن «الجنوح الحالي» يمكنه الذهاب إلى حد زعم الجمعية الوطنية الفرنسية الإفصاح عن الحقيقة التاريخية لما جرى عند الآخرين مثل القانون الخاص بمذابح الإبادة التي تعرّض لها الأرمن في تركيا والذي تمت الموافقة عليه في قراءة أولى يوم 12 أكتوبر 2006.
فهل هذا يعني أن الجمعية الوطنية الفرنسية تصدر قانونا حول فصل من تاريخ الإمبراطورية العثمانية؟ يتساءل هوبير فيدرين ويضيف أن هذا يشابه تدخّل البرلمان التركي عبر إصداره تشريعات خاصة بالمذابح التي اقترفتها فرنسا خلال غزو الجزائر. ثم يتساءل: متى سيتم الاقتراع حول إبادة الهنود الحمر في أميركا؟ ومن هو البرلمان المرشح لعمل ذلك؟
تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن مثل هذا الطرح يشكل نوعا من العبث ويترجم واقع حالة الضيق التي تعيشها أمة، مع إرادتها في تسوية حساباتها مع ذاتها. التاريخ هو ما هو عليه وعلينا معرفته وتحمل مسؤوليته ومتابعته مع تجاوزه. باختصار عدم إخفاء أية صفحة فيه، وتدريسه كله، ونقله كله للأجيال اللاحقة، واستخلاص الدروس منه في منظور المستقبل.
ولا تعزى الأزمة الحادة للديمقراطية التمثيلية إلى كره الذات فقط، بل تعزى إلى السمات الخاصة لكل المجتمعات الحديثة. ومن أهم هذه السمات وجود مستوى تعليمي عالي وإعلام مستمر واستطلاعات رأي يومية ومتطلبات اقتصادية متجددة وواعدة بما هو جديد وتسارع عام لإيقاع الحياة. وفي محصلة هذا كله نما جو من الحذر لدى الناس من إعطاء ثقتهم لممثليهم على مدى سنوات طويلة وأصبحوا يميلون هم أنفسهم إلى ممارسة دور في الحياة العامة لبلدانهم، وهذا ما يطلقون عليه تسمية «الديمقراطية التشاركية» وليست «الديمقراطية التمثيلية».
ومن بين السمات التي يصفها المؤلف ب«الأكثر إثارة للدهشة» لدى فرنسا غير الراضية عن نفسها هناك الاستهانة المستمرة بقدراتها على التأقلم والتجديد. إن هذه البلاد التي كانت زراعية وتقليدية تحوّلت خلال عدة عقود ـ ما بين منتصف الخمسينات ومنتصف الثمانينينات الماضية إجمالا- إلى اقتصاد يقوم على الصناعات المتقدمة والخدمات والتبادل التجاري الحر.
وحيث أثبتت شركاتها الكبرى تواجدا هاما في الأسواق العالمية. أدى هذا إلى تغيير كبير في نمط الحياة مع بقائه ذي طابع فرنسي. وبدا في إطار هذا النمط أنه من العادي جدا وصول امرأة إلى منصب رئيس الجمهورية، والكثير من الشباب الفرنسيين يجرّبون حظّهم في العمل بالخارج. فهل فرنسا هذه هي التي تشعر أنها مهددة من قبل العولمة؟ يتساءل هوبير فيدرين.
إذا كانت قد أثيرت نقاشات «عبثية» طويلة مع العولمة أو ضدها، فإنه ليس هناك أي بلد لم يفعل سوى التأقلم معها أو الحماية منها.
لكن جميع البلدان، في مواجهة الموجة الأخيرة من العولمة، وبنسب مختلفة جنت الفوائد منها وتأقلمت معها وجددت من أجل زيادة فائدتها أكثر ومارست الحماية منها على المستوى العالمي (عبر منظمة التجارة العالمية) أو المستوى الأوروبي أو الوطني عندما عرّضت للخطر أي شيء أساسي. وعُقدت أحيانا بعض التحالفات من أجل محاولة تغيير بعض القواعد العامة. بكل الحالات يعود للسياسيين دور تحديد «التوليفة» المناسبة في كل بلد.
في المحصلة يؤكد هوبير فيدرين أن فرنسا لا تعاني من مشكلة إمكانيات لكنها لم تعد تمتلك الثقة بنفسها وبقدراتها على الإصلاح وعلى النهوض من جديد. وهي مخطئة بذلك.
كما يؤكد مشيرا إلى أن السياسة الخارجية لفرنسا لا تخرج عن حيّز القلق. وفي الوقت الذي تشتهر فيه أنها تحظى بقبول عام تشكل موضوعا لحملة تشكيك هامة. ويتم النظر إليها أنها جامدة منذ بدايات الجمهورية الخامسة (عام 1958). هذا بالتأكيد صحيح على مستوى المبادئ الكبرى كبلد غربي مخلص لحلفائه في الأزمات الخطيرة وإنما مستقل وحر في تحركاته في جميع الحالات الأخرى.
دبلوماسية ديغول
لقد أصبحت دبلوماسية الجنرال شارل ديغول أسطورة يتم تقديمها ككتلة في الوقت الذي كان قد حاول فيه طيلة سنوات عديدة جعل الولايات المتحدة وبريطانيا، وأثناء الحرب العالمية الثانية أيضا، تقبلان بفرنسا باعتبارها العضو الثالث في القيادة الجماعية الغربية ذات التطلع العالمي.
لكن أمام الرفض المتكرر لمحاوريه الانجلوسكسونيين بدأ باستكشاف سبيل آخر تمثّل في المعاهدة الفرنسية ـ الألمانية لعام 1963، وفي خطة «فوشيه» لاتحاد سياسي أوروبي بين الحكومات وفي الخروج من البنى العسكرية للحلف الأطلسي، وفي تبنّي تعبيرات دبلوماسية فرنسية مستقلة حول فيتنام والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، الخ. هذه السياسة التي عرفتها سنوات 1966-1969 هي التي يتم وصفها بالسياسة الخارجية الثابتة للجمهورية الخامسة.
ويشير المؤلف إلى أن السياسة الخارجية التي انتهجها الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران تبقى ماثلة أكثر في الأذهان بسبب قربها زمنيا وقد شهدت أحداثا كبرى في مقدمتها نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين غربي وشرقي. كما عرفت نجاحات لا جدال حولها مثل السياسة الأوروبية لسنوات 1984 ـ 1992، وسياسات مثيرة للجدل حيال إعادة توحيد ألمانيا والسياسة الفرنسية ـ الإفريقية عامة.
وبالنسبة لسنوات رئاسة جاك شيراك فإن السياسة الخارجية على مدى سبع سنوات منها (من أصل 12 سنة عرفت 5 سنوات منها التعايش مع حكومة اشتراكية) تقتصر فعليا، حسب رأي هوبير فيدرين، على قول «لا» للولايات المتحدة بخصوص حربها في العراق عام 2003، وعلى فشل الاستفتاء حول الاتفاقية الدستورية الأوروبية ـ الدستور الأوروبي- عام 2005، وعلى نوع من الواقعية التي أثارت الكثير من النقد حيال روسيا والصين، وأخيرا على بعض مشاهد العناق الحميمة مع بعض الزعماء العرب والأفارقة.
السياسة الخارجية ليست رفاهية وترفا. لكن فرنسا ستكون بحاجة لها أكثر من أي وقت مضى، وسيكون عليها أن توليها اهتماما أكبر والتساؤل عن شتى المواضيع عن الخيارات التي كان قد جرى اللجوء إليها ولماذا نجح بعضها أكثر من غيرها والبحث عن الأسباب العميقة لذلك.
ما يلاحظه المؤلف أولا هو أن أنصار المفهوم التقليدي للسياسة الخارجية، أي الدفاع عن المصالح الحيوية واستقلال القرار ومدى النفوذ في العالم والذين يمثّلون جميع محترفي الدبلوماسية تقريبا، لا يعبرون عن رأيهم سوى قليل جدا وكأن الأمر ليس سوى مصدر افتخار قليل لصاحبه وأنه خطأ سياسي. بالمقابل تتحرك مجموعات من «النشطاء»، بالمعنى الانجلوسكسوني، وتناضل من أجل جعل اهتماماتها تحظى بالأولوية، هذا إذا لم تصبح حصرية تماما.
معسكر التكامل السياسي
بالنسبة لأنصار أوروبا، والمقصود به أولئك الذين يناضلون من أجل التكامل الأوروبي على أساس فيدرالي لتمييزهم عن أنصار البناء الأوروبي عامة، فإنهم كانوا يشكّلون النواة الصلبة لمعسكر ال«نعم» للاتفاقية الدستورية، ويرون أنه ينبغي على السياسة الخارجية الفرنسية أن تجعل هدفها شبه الوحيد هو التكامل السياسي الأوروبي .
وبحيث تذوب هذه السياسة الخارجية بعد أجل في إطار سياسة خارجية أوروبية ليست مشتركة فحسب وإنما أيضا وحيدة. ويعتبر أنصار هذا التيار أن كل ما لا يكون في هذا الاتجاه إنما يعبر عن نزعة «عتيقة» للتأكيد على السيادة الوطنية ويشكل بالحد الأدنى مضيعة للوقت. جمهورهم يتقلّص منذ عام 2005 ـ بعد فشل التصديق الشعبي على الاتفاقية الدستورية- لكن تصميمهم لا مساس به.
ويرى تيار «أنصار حقوق الإنسان» أنه ينبغي للتأكيد على هذه الحقوق وعلى الديمقراطية أن يشكّل الأولوية المطلقة للدبلوماسية الفرنسية، وأبعد منها، للدبلوماسيات الغربية. ويضيف بعض المدافعين عن حقوق الإنسان أنه لا يمكن انتظار تثبيت أركان الديمقراطية في كل مكان من أجل الضغط لاحترام حقوق الإنسان. هذا التيار ينتقد الدبلوماسية الفرنسية في عملها وموقفها حيال روسيا والصين والعالم العربي وإفريقيا على ضوء هذا المعيار حصرا. وهو تيار سائد في وسائل الإعلام وأحزاب اليسار وأوساط المنظمات غير الحكومية.
ويشير المؤلف إلى ضرورة ذكر أنصار تعددية الأقطاب في العالم الذين يدعمون فكرة أن فرنسا لا تستطيع أن تفعل شيئا وحدها وبالتالي ينبغي أن يندرج عملها كله ضمن إطار منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى متعددة الأطراف. ويصل المتطرفون منهم إلى حد القول إنه من الأفضل عدم عمل أي شيء على العمل على انفراد. ويقدّرون أيضا أن السياسة الخارجية الفرنسية لا تزال مغرقة في الوطنية الكلاسيكية ونزعة السيادة، الخ.
وبعد إشارة سريعة إلى تيارات خاصة تطالب بعلاقات وثيقة أكثر مع هذا البلد أو ذاك، يؤكد المؤلف أن تحديد درجة التكامل السياسي للبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يشكل خيارا أساسيا، وقد حان الوقت لفعل ذلك بطريقة واضحة ودائمة. ويرى بالمقابل أن الجدل حول حقوق الإنسان يشكل نقاشا زائفا إلى حد كبير إذ ليس هناك سياسة خارجية غربية يمكن تصورها دون جانب خاص بحقوق الإنسان، وبالعكس، لا يمكن أن تقتصر أية سياسة خارجية على هذا البعد.
هجوم أطلسي
كذلك تتم الإشارة إلى هجومات «أطلسية» تتعرض لها السياسة الخارجية الفرنسية. وأطلسي هو كل من يرغب التعاون بشكل طبيعي مع الولايات المتحدة ـ كما أبدى جميع المسؤولين الفرنسيين استعدادهم- وأطلسي أيضا هو كل من يدين، بحجة مكافحة نزعة العداء لأميركا، أي انتقاد للسياسة الأميركية، ومهما كان ذلك النقد قائما على أسس واقعية بل ويؤيده قسم هام من الأميركيين أنفسهم.
هذا التيار هو الذي أيّد قبل فترة وجيزة، وباسم الحرب ضد الإرهاب، سياسة المحافظين الأميركيين الجدد في العالم العربي والتي لاقت فشلا ذريعاً. لكن يبدو مع ذلك أن الفشل الأميركي في العراق وفي الشرق الأوسط والهزيمة الانتخابية للجمهوريين في شهر نوفمبر 2006 لم تقلل من عزيمة بعض المؤيدين الفرنسيين، من اليمين واليسار، في محاولة إعادة توجيه السياسة الخارجية لفرنسا في هذا المنحى.
وهذا التيار هو أيضا الذي يوجه نقدا شديدا ل«السياسة العربية لفرنسا» كما طبّقها الرئيس (السابق) جاك شيراك ولكن أيضا في مبدئها نفسه. ويؤيد هذا التيار أيضا المشروع الأميركي في تحويل الحلف الأطلسي إلى تحالف عالمي. إنه تيار قوي في أوساط «النخب» وضعيف التواجد في شرائح الرأي العام الواسعة.
ويحدد المؤلف أيضا بعدا جديدا يثقل على السياسة الخارجية، ويتمثل في الحكم على أي مسار دبلوماسي ليس على أساس فائدته بالقياس إلى هدف تاريخي أو إلى سياسة محددة وإنما على أساس تطابقه مع قواعد صارمة تتعلق برؤية فلان وعدم رؤية فلان آخر والتحدث أو عدم التحدث مع مثل هذه المنظّمة وزيارة هذا البلد أو عدم زيارته ومصافحة فلان أو عدم مصافحته وقبول أو عدم قبول الاستماع إلى كلمة ما، الخ.
إن الدبلوماسيين كانوا قد لعبوا دائما بمثل هذه التباينات وإنما كان ذلك دائما من أجل التقدم أو الوصول إلى حل أوضاع صعبة معقّدة. وفي ظل رقابة أولئك الذين يصيغون الرأي أصبح هناك الكثير من الممنوعات. ولم يعد السؤال هو: هل هذا مفيد؟ بل: هل هذا مثير للفضيحة؟
هكذا أصبحت السياسة الخارجية الفرنسية غير مفيدة. ذلك أنه لم يعد لها موضوع سوى التمييز بين الأصدقاء أو الحلفاء بينما ينبغي عدم التعامل مع الآخرين من معارضين أو مارقين. فهؤلاء يتم تجاهلهم أو عقابهم أو قصفهم.
وهذا تحديدا ما فشل في الشرق الأوسط. فأين هذا من الوقت الذي صرّح فيه فرانسوا ميتران في إسرائيل أمام نواب الكنيست: مع أولئك الذين يتم قتالهم يُصنع السلام؟
وهذا هو الرئيس جورج دبليو بوش بعد سنوات من العناد وجد نفسه مرغما على أن يطلب من جيمس بيكر، وزير الخارجية السابق في إدارة والده، والأكثر ابتعادا في الحقل السياسي الأميركي عن المحافظين الجدد المكلّفين بصياغة سياسته العربية، أن يقدم رؤية عن العراق.
وكانت إجابة بيكر بشجاعة هي: تركيز القوات الأميركية على البناء بدلا من المعركة وبداية الانسحاب في أفق عام 2008، ولكن أيضا استئناف الاتصالات مع سوريا وإيران، والتزام الولايات المتحدة من جديد بإيجاد حل للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني على أساس قيام دولتين، ونهاية مهمة نشر الديمقراطية والدفاع عن المصالح الأميركية.
هذه النقاط، هي بمجملها، مناقضة لما فعلته إدارة جورج دبليو بوش حتى الآن، ولهذا لن تستطيع هذه الإدارة الأخذ بها وتطبيقها. العالم الآتي يبدو قاسيا. ولن يكون بالإمكان مواجهته بسياسة خارجية غامضة. هذه هي الرسالة التي تحتويها الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف

