يتناول المؤلف في هذه الحلقة موضوع مستقبل الاتحاد الأوروبي والمشاكل التي تعترض مسيرة الوحدة والإشكاليات التي تواجهها الدول الأوروبية في تحديد هوية هذا التجمع وحدوده وسياساته الخارجية.
ويعرض بعض الحلول لتلك المشاكل من قبيل عرض الشراكة المميزة بل والتحالف على تركيا بدلاً من الإنضمام الذي يثير حساسية كبيرة لدى بعض الدول الأوروبية. ويرى ضرورة التوافق بين البلدان الأوروبية المختلفة من أجل تحقيق الأهداف المشتركة في الوصول إلى أوروبا قوية وفاعلة على الساحة الدولية تستطيع أن تشكل قطباً أساسياً يوازي القطب الأميركي أو الصيني. ولكن ذلك سيتطلب تعزيز الديمقراطية في الدول الأوروبية جميعها ومنح صلاحيات وسلطات أوسع للبرلمان الأوروبي بحيث يصبح قادة الدول الأوروبية مجرد مجلس شيوخ استشاري، والاهتمام في الوقت نفسه بالتنمية الإقتصادية ودفع عجلة التقدم إلى الأمام.إن لوحة العالم، بما هي عليه وبما تبديه من تهديدات وبما يختلف عن الأوهام الأكثر شيوعا ومع ملاحظة مدى عبثية الحلول المقترحة، تعزز الرغبة بوجود «أوروبا قوية» متبصّرة وفاعلة. لكن أوروبا تبدو في حالة عطالة، على الأقل في حالة غياب أي مشروع. فما هي حقيقة الأمور بالتحديد بالنسبة لهذه القارة القديمة؟
باستثناء أحزاب صغيرة هامشية لا يشكك الأوروبيون بما جرى باسمهم منذ أكثر من 50 سنة. إنهم يختلفون حول المسار اللاحق للبناء الأوروبي، إذ هناك عدة صيغ ممكنة لأوروبا في الواقع. فالفرنسيون والهولنديون رغم قولهم «لا» للدستور الأوروبي في استفتاء شعبي، لم يصبحوا مناهضين لأوروبا.
ومن الواضح أن شعوبا أوروبية أخرى كان منها أن تقترع ب«لا»، لأسباب مختلفة، لو أُتيحت لها فرصة القيام باستفتاءات شعبية، لكن دون أن يعني ذلك أنها ترفض فكرة أوروبا. بالتالي من غير المفيد «تجريم» الناخبين الفرنسيين والدعوة آليا إلى «استئناف» المسيرة الأوروبية إذا لم يتم أولا استخلاص الدروس من عمليات الاقتراع التي عرفتها السنوات الأخيرة.
كانت الاتفاقية الدستورية الأوروبية ـ الدستور الأوروبي ـ قد مزجت بين المؤسسات والسياسات. ويشير هوبير فيدرين هنا، كما كان قد كتب قبل الاستفتاء الشعبي الفرنسي عام 2005 وبعده مباشرة، إلى ضرورة توضيح الأمور بشكل مسبق حول ثلاثة مواضيع أساسية تتعلق بالحدود وبالسلطة وبالمشروع المستقبلي.
وذلك من أجل ردم الهوّة بين النخب ذات النزعة الأوروبية التكاملية وبين المواطنين «العاديين» غير المناوئة أبدا لأوروبا إنما المتمسكة بهويتها وهي تعاني اليوم من فقدان بوصلة التوجه. إذا لم يتم مثل هذا التوضيح المسبق فإن أية انطلاقة جديدة لأوروبا سيكون مآلها الفشل، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.
ويتم التأكيد في هذا السياق أيضاً على عدم الاستهانة بالبعد الاقتصادي والاجتماعي للمشكلة الأوروبية، إذ كيف يمكن، في مواجهة العولمة، الجمع بشكل أفضل بين استخدام الفرص والحماية والتكيّف والضبط؟
وأي توازن عام بين الحماية الاجتماعية الدينامية الاقتصادية الخلاّقة؟ وأية سياسة اقتصادية ينبغي اتباعها، خاصة في منطقة التعامل باليورو ومن أجل أي نمو اقتصادي ينبغي اتباعها ومن أجل أي نمو اقتصادي مستدام؟ هذه هي بعض الأسئلة التي يطرحها مؤلف الكتاب ويشير إلى أنه إذا كان تحديد السياسة الاجتماعية يتم أساسا داخل كل بلد فإن هذا لا يمنع واقع وجود بعض القواعد الاجتماعية العريضة التي ينبغي تبنيها وتعزيزها على المستوى الأوروبي.
لكن الإجابة على مثل هذه الأسئلة الهامة سيكون من غير الممكن معالجتها والبت بها طالما أنه تخيّم على أوروبا أشكال مقلقة من عدم الثبات والاستقرار تمنعها من معرفة من هي وماذا تريد. وفي مقدمتها غياب الحدود والهوية الواضحة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
والتشوش المستمر فيما يتعلق بتوزيع السلطات بين الاتحاد الأوروبي والدول-الأمم بل وفيما يتعلق بمستقبل هذه الأخيرة على المدى الطويل، والغموض الدائم حول دور أوروبا في العالم. هذه الإشكاليات التي اعتبر البعض أنها سوف تنتهي عند الذهاب أبعد كشفت عن قدرة على التعطيل ودفعت عدة شعوب نحو «محاولة الابتعاد». لم تصبح هذه الشعوب مناوئة لأوروبا وإنما أصبحت متشككة حيالها.
واليوم وبعد فشل الدستور الأوروبي لم يعد ممكنا انطلاق أوروبا من جديد بصورة مشابهة، كما يعتقد البعض. فمن أجل التزام المواطنين بالمسيرة الأوروبية ينبغي توضيح هوية أوروبا ورسم حدودها بدقة، وتحديد فصل السلطات بصورة ثابتة، أي تعيين دور كل طرف في أوروبا، والاهتمام بالمشاريع الجديدة أكثر من الاهتمام بإيجاد مؤسسات كاملة مكمّلة. وأخيرا صياغة واضحة للمشروع الأوروبي في تحديد مصائر العالم.
إن أوروبا لا تعرف من هي، وما هو واضح عندما يتم النظر إليه من واشنطن أو موسكو أو القاهرة، لا يعود واضحا من لندن إلى برلين أو باريس أو بروكسل. ومع التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين لا يمكن البت القاطع بالأمر فلكل طرف تعريفاته.
ولا بمقدور أحد أن يفرض ذلك على الجميع، هذا بينما كانت الحرب الباردة وانقسام أوروبا إلى اثنتين قد أعفى الأوروبيين من صياغة أي تعريف. وكان من المفروغ منه أن يضم الاتحاد الأوروبي أي بلد ديمقراطي في القارّة. ثم غدا واجب ضم أي بلد من بلدان أوروبا الشرقية أو الوسطى بعد تحرره من الشيوعية بديلا لأي برنامج.
ماذا بعد؟
يتساءل المؤلف عن المستقبل ويجيب أنه غدا من الصعب على أوروبا إيجاد تعريف محدد لنفسها لاسيما أنها تخشى حاليا كل ما يتعلق بالهوية، وفي ظل ماضي أوروبا الإمبراطوري وإرثها المسيحي وإرث عصر التنوير والثورة الفرنسية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
لكن إذا جرى النظر فقط إلى المقاييس التي جرى تحديدها في كوبنهاجن عام 1993 يكفي البعد الديمقراطي وممارسة اقتصاد السوق والقول بالمكتسبات المشتركة للانضمام إلى الاتحاد. على هذا الأساس لماذا لا يتم ضم السنغال واليابان والهند والبرازيل؟
ومن الصحيح القول أيضاً إن البرلمان الأوروبي وبعض الحكومات الأوروبية قد اكتشفت أمام الحالة التركية وجود معيار رابع هو «قدرة الاستيعاب والامتصاص»، والذي جرى تعميده في نهاية عام 2006 ب«قدرة التكامل».
لكن هذا المقياس جرى وضعه جانبا من قبل 14 عضواً من أصل 15 طيلة الخمس عشرة سنة من الهروب إلى الأمام بعد توقيع اتفاقية مستريخت حيث كان توسيع إطار الاتحاد قد أصبح بالنسبة للجميع تقريبا الأولوية الرئيسية ذات الأهمية، إلى درجة أنه اعتبر من غير المناسب حتى مجرد خوض النقاشات حولها. لكن مثل ذلك المسار لم يكن منه أن يؤدي إلى صياغة هوية والشعوب الأوروبية أحسّت بذلك تماما.
وإذا لم يستطع ال27 بلدا أوروبيا استعادة السيطرة على عملية التوسيع «المذهلة» هذه لأنها لا تريد أو لا تستطيع ذلك، فإن الفكرة الأوروبية سوف ينتهي الأمر بها بكل بساطة إلى الانطفاء والموت.
ولن يكون بمقدور أي مواطن أن يجد نفسه سياسيا وثقافيا وشخصيا في هذا التجمع الهلامي والذي يشبه نوعا من منظمة الأمم المتحدة المصغّرة. وسيتعلق الأمر بشيء آخر، أي بنوع من المجال المتوسطي ـ الأوروآسيوي للسلام والاستقرار والتجارة والقانون مع بعض السياسات المشتركة.
سيكتفي البعض بذلك ولكن الوداع عندها لأوروبا «السياسية» ولأية سياسة خارجية مشتركة، باستثناء بعض المقولات العمومية الخاصة بتشجيع الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبعض الأعمال المحدودة والوداع أيضاً لقيام «قطب» أوروبي في عالم متعدد الأقطاب ولأية «أوروبا قوية» حقيقية في مواجهة واشنطن أو بكين.
إذا لم يتم التسليم بمثل هذا الانحلال، فينبغي التسلح بشجاعة تحديد قائمة البلدان (أقل من عشرة) التي لا تزال تتطلع إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي عندما تكون جاهزة ويكون هو جاهزا أيضا. وتضم هذه القائمة بلدان البلقان الغربية. وإذا رغبت كل من سويسرا والنرويج وايسلندا.
وكل شيء سيكون قابلا للنقاش. كما سينبغي الإعلان أن الاتحاد قد بلغ عندها صيغته النهائية، وفيما هو أبعد من ذلك سوف يمارس مع بقية البلدان سياسات الجوار والتحالف والتعاون والشراكة، الخ. ولكن دون الانضمام إلى الاتحاد. وعندها يحدد المؤلف القول سيكون قد حان وقت إلغاء منصب المفوّض الأوروبي المكلّف بعملية التوسيع. بكل الحالات ليس هناك أية عدائية حيال الخارج برسم كل طرف لحدوده فهذا مبدأ سياسي أساسي للاتساق والهوية.
وفيما يخص تركيا، يؤكد المؤلف أنه كان بإمكان أوروبا توفير الكثير من الأزمات الشاقة والتوترات غير المفيدة لو أنها كانت قد اقترحت عليها منذ البداية «شراكة متميّزة»، قبل أن يفقد هذا التعبير قيمته، بل لو اقترحت عليها تحالفا حقيقيا بدلا من فتح الباب أمام فكرة إمكانية الانضمام إلى الاتحاد، وهذا ما يتمسّك به الأتراك منطقيا في منظور تحديث بلادهم. ثم إن الاتحاد، كي لا يبدو معاديا للإسلام أو أنه أناني أو منغلق على ذاته، لم يتجرأ على ولوج المفاوضات.
وتحدث بعض الساسة الفرنسيين والألمان عن انضمام تركيا كعلاج مضاد ل«صدام الحضارات»، وكأن قبول هذا البلد سيجعل البلدان العربية والمسلمين ينسون مشاكلهم. ثم إن هؤلاء الساسة هم غالبا أنفسهم الذين ينفون وجود «الصراع» ذاته.
ويرى هوبير فيدرين أنه ليس من التصرف السليم مع هذه البلاد الكبيرة قول أي شيء حيالها بحجة دفعها إلى التأقلم مع «المعايير» الأوروبية. لكن الدول الأعضاء في الاتحاد غير قادرة بالطبع على أن تضمن لأنقرة بأنها سوف تصادق جميعها، كما تتطلب القواعد القانونية المطبقة، على الاتفاقية المقبلة للانضمام، لاسيما وأن الدستور الفرنسي ينص بناء على طلب من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، على إخضاع أية عملية انضمام جديدة للاتحاد الأوروبي إلى استفتاء شعبي.
مهما يكن من أمر، سينبغي على الأوروبيين، ومهما آلت إليه الأمور بالنسبة إلى انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أن يقبلوا أن أوروبا ليست فكرة صافية وأنه ينبغي عليها أولا التزود بتحديد سياسي وجغرافي وبالتالي رسم حدودها أو القبول بالتميّع.
وباستثناء حالة الفشل الكامل للمشروع الأوروبي، فإن المؤلف يرى أن الواقع سيتلاءم مع نظرية الدوائر الثلاث المتمثلة في نواة مركزية شكّلتها أصلا منطقة التعامل باليورو، والاتحاد الأوسع المؤلف من 35 بلدا أو أكثر، وأخيرا البلدان المشاركة، أو ما أسماه رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي ب«حلقة البلدان الصديقة» المشمولة بسياسة حسن الجوار. وهذا ما ينبغي توضيحه من دون أي غموض.
رؤية مثيرة للقلق
التوضيح الآخر المسبق الذي يؤكد عليه المؤلف يتعلق بتوزيع السلطة في أوروبا، وبدقة أكثر بين الاتحاد الأوروبي (المفوضية، البرلمان) والدول-الأمم. فما هي مهمة كل طرف اليوم، وماذا ستكون مهمته غدا؟
إن الرؤية الفدرالية القائلة بوجود سلطات محدودة للدول-الأمم والتي سيتم نقلها ذات يوم إلى الاتحاد الأوروبي وإلى المفوضية الأوروبية، أي الحكومة المقبلة لأوروبا قد اتضح أنها رؤية مثيرة للقلق أيضاً مثل عملية توسيع إطار الاتحاد دون نهاية. هذا فضلا عن أنها رؤية تثير الإحباط.
فإذا لم تعد ممكنة أية تسوية على المستوى الوطني وغدا المستوى الأوروبي هو الراجح كما ردد على مدى سنوات الداعون للتكامل الأوروبي، وإذا تعرّضت الدول-الأمم لعملية «قضم» من قبل أوروبا، فماذا ستكون فائدة الديمقراطية الوطنية والجمهورية الفرنسية وكل العمليات الانتخابية؟
إن الأكثر إخلاصا والأكثر قناعة بين دعاة الفدرالية يكررون منذ فترة طويلة أنه ينبغي على المستوى الأوروبي - الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه اليوم في مواجهة الولايات المتحدة والصين، الخ - ينبغي عليه خلق مجال ديمقراطي جديد وبرلمان أوروبي يتمتع بسلطات متعاظمة ويسيطر على مفوضية مدعّمة قائمة على أساس سياسي بصورة أكبر وبحيث لا يلعب المجلس الأوروبي المؤلف من رؤساء الدول والحكومات في هذا الإطار سوى دور مجلس الشيوخ.
وهنا يتساءل المؤلف: لكن هذا كله بأية لغة؟ ومن سيقبل به حقيقة؟ ومن يعتقد حقيقة أن البناء الأوروبي سوف يقوم ذات يوم، ولو بعيد، من ألمانيا أو فرنسا أو اسبانيا، أو السويد، كي لا يقال بريطانيا والآخرين؟ ومن يعتقد أن ألمانيا وفرنسا لن تكونا موجودتين بعد 30 سنة؟
وينقل المؤلف في هذا السياق عن جاك دولور، المفوض الأوروبي الأسبق، تكراره تعبير «فيدرالية الدول ـ الأمم». فلماذا لا يقال ذلك؟ يتساءل المؤلف ويضيف:
لماذا لا يتم الإعلان بوضوح أكثر عن تحديد ثابت أكثر لسلطات الاتحاد الأوروبي، بل لإعادة بعض السلطات للدول الأعضاء؟ إن مثل هذا سوف يجعل الساسة الوطنيين أكثر مسؤولية ويمنعهم من قول: «لم يعد هناك سوى أوروبا» أو «المطلوب أوروبا أكثر»، الخ.
الآن ما العمل؟ إن أوروبا ليست في حالة عطالة بمعنى أن مؤسسات الاتحاد تعمل بصورة طبيعية كل يوم ضمن إطار الاتفاقيات القائمة. لكن أبعد من هذا لم يعد هناك الآن أي مشروع مشترك للمستقبل. والبلدان ال16 التي صادقت على الدستور الأوروبي تؤكد أن «نعم» التي قالتها تعادل ال«لا» التي قالها الفرنسيون والهولنديون. هذا صحيح أخلاقيا.
لكن ما فائدة مقابلة عدد الأوروبيين الذين قالوا نعم بعدد أولئك الذين قالوا لا، فأوروبا لا تشكّل أمة، وإجماع الدول الأعضاء مطلوب من أجل تبني الدستور المعني مثل جميع الاتفاقيات الأوروبية منذ اتفاقية روما عام 1957؟
وبما أنه ليس هناك أي قائد فرنسي ولا هولندي يمكن أن يخاطر بطرح نفس الاتفاقية الدستورية المرفوضة للاستفتاء من جديد، وإنه لا يمكن التفكير سياسيا أن يوافق البرلمان على نص رفضه الشعب صاحب السيادة، ولن يخاطر أي رئيس وزراء بريطاني بمثل هذا، فالاتفاقية الدستورية، ومهما قيل، قد أصبحت لاغية ولا قيمة لها. كان ذلك واضحا منذ غداة الاستفتاءين الفرنسي والهولندي. وسيكون على الألمان وغيرهم ممن وافقوا عليها قبول ذلك.
إن انجيلا ميركل، المتمسكة جدا بالاتفاقية الدستورية «المرفوضة» في الاستفتاءين الفرنسي والهولندي، ربما قد تقبل في نهاية رئاستها للاتحاد الأوروبي في شهر يونيو 2007 مشروع «الاتفاقية المبسطة» التي يمكن المصادقة عليها من قبل البرلمانات (تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد صدر قبل أيام من موافقة انجيلا ميركل وغيرها من القادة الأوروبيين على «الاتفاقية المبسّطة» التي اقترحها رئيس الجمهورية الفرنسي نيكولا ساركوزي).
ويتمثل ما هو أساسي بالنسبة للألمان في أن يستجيب التنظيم العام لأوروبا لما يترتب على الوزن الديمغرافي لبلادهم في نسبة تمثيلهم الانتخابي بحيث تزداد من نسبة 9 بالمائة إلى 18 بالمائة بينما تزداد نسبة كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا من 9 بالمائة إلى 13 بالمائة.
بكل الحالات ينبغي، حسب رأي المؤلف، توفر الاستعداد دائما للتباحث من جديد على الصعيد الخاص بالمؤسسات ولكن شريطة أن يتم تحديد الأهداف بوضوح. أهداف الأطراف والأهداف بالنسبة لأوروبا. ولكن أيضاً تنبغي معرفة ما إذا كان سيتم تأكيد ما تمّ القبول به في إطار مفاوضات الاتفاقية الدستورية التي لم تعد سارية المفعول قانونيا؟ أم سيتم استئناف المفاوضات منذ البداية؟ بكل الحالات لا ينبغي جعل المسألة الدستورية أولوية مطلقة، ولا اتجاها حصريا.
مشاريع مشتركة
يرى المؤلف أن هناك أشياء أخرى ينبغي عملها غير المراهنة على المؤسسات وحدها مثل البدء بمشاريع أوروبية ملموسة على جميع المستويات. وينبغي فهم تعبير «مشاريع» هنا بالمعنى الأوسع للكلمة. المطلوب هو الحذر من الوقوع من جديد في معارضة نظرية بين طريقة عمل المجموعة وطريقة عمل الحكومات فيما بينها.
كذلك يتم التأكيد على ضرورة استخدام جميع المقاربات من السياسات الجديدة المشتركة بين 27 بلدا، وحيث الأولوية للطاقة ثم للبيئة ومما يشكل نوعا من التحوّل بهذا الاتجاه للاقتصادات والمجتمعات الأوروبية خلال 20 سنة. وضرورة إصلاح السياسة الزراعية المشتركة، والسياسة الاقتصادية بالتوافق مع النمو الذي يخلق فرص العمل في منطقة اليورو، وهذا يمكن أن يكون موضوع مفاوضات حقيقية مع ألمانيا بالترابط مع إصلاح المؤسسات.
هناك أيضاً التعاون في المجال الاجتماعي بين البلدان التي تريد الذهاب أبعد والتعاون في مجال البحث والجامعات وتحقيق مشاريع صناعية وتكنولوجية مشتركة بين عدة بلدان والعمل على دفع الدفاع الأوروبي نحو الأمام، الخ. قد يمكن للأوروبيين أن يرفضوا دستورا ما، ويحتجّوا على هذا التوجيه «الإداري» أو ذاك، لكن بالمقابل ليس هناك من هو ضد مثل هذه المشاريع.
أخيرا ينبغي أن يتفق الأوروبيون حول الدور الذي ينبغي لأوروبا أن تلعبه على صعيد العالم. لا يكفي امتلاك ممثليات للمفوضية الأوروبية في أكثر من 120 بلدا، وتوزيع مساعدات سنوية تصل إلى 5, 37 مليار دولار منها 5 ,7 مليارات تقوم المفوضية بالإشراف على إنفاقها، وإصدار بيانات باستمرار هنا وهناك لصالح حقوق الإنسان، واللقاء سنويا على مستوى القمة مع قادة أميركا وروسيا والصين.
والدفاع عن المواقف المشتركة داخل المنظمة العالمية للتجارة، وأن يقوم خافيير سولانا بتجسيد الاتحاد الأوروبي على جميع الجبهات. لا يكفي هذا كله من أجل بلوغ مصاف قوة حقيقية. ثم ليس هناك من يخدعه ذلك من الخارج فلندن أو باريس أو برلين تشكل نقطة الارتكاز التي يمكن الاعتماد عليها.
مسألة القوة هذه ليست قانونية ولا تتعلق بالمؤسسات كما أنها لا تتأتى من اتفاقيات. وقد كان الأوروبيون الغربيون قد اعتقدوا منذ الحرب العالمية الثانية، أنه سيقوم عالم ما بعد المأساة وسيدير ظهره لذهنية القوة، باستثناء المجال التجاري.
وإذا كانوا ينفرون من فكرة القوة نفسها فإن ذلك على خلفية رفضهم لماضيهم وبدافع نزعة الميل نحو السلام أو لمجرّد الإنهاك والتعب. لقد تطلعوا إلى سويسرا كبيرة تشكل مجموعا آمنا ومحميا وغنيا ويساعد أيضا، عبر المنظمات غير الحكومية، على التنمية.
وكان الأوروبيون، باستثناء فرنسا وانجلترا، قد عهدوا بمسألة أمنهم للولايات المتحدة على قاعدة التحالف الأطلسي. هنا يكمن السبب الحقيقي في حذر الأوروبيين الآخرين من الخطاب الفرنسي حول أوروبا-القوة. ولذلك يتساءلون: لماذا المخاطرة بلعبة مزدوجة مع الحلف الأطلسي ولماذا التنافس مع الأميركيين، ولماذا مساعدة الفرنسيين في أن يستعيدوا عبر هذه الوسيلة دورهم الضائع؟
إن قسما من النخب الأوروبية يعتقد بإمكانية تجنب هذه المعضلة عبر توضيح السلطة الكافية للتجارة وللقانون وللمعيار وللنموذج الذي يمكن للقوة الأوروبية أن تمثله. وتتم الإشارة هنا إلى المفهوم الأميركي للقوة عبر الجمع بين الصواريخ ومطاعم الوجبات السريعة وبين الدولارات ومحطة سي. ان. ان التلفزيونية، الخ.
بالطبع كانت الأمور ستسير بشكل آخر لو كان العالم مأهولا بالأوروبيين أو ببلدان صغيرة تتسابق للدخول في الاتحاد الأوروبي وجاهزة للقبول بالشروط التي يفرضها. ولنتذكّر أن هناك 5,5 مليارات نسمة من غير الأوروبيين في العالم وأن العالم متعدد الأطراف الذي يبرز تحت أنظار الأوروبيين ليس هو العالم الذي قالوا به في خطاباتهم.
سياسة الخطوات الصغيرة
هناك نخب أوروبية قبلت فكرة القوة الأوروبية واعتقدت منذ توقيع اتفاقية مستريخت أن ذهنية القوة -بالمعنى الإيجابي للكلمة- تنبثق بصورة آلية من الإجراءات القانونية التي تنص عليها الاتفاقيات حول السياسة الخارجية والأمن المشترك ومن اعتماد سياسة أوروبية للأمن المشترك وتعيين مسؤول أعلى لها -خافيير سولانا- ثم القيام بأعمال مشتركة في مقدونيا أو جمهورية الكونغو الديمقراطية أو في أماكن أخرى. هذه هي السياسة المسماة بسياسة «الخطوات الصغيرة».
لكن رغم كل الجهود والعمل المشهود به الذي قام به خافيير سولانا، فلا تزال المسافة كبيرة عن أن يكون للبريطانيين والفرنسيين المفهوم نفسه عن الروابط مع الولايات المتحدة، وعن أن يرى سكان البلطيق والبولنديون روسيا بنفس الطريقة التي تراها بها بلدان أوروبا الغربية، وعن أن يولي أوروبيو الشمال نفس المكانة لإفريقيا وحوض المتوسط مثل أوروبيو الجنوب، وعن أن يتوصل البلدان ال27 إلى القيام بعمل دقيق ومحدد في الشرق الأوسط، الخ.
ليس من الصعب على الأوروبيين الاتفاق حول مبادئ عامة كالديمقراطية والسلام وحقوق الإنسان، الخ. لكن من الصعب أكثر جدا الاتفاق حول سياسات خارجية ملموسة على خلفية التنافسات أو الخلافات العميقة.
مع ذلك إذا لم تستطع أوروبا أن تصبح قوة وتتصرف كقوة فإن عجزها سوف يجعلها تابعة للقوى الحقيقية في عالم الغد. ولا يكفي في هذا الإطار تعميد «خافيير سولانا» بتسمية «وزير خارجية أوروبا». وقد كانت معارضة الرأي العام الأوروبي للحرب في العراق عام 2003 ذات نزعة سلمية ولم تكن تعبيرا للبحث عن القوة.
ما العمل إذن،مرّة أخرى؟ يحدد المؤلف الإجابة أولا بعدم اعتبار أن مسألة دور أوروبا في العالم قد سويت عبر المكتسبات البيرقراطية أو عبر الاتفاقيات السابقة، بل وحتى عبر الإستراتيجية الأوروبية للأمن الموقعة بتاريخ 12 ديسمبر 2003.
لكن المهم التساؤل والنقاش حول أي نوع من القوة تريد أوروبا أن تكونه وحول مصالحها المشروعة وأفكارها، ونوعية العلاقات مع الشريك الأميركي ومع البلدان الكبرى الأخرى. ما تقوله فرنسا هو اتباع نهج تصبح فيه صديقة وحليفة لأميركا ولكن ليست منحازة... فمسألة «الانحياز » هذه مثيرة للجدل.
ومع افتراض أن الأوروبيين حددوا سياسة خارجية حقيقية، فماذا ستكون نتائج ذلك؟ يتساءل المؤلف ويجيب أنه عندها لن تستطيع أميركا أن تحدد وحدها موقف العالم الغربي ولا فرض القرارات على حلفائها. وسيكون عليها أن تبحث عن اتفاق مع الأوروبيين. هكذا مثلا بعد 11 سبتمبر، كان الرد في أفغانستان سيتم ولكن ليس حرب العراق. ولكانت مسيرة السلام في الشرق الأوسط قد انطلقت رغم الحجج والعقبات، وربما كانت المباحثات قد استؤنفت بين الأوروبيين وطهران ومع بقية أطراف النزاع في المنطقة.
لكن هذا كله يتطلب أن يدرك الأوروبيون التهديدات الملموسة التي يكشف عنها العالم الراهن وأن يخرجوا من ضباب حلمهم وموقفهم المريح وغير المسؤول. مع ذلك لن تقوم أوروبا قوية دون تحقيق درجة عالية من التوافق العام المفقود الآن. والمطلوب الشروع ببنائه.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف

