على امتداد الأعوام الماضية عملت روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين على بث رسالة شديدة الوضوح للعالم مفادها أنها لم تعد تلك الدولة المستكينة التي اعتمدت على الغرب منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
فروسيا عادت مرة أخرى دولة معتزة، فخورة بنفسها وبأفعالها. سيقول الكثيرون إن هذه الانتفاضة الروسية تقوم على أسس هشة تعتمد على زيادة أسعار النفط والغاز في الآونة الأخيرة، حيث يتبين أن روسيا محظوظة لامتلاكها احتياطات هائلة من هاتين السلعتين الحيويتين بالنسبة للعالم. نعم هذا صحيح.
غير أنه في حال استثمارهما بشكل حكيم وجيد، كما حدث من قبل دبي والنرويج خلال العقد الماضي وهما مختلفتان عن بعضهما ، فإن إيرادات النفط يمكن أن تعزز البنية التحتية القومية والتطورات الصناعية والتقنية والأمن العسكري لأي دولة في العالم.
إن نظام بوتين لا يقوم باستثمارات ذكية فحسب في مجالات البنية التحتية والمعامل العلمية وتحديث الجيش، وإنما منحت الثورة النفطية الموجودة لديه الكرملين ثقة في تبني سياسات خارجية قوية وآمنة ساعدتها الظروف العالمية الحالية، وهي الثقة التي أثرت سلبا في مسيرة الولايات المتحدة وحولت اهتمام الصين والهند إلى أمور أخرى، حيث اتجهت الدولتان إلى تحديث البنية التحتية ورفع معدلات النمو الداخلي، ومنحت الدول المنتجة للنفط في العالم ثقلا كبيرا.
في الوقت الحالي لم تصدر عن أي دولة في العالم قرارات وأعمال فردية تفوق في عددها ما صدر عن روسيا خلال السنوات الست الماضية، باستثناء الولايات المتحدة.
ولنأخذ مثالا واضحا في هذا الصدد، ألا وهو استخدام روسيا حق النقض الفيتو في الأمم المتحدة لدعم صربيا وإحباط آمال كوسوفو في الحصول على الاستقلال، تماما كما تفعل أميركا في دعمها لإسرائيل وإحباط آمال الفلسطينيين. وبشكل سلبي مشابه، فإن روسيا تتحكم في قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإيران وكوريا الشمالية. والقائمة تطول.
إن وزراء بوتين ماهرون للغاية في استخدام ما أصبح يطلق عليه اسم «دبلوماسية خط الأنابيب» وذلك لإرغام جيرانهم، مثل بيلاروسيا وأوكرانيا، على الانصياع لإرادة موسكو والاعتراف باعتمادهم على موارد الطاقة لديها. ومن الواضح أن هذه السياسة تهدف أيضا إلى ممارسة أسلوب التهديد والترهيب على دول غرب أوروبا.
وإذا كانت كل تلك الأمور تثير القلق، إلا أنه لا يمكن اعتبارها مفاجأة أو غير معتادة من قبل دولة مثل روسيا. فحقيقة الأمر تشير إلى أن أفعال روسيا يمكن بالفعل التنبؤ بها. إنها الخطوات نفسها التي يفترض أن تتخذها أي قوة تقليدية عانت من الإذلال و الهزيمة لفترة ثم عادت مصممة على استعادة أصولها وقوتها وقدرتها على ترهيب الآخرين.
ليس هناك في التاريخ الروسي ما يشير إلى أن ما يفعله بوتين الآن هو أمر جديد. وإذا كان ما يحدث حاليا يبدو ظاهرا بشكل كبير ويلاحظه الجميع، فإن ذلك يعود إلى عاملين؛ العامل الأول هو اعتماد العالم على النفط، أما الثاني فهو هوس إدارة بوش بالعراق والإرهاب. وكل ما يفعله بوتين الآن هو أنه يمشي من خلال بوابة واسعة فتحها ومهدها له الغرب.
ومن ثم فإن ما يجذب اهتمامي تجاه روسيا الآن هو ليس مجرد وجود غواصات غير مأهولة في القطب الشمالي أو ما يمارس من ضغوط وتضييق خناق على بيلاروسيا كي تدفع رسوم نفطية بأثر رجعي. فما يجذب اهتمامي بالفعل هو ما يجري اتخاذه من إجراءات أكثر ذكاء من قبل نظام بوتين من أجل تعزيز العزة والقومية الروسية بشكل أكبر من أي وقت مضى.
ويكفي في هذا المضمار طرح مثالين؛ أما الأول فهو تأسيس حركة الشباب الوطني الروسي والثاني هو إعادة كتابة المناهج المدرسية الخاصة بالتاريخ الروسي. إن حركة الشباب التي تعرف في روسيا باسم «ناشي» أو «نحن» كما تعني الترجمة تنمو بشكل سريع للغاية وتنال تشجيع الوكالات والمنظمات الحكومية المصممة على بث القيم القومية الروسية في عقول الجيل القادم من الشباب وعلى استخدام كوادر الروس القوميين في تكريس نظام بوتين وتدعيم موقفه ضد منتقديه الداخليين.
إن سياسات حركة الشباب تقوم على أسلوب الانتقائية الذي يأخذ من كل مذهب أفضل ما فيه. ومن بين سمات هذه الحركة تقديس أرض الآباء واحترام العائلة والتقاليد الروسية والزواج ومقت الأجانب.
وفي الوقت الحالي يتبين أن قادة هذه الحركة يقومون بتدريب عشرات الألوف من العناصر الشابة. والآن هم موجودون في معسكرات صيفية يؤدون فيها تدريبات بدنية ويتناقشون حول «الصالح» و«الطالح» في السياسات الداخلية والخارجية ويتلقون تعليمات ضرورية متعلقة بما سيستجد في المستقبل من صراعات.
وقد تمت تعبئة أعداد كبيرة منهم مؤخرا من أجل التحرش بالسفيرين البريطاني والإستوني في موسكو، وذلك بعد نزاع روسيا الأخير مع دولتيهما. ووفقا لصحيفة «فاينانشيال تايمز» فإن حركة «ناشي» تدرب حاليا 60 ألف «قائد» من أجل مراقبة عمليات الاقتراع والتصويت في الانتخابات المقرر لها ديسمبر ومارس القادمين. وأنا لا أشتم رائحة نظيفة وراء كل ما يقوم به هؤلاء.
والشعور ذاته ينتابني إزاء ما صدر من تحية شخصية من بوتين مؤخرا لمؤلفي كتيب جديد للمدارس الثانوية يهدف إلى زرع شعور جديد بالفخار في أذهان وقلوب المراهقين تجاه ماضيهم ويحث على التضامن القومي.
وباعتباري مؤرخا، فإنني دائما لا أحبذ فكرة أن تتوافق وزارات التعليم في أي دولة بالضرورة مع وجهة النظر الرسمية تجاه الماضي على الرغم من أنني أعلم أن المسؤولين من اليابان إلى فرنسا يفعلون هذا الأمر، وعلى الرغم أيضا من أنني أعلم أن حكومة بكين ستنزعج بشدة إذا ما علمت أن المدارس في الصين يمكن أن تختار مناهجها بنفسها وأن الأصوليين الأميركيين يحاولون وضع بصمتهم على ما يتعلمه الأطفال منذ نعومة أظافرهم.
لكن هناك فرق بين أن يتلقى الأطفال الفرنسيون دروسا في بطولة جوان أوف أرك وأن يتلقى الأطفال الأميركيون دروسا عن بول ريفر وبين أن يقول التاريخ الروسي الحديث إن «الدخول في أي ناد في أي دولة ديمقراطية يترتب عليه التخلي عن جزء من سيادتك الوطنية لمصلحة الأميركيين»، إلى جانب ما يجري توجيهه من تلميحات إلى أن المراهقين الروس سيواجهون قوى الظلام في الخارج.
ماذا يعني كل هذا؟ لو انهارت أسعار النفط ، وهو شيء من المستحيل حدوثه، فإن جهود بوتين في تفعيل نهضة قومية في بلاده ستفشل. ولكن ليس هناك شك في مدى ترابط وتناغم هذه الخطة التي أطلقها الرئيس الروسي من أجل إعادة بناء القومية الروسية واستعادة قوة البلاد.
وعلى المدى البعيد فإن عمليات التصعيد التي تحدث في الشوارع ضد السفير البريطاني وتمزيق العلم الاستوني على أيدي المتطرفين من حركة ناشي، قد لا تكون لها سوى إشارة هامشية في التاريخ.
وفي المقابل، فإن الحملات المتعمدة التي تهدف إلى توجيه أيديولوجية الشباب الروسي إلى مسار معين وإلى إعادة كتابة تاريخ دولة عظيمة ورثها القادة الروس الحاليون وهي تعاني توترا كبيرا ـ هذه الحملات قد تلعب دورا أكثر أهمية في تحديد مسار تاريخ القرن الحادي والعشرين.
ترجمة: حاتم حسين- عن: «هيرالد تربيون»
