يركز فيدرين في هذه الحلقة من الكتاب الضوء على مجموعة من المشكلات التي يعاني منها الغرب عموماً وتلقي بظلالها على العالم أجمع نظراً لذلك الارتباط المتزايد بين الدول المختلفة في ظل العولمة التي أخذت تزحف على كل شيء، وأبرز تلك المشكلات هي ذلك الشرخ القائم بين الدول الغنية والفقيرة، بين الأقوياء والضعفاء، وبين الحضارات المختلفة. وهو يرى أن هذا الشرخ يزيد من هوة التباعد ويفاقم مشكلة الفقر التي يعاني منها المليارات من البشر ويدفع باتجاه المواجهة والصراعات التي تشتعل نيرانها في العديد من بقاع العالم.

ويؤكد المؤلف على أن البشر يطمحون إلى العيش في سلام ولكن ما يعيق تحقيق هذا الطموح هو نزعة الهيمنة والأطماع والشعور بالتعالي عن الآخرين والتشدد في المواقف والرؤى لدى البعض. ويقدم نموذجاً للتعاون الدولي والتقارب في مسيرة الوحدة الأوروبية. ولكنه يرى أن الأوروبيين ما زالوا متخبطين وعاجزين عن رؤية ما يريدون وقد دلل على ذلك برفض الدستور الموحد في الاستفتاء الشعبي الذي أجري في 2005، الأمر الذي ساهم في إضعاف فرصة قيام عالم متعدد الأقطاب يحول دون انفراد أي قوة مهما كانت عظيمة باتخاذ قرارات أحادية بعيداً عن الإجماع الدولي كما حصل مع الولايات المتحدة في قرارها بشن حرب على العراق عام 2003.

أثبتت الأحداث والوقائع التي يشهدها عالم اليوم أن القوة الأميركية لم تحل المسائل المعقدة، بل قد تكون زادتها تعقيدا. ولم يحلّها أيضا البحث الأوروبي الجاد من أجل تعزيز القانون الدولي ولم يتعزز نفوذ وإشعاع أوروبا في العالم. هذا ما يؤكده هوبير فيدرين في تحليلاته. ويضاف إلى ذلك أن المجتمعات الغربية الحديثة التي تلعب فيها وسائل الإعلام دورا كبيرا ـ دلت الإحصائيات على أن معدّل رؤية الفرد الغربي للتلفزيون يتراوح بين ثلاث ساعات ونصف إلى أربع ساعات يوميا، والتي تبحث عن «الشفافية» ومعرفة الأخبار بشكل مباشر والحذرة حيال جميع السلطات وجميع المعارف. إنما هي مجتمعات تجعل من الصعب أكثر فأكثر انتهاج سياسات خارجية جدية، أي متناسقة وقائمة على رؤية حقيقية للعالم وللمصالح الخاصة بالمعنيين في تلك السياسات، لاسيما إذا كانت تعتمد على تشخيص سطحي أو غير واقعي وأسيرة للسياسات الداخلية وللتغيرات المستمرة المفاجئة لدى الرأي العام.

كل هذه الأعراض كانت محسوسة منذ فترة طويلة، لكنها تزداد وتتفاقم خطورتها. ويشير المؤلف هنا إلى أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر كان قد أعلن عن أسفه لعدم امتلاك إسرائيل لسياسة خارحية، وإنما فقط لسياسة داخلية، مما كان يضعفها. لكن أليست هي الآن حالة جميع البلدان الديمقراطية ذات البعد الإعلامي الطاغي؟ يتساءل هوبير فيدرين. ويجيب أن النزعة الكونية الغربية التي تجمع بنفس الوقت بين الفكرة الجيدة وحسن النوايا ونزعة الهيمنة والتعالي والاعتداد بالنفس والابتعاد عن الواقع، هي التي اصطدمت بحقائق العالم. ويحدد المؤلف بداية هذه الحالة اعتبارا من عام 1995 مع نهاية مسيرة السلام في الشرق الأوسط عند اغتيال اسحق رابين، الأكثر تبصّرا والأكثر شجاعة بين القادة الإسرائيليين خلال العقود الأخيرة المنصرمة، من قبل أحد اليمينيين المتطرفين الإسرائيليين.

وينقل المؤلف عن اسحق رابين، الذي لن يوفيه العالم ما يستحق من تكريم حسب رأيه، قوله: «سوف أحارب الإرهاب وكأنه لم تكن هناك مسيرة سلام. لكنني سوف أتابع نهج مسيرة السلام وكأنه ليس هناك إرهاب». كانت حجته في ذلك هي عدم إفساح المجال للإرهاب من أية جهة كان أن يقرر بدلا عنه وعدم استخدام الحجج الواهية من أجل عدم التقدم.

الجرح المفتوح

لا شك أن عملية السلام في الشرق الأوسط التي أطلقها عمليا جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر، واستمرت في ظل إدارة بيل كلنتون، قد جرت متابعتها بهذه الصورة أو تلك إلى أن تعطّلت نهائيا مع وصول بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل عام 1996.

واعتبارا من هذا التاريخ خبت الآمال كلها في الوصول إلى سلام ذي مصداقية في الشرق الأوسط، هذا باستثناء فترة قصيرة خلال صيف عام 2000. ويعتبر هوبير فيدرين أن تلك السنة 2000، كانت سنة الفرص الضائعة، لاسيما في نهاية عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون حيث كان الفلسطينيون والإسرائيليون على وشك توقيع اتفاقية سلام في كامب دافيد. لكن هذا «الجرح المفتوح» يسمم دائما العلاقات بين الغرب والإسلام.

ووجدت مقولة التقارب الأكيد بين الشعوب في إطار الإجماع الكوني ما يخالفها ويبيّن خطأ تصورها عبر زيادة أو انبثاق المجابهات الطائفية أو الاثنية في مناطق البلقان والقوقاز ورواندا وتعاظم النزعة القومية الهندوسية ونهضة الإسلام السياسي. هكذا فشلت الندوة التي نظمتها الأمم المتحدة في دوربان ما بين 31 أغسطس و7 سبتمبر 2001، ضد العنصرية، أي حول موضوع يلقى الإجماع بامتياز. لكن المجتمعين اختلفوا حول توصيف تاريخ العبودية والنتائج السياسية المترتبة عليها.

وفي شهر نوفمبر من عام 2000 أصبح جورج بوش الابن هو الرئيس ال43 للولايات المتحدة الأميركية. لقد دخل إلى البيت الأبيض وبجعبته مفاهيم حول السياسة الداخلية والدولية تثير دهشة الأوروبيين ورعبهم، مفاهيم اعتقدوا أنها تنتمي إلى الماضي بينما كانوا هم أنفسهم ما عادوا يمثلون سوى جزيرة تحت الحماية في عالم اليوم.

الإرهاب المعولم

وقعت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 كي تبرهن بصورة صارخة أن الإرهاب هو أيضا «معولم»، وإذا كانت تلك المأساة قد أثارت ذلك القدر من المشاعر والانفعالات فإن ذلك يعود لكون أن الضحية هي الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تعتقد، وكان العالم كله يعتقد أيضا، أنها أكبر من المساس بها. لكن الواقع أثبت عكس ذلك، فالأعمال الانتحارية يمكن أن تطال الجميع حتى القوة الأميركية «الأعظم» في عالمنا اليوم.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يرفض المقولة التي ترى في 11 سبتمبر نقطة فصل مزعومة بين العالم القديم وعالمنا، ويرفض أية مقارنة لما حدث في نيويورك وواشنطن مع سقوط جدار برلين، فإنه يؤكد بالمقابل أن 11 سبتمبر أعطى لنائب الرئيس الأميركي ديك شيني وللمحافظين الجدد الحجة الحاسمة التي كانوا يبحثون عنها من أجل توجيه سياسة إدارة بوش نحو منحى أكثر تبشيرية وعسكرية ونزوعا للتدخل.

وكان العراق، بسبب هزالة إمكانياته في المقاومة العسكرية ونظامه الذي لا يمكن الدفاع عنه، هدفا مثاليا ومحددا مسبقا على قاعدة حجج كاذبة من أجل القيام بعمل عسكري يستجيب في الوقت نفسه لمطلب الاعتزاز الوطني وللاستراتيجية البترولية ولدعم إسرائيل ولتشجيع الديمقراطية، ولن يكون بمقدور الاحتجاجات القوية والتحذيرات والتذكير باحترام القانون الدولي من قبل فرنسا أن تفعل أي شيء.

مسيرة التوحيد الأوروبية

أما الاتحاد الأوروبي فقد عرف مسارا راسخا ما بين عام 1985 وعام 1992 بدفع من الرئيسين الفرنسي فرانسوا ميتران والألماني هلموت كول والمفوض الأوروبي جاك دولور. لقد حضّروا اتفاقية ماستريخت التي عززت أوروبا الموحّدة. ثم تعززت المسيرة أكثر مع تبنّي اليورو كعملة أوروبية موحّدة من قبل 11 بلدا في الأول من يناير 1999. وانضمت لمسيرة التوحيد الأوروبي ثلاثة بلدان عام 1995 ثم عشرة أخرى في عام 2004.

لكن التلكؤ الكبير حصل عمليا على المستوى الدستوري مع رفض الفرنسيين بنسبة 67,54 بالمئة لمشروع الدستور الأوروبي المطروح عليهم في استفتاء شعبي يوم 29 مايو 2005 ثم رفضه بعدهم الهولنديون بنسبة 6,61 بالمئة في الأول من شهر يونيو. ومنذ ذلك الحين بدا الأوروبيون وكأنهم لا يعرفون ما يريدون، الأمر الذي أضعف في الوقت نفسه فرصة قيام عالم متعدد الأقطاب تمثل أوروبا فيه قطبا قويا.

هكذا بعد سبع سنوات من الإعلان الشهير للأمم المتحدة عام 2000 الذي وقعته الدول الأعضاء كلها، وبعد حوالي عشر قمم أممية كبرى خلال عشر سنوات، وبعد ثلاث سنوات من الاتفاق حول مبدأ إيجاد دستور أوروبي، فإن العالم لا يزال في عام 2007 بعيدا جدا عن تشكيل «تجمع واحد»، وأوروبا بعيدة عن أن تشكّل قوة.

نعم هناك 000 12 موظّف في المؤسسات متعددة الأطراف والمكوّنة خاصة من آلاف المنظمات غير الحكومية. وهناك اقتصاد وعالم «معولمان» بالنسبة للعديد من رؤساء ومديري وكبار موظفي الشركات الكبرى والمصرفيين ومحامي الأعمال وغيرهم. لكن الوضع لا يزال بعيدا عن قيام مجموعة تضم شعوب العالم.

قد يقول البعض إننا نعيش في إطار «مجموعة دولية» تحكمها نفس القيم الكونية، وهي تجهد من أجل رفع «التحديات الشاملة - العالمية- المطروحة على الألفية الثالثة»، وذلك على أساس «واقع جديد من تعددية الأطراف» مع دعوة آخر البلدان «الخارجة عن الطريق المستقيم» إلى الانضمام للركب الليبرالي والديمقراطي السائد. لكن أين الواقع من مثل هذا التفكير؟ يتساءل هوبير فيدرين.

وبعد أن يشير المؤلف إلى أن مفهوم «المجتمع المدني الدولي» محكوم بنفس علاقات القوة القائمة بين الدول، يؤكد أن العالم الذي نعيش فيه قد شهد تطورا اقتصاديا مشهودا بعد نهاية الكتل وزوال الحواجز الجمركية. كما عرف نموا منتظما بفضل التجارة. وخلال سنوات 1950-2003 زادت المبادلات التجارية الدولية بمعدل 6 بالمئة سنويا والإنتاج بمعدل 4 بالمئة فقط. هذا واعتبارا من عام 1975 زادت حصة المبادلات التجارية من 8 بالمئة إلى 20 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي.

لقد بدا العالم موحدا ومتناسقا بفعل البث الفوري للصور وللأخبار والانخفاض الكبير في أسعار النقل وفي الوقت المطلوب للقيام به. هذه هي الصورة السائدة، إنما التي لا تأخذ في اعتبارها واقع الفقر والمظالم التي تعاني منها مناطق عديدة من العالم.

وإذا كانت قد جرت تلبية الحاجات الإنسانية في البلدان الغنية فإن هناك أيضا حربا لا هوادة فيها بين الشركات الكبرى، الغربية وغير الغربية من أجل تحقيق مكاسب أكبر. لكن هناك ما يسمح بقليل من التفاؤل إذا لم يتم نسيان مصدر النمو الكبير الذي يمثله خلال العقود القادمة التحوّل من «الاقتصاد الانتحاري» إلى «اقتصاد يحترم البيئة». مع هذا لا يزال العالم زاخرا بالنزاعات المتجذرة وبأشكال مختلفة من عدم الفهم ومن إرادة الثأر والخوف المتبادل بين البشر.

الشرخ العالمي

إن الشرخ القائم في العالم لا يحدده المؤلف بين «الشمال» و«الجنوب» في صورته التقليدية، فمثل هذا التقسيم لم يعد له أي معنى، وإنما بالأحرى بين الأغنياء والفقراء أولا. صحيح أن الفقر يتراجع بشكل عام ولكنه ازداد وتفاقم في بعض المناطق بسبب إجراءات «ليبرالية عشوائية» اتخذتها المؤسسات الدولية المالية بضغط من واشنطن.

وينقل المؤلف في هذا السياق تمييزا استخدمه الاقتصادي فرانسوا موران في كتابه: «الحاجز الجديد للمال» بين «الاقتصاد الحقيقي» و«الدائرة ـ الفقاعة ـ المالية». هكذا في عام 2004، بلغت قيمة المبادلات التجارية الدولية 8 تريليونات دولار (ألف مليار) بينما وصلت المبادلات المالية في أسواق العملة 1155 تريليون دولار، أي ما يزيد على 150 ضعفا.

وتتم الإشارة هنا إلى أن «اقتصاد الكازينو» هذا أدى إلى ارتفاع هائل لأعلى المداخيل بواقع أن 2 بالمئة من البشر يملكون 50 بالمئة من مجمل ما تمتلكه أسر العالم بينما هناك مليار شخص يعيشون، حسب تقديرات الأمم المتحدة نفسها، في حالة «فقر مدقع» وهناك 854 مليوناً كانوا يعانون من سوء التغذية عام 2006 من بينهم 24 مليوناً في البلدان الغنية نفسها.

يزعم أنصار العولمة الاقتصادية أنهم يقدمون العلاج الشافي لأشكال اللامساواة هذه لكنهم لا ينظرون إلى الفرد إلا على أساس أنه مستهلك للسلع والخدمات أو كناشط اقتصادي يلعب بمهارة على الفرق في الأسعار بين قارتين على هذه «الأرض المسطحة» حسب تعبير الصحفي الأميركي الشهير توماس فريدمان وينقله هنا المؤلف.

لكن لا يتم النظر أبدا إلى الفرد باعتباره عضو في مجموعة سياسية أو على أساس تجذره في ثقافة ما. ولا أحد يتحدث أيضا عن أشكال التخريب التي تتعرض لها البيئة بفعل العولمة السائدة. تتم الإشارة هنا إلى التقرير الذي أعدّه اللورد «ستيرن» في بريطانيا وقدّم فيه رقم 5500 مليار يورو كلفة زيادة حرارة المناخ وحدها إذا لم يتم فعل أي شيء منذ الآن وحتى عشر سنوات قادمة، أي ما يعادل 1 بالمئة من إجمالي الإنتاج المحلي العالمي السنوي.

هناك شرخ آخر يتحدث عنه المؤلف هنا بين البلدان المحميّة نسبيا والبلدان المعرّضة لمشاكل بيئية كبرى مثل تلك التي سيجد 200 مليون من سكانها أنفسهم مرغمين على النزوح، كما ينقل المؤلف عن نائب الرئيس الأميركي السابق «آل غور» في كتابه «حقيقة مزعجة» بسبب ارتفاع مستوى المياه، وأيضا مثل تلك البلدان التي لا تعرف أية حدود في استهلاك المواد الكيميائية الخطيرة، أو حيث يوجد غياب كامل لخطط الوقاية من شح الهواء النقي والمياه الصالحة للشرب والأراضي القابلة للزراعة أو القابلة للسكن، الخ.

وهناك شرخ أيضا بين أولئك المتجذرين والآمنين في الثلاثين بلدا الأكثر غنى وثراء في العالم وبين الـ 175 مليون نسمة (3 بالمئة من مجموع سكان العالم) المحكوم عليهم سنويا بالهجرة والتشرد وأحيانا طيلة حياتهم. وربما بالإقامة بطريقة غير مشروعة وبدون أية أوراق نظامية مما يعرّضهم لأفدح أشكال الاستغلال.

وللأسف يوجد شرخ أيضا على قاعدة تباين الحضارات، وهو شرخ يؤكد المؤلف على وجوده مهما أثارت ملاحظته من المخاوف أو حتى مهما جرى نفيها. لكنه يؤكد أيضا على أنه لا يخص سوى أقليّات صغيرة جدا تلعب ورقة المواجهة بسبب الجهل أو التزمت أو الحسابات الخاصة. هذا مع ملاحظة أن الصدام النابع من أشكال الجهل يتغذى من مجموعة من الأحكام المسبقة وسوء الفهم والخوف المتبادل مثل قلق الغربيين حيال العرب بل وحيال الإسلام عامة مقابل إرادة جعل المستعمرين السابقين يدفعون ثمن استعمارهم. ويزيد الوضع في الشرق الأوسط من حدّة هذا الشرخ.

صدام الحضارات

مثل ذلك الجهل يخلق شيئا فشيئا خطر قيام «صدام حضارات» حقيقي بين الإسلام والغرب يستكمل المواجهة الكبرى القائمة داخل بلاد الإسلام بين الأصوليين وأنصار التحديث. لكن تنبغي الملاحظة أيضا أن المجموعات المتشددة تجد آذانا صاغية فيما هو أبعد من جمهورها التقليدي كرد فعل على عملية تماثل قسري مع الغرب وحيث تتعالى أصوات مجموعات في البلدان الغربية باسم العلمانية أو مناصرة المرأة أو حقوق الإنسان للمطالبة أكثر فأكثر بالقطيعة الكاملة مع هذه «الجماعات المتشددة».

وبعد أن يشير المؤلف إلى مشاكل أخرى في العلاقات على قاعدة التباين الحضاري في مختلف القارات يؤكد على أن مثل هذه الخطابات «ذات الطبيعة الصدامية» تدعونا للتأمل مليا بالرد الملائم على شرخ كهذا بين الثقافات أو الحضارات.

وفي معرض الحديث عن الشروخ التي يعاني منها عالم اليوم يذكر المؤلف أخيرا تلك القائمة بين «الأقوياء» و«الضعفاء». فمن جهة هناك الأقوياء وفي مقدمتهم القوة الأعظم الحالية، أميركا، والبلدان الأوروبية الغنية ثم البلدان الصاعدة كالصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وفيتنام وغيرها. ومن جهة أخرى هناك البلدان الضعيفة الأكثر هشاشة التي تُعدّ بالعشرات وفي ذيل قائمتها «البلدان الأقل تنمية» والدول المفلسة والمتفسخة.

هنا يسأل المؤلف: ما هي ردود فعل الغربيين في مواجهة هذه العقبات وأشكال المقاومة لصد قيمهم وأعمالهم؟ ويجيب أنه ليس هناك إجمالا أي شك جدي لديهم بخصوص تفوّق قيمهم وضرورة سيادتها. ويترددون عامة بين نهج سياسي متشدد ونهج متساهل، لكن القليلين جدا منهم يقبلون بمجرد القيام بمقاربة واقعية للوضع.

ويتم التفريق بهذا الشأن بين الأوساط الاقتصادية، الأميركية أو الأوروبية، وبين الآخرين، فأوساط الاقتصاد مرغمة على أن تُبدي واقعيتها وأن ترى الاقتصاد العالمي كما هو اليوم، وإلا فإنها ستخسر مواقعها. ولذلك تبحث عن تكييف وتوسيع هيمنتها بفضل آليات العولمة مع دخولها في منافسة لا حدود لها، بل في حرب بين الرأسماليات قد يكون النظام الاجتماعي الأوروبي هو ضحيتها الأولى. إنها تتجاهل باختصار الحقائق الإنسانية والثقافية والسياسية التي تزعجها.

أما الأوساط الثقافية والإعلامية وحتى السياسية فإنها ترى العالم كما تريده أن يكون بعيدا عن حس الواقع. وهي تصبغ مفهومها على العالم الخارجي وتذهب في تأملات نرجسية يشجّعها النظام الإعلامي ولكن دون أن يتحمل نتائج أطروحاتها المثالية. لكن بلدانها نفسها هي التي تدفع الثمن.

الأميركيون، الذين انهارت عمليا نسبة المتعاطفين معهم في العالم ما بين عام 2000 وعام 2006 من 83 بالمئة إلى 56 بالمئة في بريطانيا ومن 62 بالمئة إلى 39 بالمئة في فرنسا ومن 52 بالمئة إلى 12 بالمئة في تركيا، الخ، اتخذوا في البداية موقفا متشددا بمواجهة أية مقاومة لفرض قيمهم وتفوقهم وصولا إلى القيام بأعمال وقائية إذا تطلب أمنهم ذلك.

وقد وجد هذا الخط المتشدد الدعم فيما هو أبعد من المحافظين الجدد، بما في ذلك في أوروبا بل وحتى داخل اليسار. وإذا لم يكن قد تم التعبير صراحة عن مثل هذا الخط، إلا نادرا جدا، فإنه موجود ويرى أصحابه أنفسهم على أساس أنهم «الكتلة الغربية» في مواجهة الإسلام وروسيا والصين.

هذا الخط المتشدد يؤكّد على الهجومية فيما يتعلق بنشر القيم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، وعدم استبعاد أية وسيلة لذلك بما في ذلك العسكرية الدفاعية أو الردعية أو الهجومية. ضمن سياق هذا المنطق نادى البعض بتحويل الحلف الأطلسي إلى «تحالف ديمقراطي» مسلّح وتوسيعه كي يشمل اليابان واستراليا وكوريا الجنوبية وإسرائيل ودفعه للتدخل خارج منطقة عملياته الاعتيادية كما هو الحال الآن في أفغانستان.

لكن هذا الخط المتشدد يصطدم بعدة حقائق. فعلى الصعيد الاستراتيجي اضطر الرئيس جورج دبليو بوش على قاعدة الفشل في العراق، وبعد هزيمة الجمهوريين في انتخابات عام 2006 إلى أن يعلن استعداده للاستماع لكل الآراء. لكن الديمقراطيين الذين كانوا قد اقترعوا جميعهم تقريبا لصالح شن الحرب في العراق ليس لديهم سياسة بديلة، بل ربما سوف يأسفون لفوزهم «المبكّر جدا» في انتخابات الكونجرس.

وعلى الصعيد الاقتصادي أدّى بروز قوى فاعلة جديدة مثل البلدان الصاعدة والمجموعات الدولية القائمة في الهند والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا، إلى تغيير في معادلة العولمة التي كان متوقعا منها أن تعزز، بطبيعتها، الهيمنة الغربية وليس أن تشكك بها.

والرأي العام الأوروبي هو أكثر قلقا اليوم مما كان خلال السنوات التي أعقبت انهيار جدار برلين. وهو يرى أن العالم ليس أبدا تلك «المجموعة الدولية» الموعودة. إن ردود أفعاله، كما يتم وصفها، متناقضة فهو ينتهج من جهة سياسة «مائعة» وغير محددة ويحاول تأكيد قيمه من جهة أخرى. وباسم الإعلان عن إرادة جعل الأخلاق في صميم سياسته الخارجية يبحث عن حماية نفسه من التهديدات القديمة والجديدة. لكن هذه التناقضات تبعث الإحساس بالتشوش لدى الأوروبيين ونخبهم، كما يؤكد هوبير فيدرين.

ويؤكد المؤلف في المحصلة أن الغربيين سيواجهون صعوبات متعاظمة في نشر وتثبيت أفكارهم، بل حتى في الدفاع عن مصالحهم إذا رفضوا التسليم بحقيقة أنهم قد فقدوا احتكار تاريخ العالم. بالمقابل، فإنهم إذا اتبعوا نهجا واقعيا وحازما في الوقت نفسه عبر صياغة مصالحهم والتفاوض حولها داخل الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية وعرفوا كيف يستخدمون كل الإمكانيات الحقيقية للسياسة الخارجية، فسيحافظون على نفوذهم في العالم. والمطلوب أولا رؤية العالم كما هو، ثم تأتي صياغة المشروع المستقبلي.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف