يتحدث هوبير فيدرين في هذه الحلقة عن كيفية الوصول إلى عالم أفضل تنشده البشرية جمعاء، ويطرح تساؤلات حول السبل الأفضل لتحقيق هذا الهدف: هل هي عبر تطبيق اقتصاد السوق المفتوح أم الاقتصاد الموجه؟ وهل يمكن تحقيقه من خلال اعتماد أسلوب العمل الجماعي الدولي لترسيخ دعائم السلام العالمي ومواجهة التحديات المختلفة التي يواجهها عالم اليوم أم من خلال انتهاج أسلوب العمل الأحادي الذي اتبعته الولايات المتحدة وثبت فشله في العراق؟
والحل بنظر المؤلف يتلخص في إصلاح منظمة الأمم المتحدة وإعطائها صلاحيات أوسع في حل النزاعات ومواجهة المشكلات الرئيسية التي تؤرق شعوب العالم كالفقر وانتشار أسلحة الدمار الشامل والتسلح النووي والإرهاب ونذر صراع الحضارات. ويرى أن النهج متعدد الأطراف هو الأمثل لنزع فتيل الصراعات المزمنة في العالم كالنزاع العربي ـ الإسرائيلي.إن الكشف عن أوهام خادعة لا يعني التخلّي عن الأهداف. لكن كيف الوصول إلى العالم الأفضل المنشود؟هناك حالة مثالية نصّت عليها مواثيق الأمم المتحدة كلها وأكّدت فيها على ضرورة احترام حقوق جميع نساء العالم ورجاله على قاعدة الانتماء إلى نفس الإنسانية.
بالتالي ينبغي على الجميع أن يفكروا بالمستقبل وبمواجهة «التحديات العالمية» وفي مقدمتها محاربة الفقر والتصدي لارتفاع حرارة الأرض ومكافحة شح الهواء النقي والماء الصالح للشرب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومواجهة الإرهاب وكبح صدام الحضارات... إلى آخر ما هناك من تحديات تواجهها البشرية.ويتساءل هوبير فيدرين: هل هناك من لا ينضوي تحت راية البحث عن سبيل من أجل تحقيق هذه الأهداف باستثناء أولئك الذين يريدون تثبيت سيطرة مجموعة خاصة على أخرى أو أولئك الذين أعماهم التزمت؟لقد اعتقد الكثيرون في القرن التاسع عشر والقرن العشرين أن مستقبل البشرية يمر عبر تطبيق إيديولوجيات شمولية (توتاليتارية): وقد فعلوا كل ما في استطاعتهم من أجل ذلك.
لكن ماذا بقي من ذلك كله بعد أكثر من 60 سنة من نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد حوالي 30 سنة من تحوّل الصين نحو «الرأسمالية» وبعد 18 سنة من سقوط جدار برلين؟؟
الإيديولوجية المسيطرة اليوم بشكل كامل تقريبا هي إيديولوجية اقتصاد السوق. ويرى القائلون بها، وهم محقّون بذلك، إنه لم يستطع أي نظام اقتصادي آخر منذ فجر البشرية أن ينتج نفس القدر من السلع الاستهلاكية بأمل إخراج الإنسانية من حالة الشح والندرة.
لكن «هل اقتصاد السوق هو الصيغة الجيدة»؟ يتساءل هوبير فيدرين. ويجيب اعتمادا على استطلاع للرأي يعود إلى عام 2006 أن ما بين 52 بالمئة و55 بالمائة من الأوروبيين يقولون «نعم»، هذا باستثناء الفرنسيين حيث لم تصل نسبة المؤيدين لأكثر من 36 بالمئة، الأمر الذي يفسر العديد من المظاهر المقلقة في الحياة السياسية الفرنسية، حسب رأي المؤلف. أما الصينيون فقد اعتبرت نسبة 78 بالمئة منهم أن اقتصاد السوق هو الصيغة الأفضل.
الليبراليون المتزمتون يرون بالتالي أن اقتصاد السوق هو الطريقة الوحيدة لتحديد ما هو جيد وما هو سيء بالنسبة للمجتمعات في جميع الميادين على المدى القريب والبعيد أيضا. لكن يفتح المؤلف هنا قوسين ليشير إلى أن الاقتصاد المعلوم والخاضع لسلطة المال الذي ساد خلال ال25 سنة الأخيرة لم تعد له أية صلة بالاقتصاد السابق المختلط ولا مع الرأسمالية القديمة. فالاقتصاد الجديد يؤمّن المردودية عبر إلقاء تبعية آلية عمله على المجتمعات التي تدفع أغلى الأثمان اجتماعيا وإنسانيا وبيئيا. إن صرخات التحذير كثيرة من أشكال الجموح المجنونة الراهنة.
الموجة الليبرالية
إن الموجة الليبرالية التي بدأت تنتشر وتعمّ العالم منذ 30 سنة مع رونالد ريغان والسيدة مارغريت تاتشر، والتي جعلت المدافعين عن دور الدولة بل وحتى المطالبين المعتدلين بإيجاد ضوابط في موقع دفاعي، ليست على وشك التراجع، بل إنها لا تزال موجة قوية طالما أن الشعوب الصاعدة لا تزال تطالب بها.
لكن إدارة العالم عبر السوق وحده تثير الكثير من أشكال الحرمان ومن المقاومة. إن قسما متعاظما من الرأي العام في أوروبا وأميركا اللاتينية وإفريقيا وغيرها ينتبّه لواقع اللا مساواة الذي يزداد خطورة في ظل إدارة كهذه. وكذلك تبرز أكثر الخسائر الاجتماعية والبيئية والسياسية التي تترتب عليها أو لا تستطيع منع حدوثها في ظل السباق المحموم من أجل زيادة الثراء.
ويسود لدى اليسار العالمي بكل شرائحه الإحساس بضرورة تنظيم أفضل للعالم. ويؤكد المؤلف هنا على التمييز بين أولئك الذين يعترضون على اقتصاد السوق وعلى أسسه لأسباب اجتماعية وبيئية، وحتى فلسفية، ويريدون اقتراح بديل له إنما لم يتم تحديده حتى الآن، وبين أولئك الذين يقبلون مبادئه الأساسية وإنما يبحثون عن تأطيرها بقواعد محددة، حتى لو كانوا يختلفون حول النهج الذي ينبغي اتباعه لتحقيق ذلك.
أما الحركة المناهضة للعولمة فإنها لا تزال، من جهتها، مترددة حيال مسألة اقتصاد السوق. فمنذ ولادتها عمليا في «سياتل» عام 1999 حيث عُرفت آنذاك بتسمية «معاداة نزعة العولمة» تطورت رسالتها من خلال اللقاءات العالمية الكبرى (بورتو اليغري، جنوة...)، من معارضة وجاهية إلى هذه الدرجة أو تلك ضد اقتصاد السوق إلى البحث عن بديل تحت شعار «عالم آخر ممكن».
بكل الحالات ركّز مناهضو العولمة على تناقضاتها الداخلية وصبّوا جام غضبهم ضد عدم إعطاء أية قيمة تذكر للجوانب الاجتماعية والبيئية. ومع صعوبة عدم الاتفاق مع بعض أفكارهم يرى المؤلف أنه لا يمكن لهذا الائتلاف المتنافر أن يشكل حركة بديلة لاسيما في ظل ما تعاني منه من تمزقات بسبب اختلاف المصالح بين مكوّناتها. ثم إنها تعمل غالبا على أساس «ذهنية النظام» نفسه مما يمنعها من أن ترى بموضوعية أكبر إمكانيات تطور العالم الراهن وهوامش إصلاحه الممكنة.
ويتم الحديث هنا عن الدور الذي يلعبه أولئك الذين يقولون بإمكانية ضبط العولمة عبر التجارة المنظّمة، وهؤلاء يحتلّون مكانا وسطا بين الليبراليين المتطرفين الذين يرفضون أية قواعد، على أساس أن العولمة نفسها هي رفض للقواعد، وبين أنصار فرض القواعد المتشددين. القائلون بضبط العولمة عن طريق التجارة يقبلون اقتصاد السوق لكنهم يرون بإمكانية، بل بضرورة، خضوعه إلى قواعد، وذلك على صعيد المؤسسات وداخل كل بلد وأيضا داخل السوق الأوروبي الكبير، عبر قواعد المنافسة، وأيضا على المستوى الدولي ضمن إطار منظمة التجارة العالمية.
الحكومة العالمية
ظهرت في هذا السياق فكرة «الحكومة العالمية» التي لاقت الاستحسان حتى لدى بعض مناهضي العولمة. هنا يتساءل المؤلف: أية حكومة عالمية، وماذا ستفعل، ومن الذي سيقوم بتعيينها وممن سيتألف أعضاؤها ومن سوف يقوم بدور الرقيب عليها؟
ويستطرد المؤلف في تساؤلاته إذا أصبحت هذه الحكومة قمعية فإلى أي كوكب سوف يلجأ معارضوها؟ مثل هذه الأسئلة لم يتم طرحها. ربما كان المقصود هو الأمين العام للأمم المتحدة والمديرون العامّون لمنظمة التجارة العالمية ولصندوق النقد الدولي؟ أو ربما أيضا كان المقصود هو قمة البلدان الثماني الصناعية الكبرى التي قد تمثل القيادة الجماعية للعالم؟
ما يؤكده هوبير فيدرين أن مثل هذه الحكومة العالمية لن تقوم أبدا. ولن يكون بالإمكان السيطرة على القوى الفاعلة في عالم اليوم من قبل أية حكومة كانت ولا من قبل القوة الأميركية «الأعظم». لا أحد، ولا أية منظّمة لا تسيطر ولن تسيطر على المجموع. السوق وحده قد يكون قادرا على ذلك، وهنا بالتحديد تبرز المشكلة.
إن أولئك الذين يريدون تحسين صورة العالم لكنهم لا يريدون في الوقت نفسه الخضوع للسوق وحده ويعتريهم الحذر حيال نموذج «الحكومة العالمية» وما يمكن أن تجلبه من مخاطر على الديمقراطية، يعلّقون بالأحرى أملهم على مفهوم «تعدد الأطراف».
وتتم الإشارة هنا إلى الفصل السابع من إعلان الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة عام 2000 المعروف ب«إعلان الألفية» والذي يؤكد في خاتمته على «تعزيز منظمة الأمم المتحدة» بحيث تصبح «أداة أكثر فعالية» إلى جانب تحسين التعاون بينها وبين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.
مفهوم «تعدد الأطراف» يؤكد على قبول مبدأ التعاون الدولي، هذا لاسيما أن السنوات الأخيرة، بما عرفته من نزعة فظّة ومثيرة للتصرف من جانب واحد لإدارة جورج دبليو بوش، أدّت إلى امتلاك مفهوم تعدد الأطراف قوة جذب أكبر خاصة بعد الفشل الأميركي في العراق. لكن المؤلف يؤكد على وجود نقاط ضعف جدية يواجهها هذا المفهوم ويتم غالبا حجبها من قبل أنصاره الذين يميلون إلى النظر بطريقة مثالية إلى منظمة الأمم المتحدة ولجانها وأيضا لمؤسسات بريتون وود (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) ومنظمة التجارة العالمية.
نقطة الضعف
نقطة الضعف الكبرى تتمثل في أنه من الصعب اتخاذ قرارات بالإجماع داخل منظمات تضم 192 عضوا (الأمم المتحدة) أو 150 عضوا (منظمة التجارة العالمية). وما هو العلاج المقترح حيال هذه المشكلة؟ إنه تخلّي الدول أكثر فأكثر عن سيادتها والتي ضعفت أصلا، بالنسبة لمعظم الدول، بسبب العولمة الاقتصادية.
ولكن أيضا بسبب تخليها عن جزء كبير من سلطاتها للتأقلم مع هذه العولمة وإرضاء لواشنطن أو للأسواق أو للمستثمرين الأجانب. يضاف إلى هذا الضغط الذي مورس على الدول من قبل وسائل الإعلام والرأي العام والمنظمات غير الحكومية. وعندما ضعفت الدول كثيرا ظهر خطر أن يصبح مفهوم «تعدد الأطراف» نوعاً من التعاون المتبادل بين ضعفاء.
إذا كان هوبير فيدرين يؤكد على ضرورة الحد من السلطة المفرطة للدول الشمولية والقمعية وكذلك الدول البيروقراطية وتأطيرها وإخضاعها للقانون وتنشيطها بواسطة السوق، فإنه يرى أن العالم يعاني اليوم، ما عدا بعض الاستثناءات، من عجز الدول وليس من قوتها. كما يرى أن البلدان النامية بحاجة لدول ديمقراطية قوية ومقتدرة وليس فقط لمجتمع مدني أو لسوق. وإذا لم يتم ذلك فهذا يعني انتشار آلية العجز. ومن هنا يتأتى تباين متزايد بين ما يُراد من تعبير «النظام متعدد الأطراف» وبين ما يمكن أن ينتج عنه.
من جهة أخرى يؤكد المؤلف على صعوبة عملية إصلاح منظمة الأمم المتحدة فالتقارير التي اقترحت ذلك لا تعدّ ولا تُحصى، ولكن دون فائدة تُذكر. ويتم التذكير هنا أن المنتصرين هم الذين حددوا مضامين المواثيق الخاصة بعصبة الأمم عام 1919 وبمنظمة الأمم المتحدة عام 1945.
وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة يبدأ بعبارة: «نحن شعوب الأمم المتحدة»، فإن صياغته قد تمت أساسا من رجال قانون تابعين لوزارة الخارجية الأميركية قبل أن يشارك البريطانيون والفرنسيون والصينيون والسوفييت بالتفاوض حوله في مرحلة أولى ثم تبعهم بعد ذلك ألـ 47 بلدا الموقعة عليه.
الحالة في مطلع هذا القرن الجديد مختلفة تماما إذ ينبغي الحصول على موافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى ثلثي الجمعية العامة المؤلفة من 192 عضو بغية تعديل ميثاق منظمة الأمم المتحدة. ثم إذا كان هناك منتصر ومهزوم بعد الحرب الباردة، فإنه لم تكن هناك فترة «ما بعد الحرب» مثلما كان الحال بعد عام 1945، فروسيا اليوم لا تزال تمتلك، مثل الولايات المتحدة، حق النقض ـ الفيتو.
ويشير المؤلف هنا إلى محاولة كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة ما بين 1997 و2006 إصلاح المؤسسات الرئيسية للمنظمة الأممية، ابتداء من مجلس الأمن. لكن يبقى من غير المفيد الحلم بنهاية مكانة العضو الدائم فيه ونفس الأمر بالنسبة لحق النقيض ـ الفيتو. إن ميثاق الأمم المتحدة ذاته ينص على ذلك أولا، وثانيا قد تعني نهاية التمتع بالعضوية الدائمة وبحق النقض انسحاب دول رئيسية ذات عضوية دائمة حاليا من منظمة الأمم المتحدة.
مع استبعاد مثل هذه الحلول غير الممكنة يُفترض أن يصبح ممكنا اللجوء إلى أحد حلّين. فإما يتم ضم خمس أو ست دول جديدة إلى مجلس الأمن بصفة أعضاء دائمين مع التمتع بحق النقض. والدول المقترحة هي اليابان والهند وألمانيا وإحدى دول أميركا اللاتينية وإحدى الدول الإفريقية ودولة عربية، لكن هذا يثير اعتراض عدة دول من الأعضاء الدائمين حاليا كما يثير غيرة بلدان مجاورة. وإما يتم ضم دول جديدة إلى مجلس الأمن دون التمتع بحق النقض (إذا قبلت ذلك).
تأطير حق النقض
يمكن كذلك تأطير حق النقض نفسه مثل اشتراط نقضين أو ثلاثة حيال بعض المواضيع، أو عدم صلاحية حق النقض سوى لفترة معينة. لكن من الواضح أن عدة أعضاء دائمين في مجلس الأمن لا يريدون الآن الحديث عن تبدلات كبيرة في الوضع القائم من حيث استخدام حق النقض. مع ذلك يلحّ المؤلف، ووزير خارجية فرنسا الأسبق، على ضرورة إيجاد مشروع وخلق سياق جديد. بانتظار ذلك يؤكد على ضرورة التصرف بطريقة تجعل معارضة الولايات المتحدة وروسيا والصين لإصلاح الأمم المتحدة المطلوب بوضوح ذات ثمن سياسي باهظ أكثر فأكثر.
هناك إصلاحات عديدة مرجوّة بالنسبة لمنظومة الأمم المتحدة. فلجنة حقوق الإنسان ينبغي أن تكتسب مصداقية أكبر. والمجلس الاقتصادي والاجتماعي يمكن أن يغدو سلطة عليا للتحكيم ولتنسيق القرارات الكبرى في ميدان التجارة. كما يمكن لإعادة تنشيط مجلس الوصايات المكلّف بالإشراف حسب فترة ضرورية على ترميم سلطة الدول التي تعاني من وهن وبحيث لا يبقى مثل هذا الدور من الوصاية منوطا بالقوة الإقليمية الأقرب جغرافيا.
يمكن أيضا إجراء تحسينات على المكانة القانونية وعلى آلية عمل صندوق النقد الدولي الذي تمتلك فيه الولايات المتحدة اليوم 08, 17 بالمئة من حقوق الاقتراع واليابان على 13 ,6 بالمئة والبلدان الأوروبية على 32 بالمئة، أي أن البلدان المصنعة السبع تمتلك وحدها 45 بالمئة. وحقوق الاقتراع تتناسب مع الحصة في رأس المال. هكذا لا تمتلك 43 دولة إفريقية سوى 4,4 بالمئة من تلك الحقوق. لذلك لا بد من إصلاح أعمق لنظام الحصص ولحقوق الاقتراع في أفق إعطاء مكانة أوسع للبلدان الصاعدة والنامية.
من جهة أخرى يطالب الأوروبيون واليسار العالمي منذ سنوات بإنشاء منظمة عالمية للبيئة أو منظمة أمم متحدة للبيئة. وكانت فرنسا قد تبنّت هذا الاقتراح منذ قمة ريو دي جانيرو عام 1992 ثم أعاد القول به جاك شيراك في قمة الأرض بجوهانسبرغ عام 2002 ثم طرحه من جديد قبل مغادرته لمنصب رئيس الجمهورية بأسابيع في باريس خلال شهر فبراير 2007.
مثل هذه المنظمة ليست محددة المعالم جيدا لكن يُفترض أن تكون بمثابة منتدى للمفاوضات حول مسائل البيئة وأن تكون محاورا ذا مصداقية مع المؤسسات الدولية الأخرى وأن تمتلك من الموارد والخبرات ما يسمح لها بمراقبة تطبيق مختلف الاتفاقيات المتعلقة بالبيئة، مثل معاهدة كيوتو وغيرها.
على الصعيد النووي، يرى المؤلف أنه من الضروري الوصول إلى معاهدة جديدة لمنع الانتشار في هذا الميدان. وينبغي عليها معالجة بعض المسائل مثل مسألة الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كما فعلت كوريا الشمالية وكما تهدد إيران.
ومسألة الدول غير الموقعة على المعاهدة الحالية مثل إسرائيل والهند والباكستان. كما سيكون من المطلوب تحديد شروط نقل التكنولوجيات وتنفيذ البرامج النووية المدنية. بالإجمال ينبغي جعل مثل هذه المعاهدة الجديدة أكثر واقعية وأكثر دفعا باتجاه البرامج النووية المدنية وأكثر ردعا فيما يخص الأسلحة النووية العسكرية.
الإصلاحات المطلوبة كلها ترمي إلى جعل النظام متعدد الأطراف أكثر شرعية وأكثر فعالية. ذلك كله شريطة إزالة غموض كبير منذ البداية والقول وتكرار القول أن المنظمات المقترحة لا يمكنها ولا ينبغي -إلا في حالة التفويض الصريح- أن تحل محل حكومات الدول الأعضاء. أما اللجوء إلى استخدام القوة فهو مبدأ مناط حصرا بمجلس الأمن في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
أما معالجة الأزمات المالية الدولية فمن اختصاص صندوق النقد الدولي. ويعتبر المؤلف أن الاتحاد الأوروبي يمثل حالة تنبغي معالجتها على حدة. بكل الحالات تحدد المنظمات المعنية الإطار الذي تقوم الحكومات بالتفاوض داخله وتتفق على برنامج أو على خطة عمل.
ويؤكد المؤلف على ضرورة تأكيد مثل هذه البديهيات، ذلك أن قسما من الرأي العام، حتى في أوروبا، يرى في النظام متعدد الأطراف نوعا من السلطة فوق الوطنية والملاذ الأعلى ضد الدول الأنانية. لكن هذا النظام هو في الواقع يمثل الجميع. ولا يمكن للأمناء وللمديرين العامين أن يفعلوا الكثير بقرارات ذاتية دون أن يصطدموا سريعا بمشكلة الشرعية. ويؤكد المؤلف أن تعبير «الهيكلية الدولية» هو تعبير خادع، إذ لا شيء يمكن صياغته بقرار من قبل دماغ مركزي.
إن التباين بين تمنيات المؤسسات متعددة الأطراف والواقع دائم ومرئي. وقمة الدول الصناعية السبع، أصبحت الثماني مع روسيا، لا تقوم على أي نص ولكنها تستمد أهميتها من خلال اللقاء السنوي لقادتها، ومع ذلك باستثناء الصين والهند مع أنهما دولتان صناعيتان كبيرتان. ويرى المؤلف أنه من الواضح ضرورة إجراء عملية إصلاحات عميقة، إذا لم يكن ممكنا إجراء إعادة هيكلة كاملة، للمؤسسات متعددة الأطراف. وطالما لم يتم عمل ذلك فإن الأسواق سوف تتابع إدراتها للعالم حسب منظورها على المدى القصير، ولن يكون هناك تقريبا أي شيء يمكن أن «يلجمها».
ويضع الفرنسيون آمالهم في عالم «متعدد الأقطاب» دون أي تحديد دقيق لتركيبته وللعلاقات بين أقطابه. ويعتقدون أنهم يجدون في هذا العالم دورا «على قياسهم» بحيث يصبحون بمنجاة من النظام الأميركي الخانق الأحادي الطرف، وممارسة نفوذ حاسم داخل قطب أوروبي قوي.
لكن لا شيء يضمن أن يكون مثل هذا النظام ثابتا وأن الأمر سيتعلق مثل السابق بتوازن قوى وبتحالفات متغيرة وبحرب بين الأقطاب. هنا يتساءل هوبير فيدرين: هل مثل هذا العالم متعدد الأطراف قد أصبح بديهية قائمة يجدر الاكتفاء بملاحظتها - بعد بروز الصين- وحيث يبدو تأكيدها بمثابة عمل عدائي حيال الأميركيين الذين يدحضون هذا المفهوم؟ وسؤال آخر: ربما أن المقصود أيضا هو مشروع يتم التمسك بالدعوة له بتنسيق مع البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا ودول أخرى؟؟
وفي الحالتين يمكن أن يجد العالم متعدد الأقطاب ما يمثّله داخل مجلس أمن دولي موسّع. لكن بانتظار ذلك، ما يثير الدهشة أكثر هو تطور العلاقات بين آسيا الوسطى ومنطقة شرق آسيا والهند وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وإفريقيا لأسباب تتعلق بالطاقة وبغيرها ودون أن يمر ذلك عبر الولايات المتحدة ولا أوروبا.
تحسين مسيرة العالم
يرى هوبير فيدرين أنه ما ينبغي على المعسكر المتعدد الأقطاب فهمه هو أنه ليس بالاستمرار في إضعاف الدول ونزع شرعيتها سيتم تحسين مسيرة العالم. فعلى صعيد البيئة تمثل معاهدة «كيوتو» واجبا فرضته الدول على نفسها أمام الرأي العام فيها. والجهد المبذول من أجل تحقيق الأهداف المحددة سيقوم على عمل الحكومات وعلى اكتشافات الباحثين كما على حسابات الشركات التي ستفهم أن تحولها «التقني» نحو حماية البيئة سيكون مصدرا للنمو بالنسبة لها.
أما الفقر فسيتراجع، إنما ليس بفضل المساعدات بل بفضل سياسات اقتصادية وطنية للتنمية بالتعاون مع البلدان الغنية. هكذا قد يكون بالإمكان إدارة موجات الهجرة إنسانيا والتي لا بد أن تزداد خلال العقود القادمة، وغياب دول جيدة البنى يشكل نقطة ضعف أخطر بكثير من البيروقراطية المفرطة التي يتم اتهامها بها.
ودور الدول حاسم أيضا من أجل محاربة الجريمة المنظّمة بشتى أنواعها، ثم إن الدفاع عن التنوع وتعدد الهويات الثقافية يمكن أن يعتمد على أدوات قانونية دولية مثل الاتفاقية الخاصة بحماية وتشجيع تنوع التعبيرات الثقافية التي أقرّتها منظمة اليونسكو في أكتوبر 2005.
أما بالنسبة ل«صدام الحضارات» فيشير المؤلف في محصلة تحليله للوصول إلى تحقيق عالم أفضل إلى أولئك الذين يعتقدون أنه يكفي شجب مثل هذا الصدام من فوق منبر كي يختفي ويزول عن سطح الأرض أو ربما يعتقدون بإمكانية اقتلاعه من جذوره بواسطة «حوار الثقافات». لكن هناك أيضا أولئك الذين يعتقدون، ويؤكد المؤلف أنه منهم، أنه يشكل تهديدا حقيقيا، والإجابة عليه يمكن أن تتلخص بجملة واحدة هي في مواجهة خطر «الصدام» لا يكفي الحوار وإنما ينبغي تقديم إجابة سياسية.
وهي إجابة لا يمكن أن تتجاوز الدول. ولا يمكن للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي يحكم مند عقود العلاقات بين الغرب والعالم العربي-الإسلامي أن يجد حلا دون قيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة إلى جانب إسرائيل التي ينبغي الاعتراف بوجودها وحدودها من قبل جيرانها على أن تضمن القوى الكبرى، ابتداء من أميركا، أمنها.
كذلك يؤكد المؤلف أن الشارعين العربي والإسرائيلي يريدان السلام، وعلى القادة أن يتسلحوا بالشجاعة والجلوس على نفس الطاولة. وينقل المؤلف من تقرير جيمس بيكر الأخير حول العراق قوله أن الولايات المتحدة، وكي تضع حدا لتعاظم خطر الوضع في الشرق الأوسط، عليها أيضا أن تلتزم من جديد بإيجاد حل للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف


