يعرف العلماء (البريون) بأنه نوع من البروتينات أقل حجماً من الفيروسات ومن ثم فإنه لا يحمل أي أحماض نووية بداخله مثل باقي الكائنات الحية. وقد اكتشف البريون العالم الأميركى ستانلي بروزينر ونال عنه جائزة نوبل وذلك بعد أن احتار العلم والعلماء في اكتشاف مرض جنون البقر ومسبباته.

والبريونات تعتبر جراثيم أقوى من البكتيريا أو الفيروسات، فهي تستطيع تحمل درجات حرارة تصل لحدود 100 درجة مئوية، ولا تؤثر فيها المطهرات، ويستطيع البريون البقاء في الأرض لسنوات طويلة دون أن يصيبه سوء. وفي الآونة الأخيرة أشار علماء أميركيون إلى أن بروتينات تشبه البروتينات الموجودة في مرض جنون البقر الذي يصيب الحيوانات وكذلك نسخة المرض التي تصيب البشر، قد تلعب دورا في علاج بعض الأمراض مثل الزهايمر وسرطان الجلد.

ومن المعروف علميا أن هذه البروتينات غير الطبيعية والتي تعمل على نسخ البروتينات العادية، هي التي تسبب أمراض تدهور أنسجة الأعصاب. وقد صاغ بروزينر، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، لفظة (بريونة) بأنها تمثل الأحرف الأولى من كلمات (جزيئات بروتينية مسببة للعدوى). وكان بروزينر قد أثبت أن البريونات هي بروتينات توجد بصورة طبيعية على سطح فئة معينة من خلايا المخ، لكن هذه البروتينات تقوم، ولسبب غير معلوم، بطيّ نفسها بطريقة غير طبيعية، فتكتسب الطبيعة (البريونية)، أي تصبح بريونات.

هذه الطبيعة البريونية تجعل الخلايا تتوقف عن القيام بوظائفها الطبيعية، وفي أحيان أخرى تجعلها تقوم بوظائف أخرى مدمرة للخلية ثم للكائن كله، وأحيانا لا تؤثر في نشاط الخلايا على الإطلاق. غير أن باحثين بجامعة كولومبيا في نيويورك قالوا إن البروتين نفسه قد يلعب دورا في علاج بعض الأمراض المستعصية بل إنه قد يغير طريقة فهمنا لنظرية النشوء والتطور بجانب الدور المحوري الذي يلعبه في آليات صنع الذاكرة لدى البشر.

وتوصل الباحثون إلى أن بروتين البريون في أحيان كثيرة يتكاثر بشكل مفيد. وفحص الباحثون هذا البروتين، وعثروا عليه في الوصلات العصبية التي تربط الخلايا العصبية بعضها ببعض، حيث يثير إنتاج بروتينات أخرى تساعد الخلايا العصبية على تكوين صلات قوية بينها، وهي عملية أساسية لتكوين آلية التذكر لدى البشر. وفحص العلماء وظيفة هذه البروتينات عن طريق وضعها في خلايا الخميرة، وتوصلوا إلى أن بروتين البريون تحول إلى شكل يشبه البروتينات غير العادية التي تتكاثر وتؤثر في خلايا أخرى.

و في أحد أعدادها الأخيرة،أفردت مجلة (نيوساينتست) العلمية تحقيقا علميا حول هذا البروتين قالت عنه إنه يمكنه تغيير طريقة فهمنا لنظرية العالم الشهير داروين الخاصة بالنشوء والتطور. وبدأ التحقيق بسؤال ثوري يقول: هل جانب داروين الصواب فيما وصل إليه؟

تقول المجلة إن نظرية داروين عن النشوء والتطور أصبحت محل تفنيد كبير من قبل عدد من العلماء الذين أنجزوا مؤخرا عددا من البحوث أفادت أن العلم على وشك الدخول في عهد جديد تتمثل بدايته في تفنيد نظرية داروين التي تُقبل باعتبارها حقيقة مُسلم بها منذ قرن كامل من الزمن.

فالبروفيسور أدريانو أجوزي من جامعة زيورخ النمساوية، وهو أحد كبار الخبراء الاختصاصيين في بروتين بريون ومشتقاته، يعتقد أن هذا البروتين يسمح للبروتينات الأخرى الموجودة معه في الخلية أو الهيكل النسيجي بالتغير والتحول إلى حالة مختلفة عن تلك الموجودة عليها وفي بعض الأحوال يسمح للكائن الحي بالعيش والحياة في بيئة جديدة عليه نتيجة لذلك، الأمر الذي يوفر طريقة للتأقلم أسرع من تلك التي تحدث نتيجة التغيرات في الجينات.

وهي التغيرات التي تقوم عليها نظرية النشوء والتطور لداروين، والتي بدورها تستغرق أجيالا عديدة. يقول البروفيسور في هذا الشأن: ميزة البريون تكمن في أنه يتحرك بشكل فوري من جزيء إلى آخر ويوفر آلية للتطور الفوري من دون الحاجة إلى الانتظار إلى أجيال طويلة.

ولا شك أن هذه الفكرة الثورية التي تفيد بأن البريون قد تكون له الأهمية نفسها التي يتمتع بها الحمض النووي في عملية تطور الكائن الحي تكتسب أهمية كبيرة في ضوء السمعة غير الطيبة على الإطلاق المعروفة عن بروتين البريون الذي يعرف بأنه المسبب الرئيسي لمجموعة من الأمراض المميتة والغامضة في الإنسان والثدييات الأخرى الموجودة على سطح الأرض.

فمن ضمن هذه الأمراض هناك مرض كروتزفيلد - جاكوب أو الصيغة البشرية من مرض جنون البقر، ومرض جنون البقر بين الماشية ومرض الدماغ الحموي الأسفنجي. هذه الأمراض تعد من الأوبئة بطيئة التطور غير أنه يمكنها الانتقال بين الحيوانات التي تنتمي للسلالة نفسها.

فمرض الكورو الذي يعد أول مرض مرتبط ببروتين البريون يُكتشف بين البشر له أعراض مشابهة لأعراض مرض كروتزفيلد - جاكوب، حيث اكتشف لأول مرة في دولة نيوغينيا الأفريقية وتبين أنه ينتقل بسبب أنشطة أكل لحوم البشر. كما يمكن أيضا للأمراض التي يتسبب فيها البريون الانتقال بين السلالات المختلفة للثدييات، وهو الأمر الذي يعتقد العلماء أنه حدث عند ظهور مرض كروتزفيلد - جاكوب بين البشر الذين أكلوا ماشية مصابة بجنون البقر.

وعلى الرغم من أن الأمراض المرتبطة بالبريون ليست شائعة بشكل كبير بين البشر، إلا أن آلية العدوى نفسها التي تتسبب في أمراض البريون و التي تقوم على تراكم الأنسجة البروتينية هي المسؤولة عن مرض الزهايمر الذي يصيب الآن أكثر من 700 ألف شخص في بريطانيا وحدها. فأعراض الزهايمر شبيهة بشكل كبير بأعراض مرض كروتزفيلد - جاكوب، وهي فقدان الذاكرة و فقدان الوظائف العقلية لدى الإنسان. الفرق الرئيسي بين المرضين يتمثل في أن الزهايمر لا ينتقل بين البشر ولكنه يتطور داخليا نتيجة عمليات متداخلة كثيرة في جسم الإنسان مرتبطة بتقدم الشخص في العمر.

غير أن بحوثا حديثة قد أشارت إلى أن الزهايمر يمكن أن ينتقل من شخص لآخر عن طريق حقن الأنسجة المصابة بالعدوى بشكل مباشر في الدم، كما بينت تجارب أجريت على فئران معملية. ومن ثم فإن العلماء اعتبروا أن الزهايمر يمكن النظر إليه باعتباره ضمن عائلة أمراض البريون، بل أنه الأكثر أهمية من الأمراض الأخرى باعتباره أكثر انتشارا بين البشر.

الجديد الذي طرأ على عالم البريون في الآونة الأخيرة كما تشير المجلة هو ما أُجري من تجارب على بعض العقاقير التي استطاعت حماية الفئران المعملية من مرض الدماغ الحموي الأسفنجي، وهو الداء المقابل لمرض كروتزفيلد - جاكوب في الخراف. والأمر الأكثر أهمية هو إمكانية التوصل إلى عقاقير لعلاج الزهايمر الذي يصيب عددا كبيرا من الأشخاص فوق الخامسة والستين من العمر.

وكل هذه العقاقير تعتمد على بروتين البريون في عملها. وفي هذا الصدد تؤكد المجلة أن البحوث الجارية في مجال فحص البريون قد وصلت إلى مراحل متقدمة للغاية وأن البروتين الذي كان لا يعرف إلا بآثاره الوخيمة على صحة الإنسان تحول الآن بفضل الإنجازات العلمية الحديثة إلى أداة يمكن من خلالها التوصل إلى عقاقير لأمراض لم يستطع العلم حتى وقتنا هذا فك ألغازها وحماية البشرية منها.

و تشير الاكتشافات الأخيرة إلى أنه كما استطاع العالم بروزينر الحصول على جائزة نوبل عام 1997 تقديرا لاكتشافاته المتعلقة بالبريون، فإن الفترة المقبلة بالتأكيد ستشهد مزيدا من جوائز نوبل في هذا المجال الذي يمكن أن يدشن عصرا جديدا للعلم.

إعداد: حاتم حسين