ليس في واشنطن هذه الأيام ما يزاحم ملفي العراق وانتخابات الرئاسة، الباقي على أهميته وحتى الشرق أوسطي منه، توابع وملاحق، ثنائي هي مشدودة إليه بقلق وترقب، لا يخلوان من التوتر، ثنائي يطغي على حديثها وسجالاتها وحواراتها. ناهيك بصراعاتها السياسية المحتدمة. باختصار، هو يلخص هموم واهتمام عاصمة القرار، ولاشك انه سيبقى طبقها اليومي الذي لن يبارحها قبل انتخاب رئيس أميركي جديد في نوفمبر 2008، على اقل تقدير.
خلطة نادراً ما تزامنت عناصرها، منذ فيتنام: حرب نازفة،، آفاقها ملبدة إذا لم تكن مسدودة. وبداية حملة انتخابية ساخنة ومسربلة هي الأخرى، بورطة العراق. في إطار هذا التداخل بين الاثنين، يدور الجدل وتشتد المنافسة بين الخندقين الرئيسيين: جمهوري في الدفاع وديمقراطي في الهجوم، عموماً الأول وضعه متآكل. الثاني كفته راجحة.
لكن في الحالتين، الجدل يدور حول ذاته. لا جديد فيه. التمايز الفعلي، في التوجه والرؤية، مفقود، في أحسن أحواله ملتبس لذلك تطغى المراوحة على المشهد وتحديات اللحظة الأميركية كثيرة وكبيرة داخلية وخارجية. سنوات الرئيس بوش منذ العام 2000 وحتى الآن، فاقمتها وأضافت عليها والإضافة نوعية، حادة وعميقة، بتداعيات وذيول، بعيدة الأمد. الكل غارق فيها وعلى رأسها المستنقع العراقي.
البحث عن خلاص
أميركا، سياسة وإعلام ورأي عام وخبراء وعسكر، مقسومة حول كيفية الخروج من الوحل العراقي. الكل مدرك بأن الورطة كبرت وباتت تستدعي العثور على باب خلاص منها. أو في اقله وقف نزفها وتقليل خسائرها. البحث عن هذا الباب، يشكل محور الجدل الدائر بين اطرافه.
ثلاثة سيناريوهات متداولة، واحد يرفع شعار الانسحاب الكامل ـ أصحابه أقلية ـ في غضون اقل من سنة، من حيثياته ان حرب العراق من الأساس مفتعلة وقرارها متهور بمستوى الخطيئة، وان الأهداف التي زعمت إدارة بوش بأنها عازمة على تحقيقها ـ بناء عراق ديمقراطي مسالم وحليف ـ، غير قابلة للترجمة وبالتالي فان المصلحة الأميركية تقضي بضرورة تقليص الخسائر والمغادرة عاجلاً وليس آجلاً.
السيناريو الآخر يدفع به أصحاب مخرج الانسحاب المجدول، على ان يبدأ مع حلول العام القادم، ثم يتواصل على أرضية اعفاء القوات الأميركية من المهام الميدانية الأمنية التي ينبغي اناطتها بالقوات العراقية. بعد التخلي عن هذا الدور يتحول التواجد العسكري الأميركي الباقي إلى قوة تدريب ودفاع حدودي.
يقود ويدعم هذا التوجه الحزب الديمقراطي في الكونغرس، لكنه لا يملك مشروعاً واحداً محدداً، في هذا الخصوص. فقط يتحدث بأكثر من تصور عن الجدولة ووجوب اعتمادها. طرحه يشكو من الضبابية ومن نية واضحة لتوظيف الورطة لصالح حساباته الانتخابية.
نقطة الضعف الأخرى في موقفه أنه سبق ووافق، عند التصويت في مجلس الشيوخ عشية الغزو، على إرسال القوات إلى العراق. يتذرع الديمقراطيون اليوم بأن موافقتهم حصلت على أساس معلومات تبيَّن أنها مغلوطة، وبالتالي لو كانوا على بيّنة من حقيقة الأمر، لما وقفوا إلى جانب الرئيس بوش. لكنها محاولة نفض يدّ متأخرة. كانوا شركاء في القرار. هكذا ينظر إليهم.
السيناريو الثالث تطرحه الإدارة. خلاصته المراهنة والإصرار على النصر والحل الأمني، الرئيس بوش يشتري الوقت. نجح في إسقاط محاولة خصومه في الكونغرس، لفرض الجدولة عليه، عن طريق قانون ملزم. لعب بورقة مساواة الانسحاب المستعجل بالهزيمة أمام الإرهاب و«القاعدة». أطلق حملة بهذا المعنى. تسانده في ذلك قوى وأقلام محسوبة على خندق المحافظين.
من خلالها كسب مهلة جديدة حتى 15/9، موعد صدور تقرير قائد القوات الأميركية في العراق، الجنرال بتريوس، حول الأوضاع وآخر تطوراتها واحتمالاتها ومتطلباتها. قبله بأسبوعين، يوم 1/9، من المتوقع أن يصدر أيضاً تقرير عن الحالة في العراق، يقوم بإعداده «مكتب مساءلة الحكومة» ـ تلبية لطلب من الكونغرس، مع تقرير بتريوس ـ ما يتردد في واشنطن أن الخطوات التالية تتقرر على ضوء ما تحمله هذه التقارير. خاصة تقييم الجنرال.
لكن الاعتقاد السائد أن الرسالة تقرأ من عنوانها. فالوضع على الأرض معروف، ولن يكون بوسع بتريوس تجميله. ربما نوّه تقريره ببعض الخطوات الأمنية التي حققتها حملته الأخيرة. لكنه يتجه لطلب المزيد من الوقت لهذه الحملة. وهذا ما يريده الرئيس بوش ويستعد لتسويقه.
الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تسخين السجال في واشنطن وتعميق الخلاف بين الإدارة والكونغرس، وبالتالي الاستمرار في الدوامة نفسها: كونغرس يتخبّط بعدة تصورات للجدولة وغير قادر على فرض أي منها على الرئيس، بالرغم من أن الأكثرية من الأميركيين، 6 من أصل 10، ترى أن الكلمة الأخيرة في شأن الانسحاب، ينبغي أن تكون للكونغرس. وبنتاغون مفقود الإجماع بين جنرالاتها، بخصوص كيفية التعامل مع الوضع العراقي وموضوع تخفيض القوات من عدمه.
رئيس الأركان الجديد الجنرال مايكل مالن ـ يتسلم مهامه في آخر سبتمبر ـ حذّر من المراهنة على «حل عسكري بحت». الجنرال كاسي، القائد السابق للقوات الأميركية في العراق يقول بوجوب خفض القوات السنة المقبلة، وبدرجة كبيرة وتحويل المهمة العسكرية الأميركية هناك إلى مهمة تدريبية للقوات العراقية.
الجنرال بتريوس يتحدث بصورة واعدة عن الحملة الأمنية الجارية ويدعو إلى منحها المزيد من الوقت. وكذلك هي الحال في أوساط الخبراء والمراقبين، المشاركين في المداولات. طروحاتهم تتراوح بين التحذير من المخاطر القاتلة للهرولة في الانسحاب وبين ضرورة البحث عن صيغة لانسحاب قريب. لكن ليس في الساحة طرح محدد واضح المعالم، يكون ترجمة لهذا التوجه أو ذاك.
عناد ومكابرة
ثمة حلقة مقفلة أشار إليها هنري كيسنجر عندما قال ان «تحقيق نصر عسكري غير وارد في المدى الزمني الذي يسمح به الوضع السياسي الأميركي الداخلي. ومن جهة ثانية، التوصل إلى صيغة حل سياسي، هو الآخر غير وارد بمعزل عن الواقع القائم على الأرض». المخرج، يضيف، يتمثل بامتلاك «رؤوية» تضمن «التوصل إلى نهاية سياسية قابلة للاستمرار». لكنه لم يعرض مثل هذه الرؤوية. فهو لا يملكها. ولا غيره في الساحة يزعم أنه يملكها.
المتداول لا يخرج عن أفكار ومقترحات. يمكن الوحيد الذي يعرف ماذا يريد ولم يتراجع عنه بالرغم من كل التعثر والنكسات، هو الرئيس بوش. من البداية، هدفه الحسم العسكري. وجدد قناعته عام 2005 عندما قال: «لن أرضى بشيء أقل من انتصار عسكري كامل». وهو لا يزال عند هذا الإيمان، بالرغم من كلامه الملتوي، الذي يلجأ إليه بين الحين والآخر، لتنفيس الضغوط والهجوم على سياسته. أزمته ومأزقه أن مثل هذه النهاية للحرب بعيدة المنال. على الأقل حتى الآن. وهذا ما يؤكده جنرالاته.
لكن الرئيس مكابر ومعاند ومتمسك بإصراره وعناده ولا يبدو أنه على استعداد لمغادرة هذا الواقع. وهذه قناعة سائدة في واشنطن. حتى على مستوى الرأي العام، الذي يرى 8 من أصل 10 منه، ان الرئيس لا يملك مثل هذا الاستعداد.
جميع الخطوات والتكتيكات التي لجأت إليها إدارته، مسخّرة لخدمة هدف بوش الأساسي: من زيادة القوات ـ 30 ألفاً ـ قبل أشهر إلى فتح حوار، ولو محدد وبسقف منخفض، مع إيران، وانتهاءً بالتعاون الأخير مع زعماء القبائل، من خلال التمويل والتسليح.
وتمشياً مع خدمة هذا الغرض، دأبت الإدارة وبالذات الرئيس بوش، في الآونة الأخيرة؛ على الترويج لحصول ما تسميه بـ «التحسن الأمني» ولو المحدود ـ في بغداد والأنبار ـ وفي الوقت ذاته رفعت من وتيرة الانتقاد وحتى الهجوم، على حكومة المالكي؛ بزعم أنها عجزت عن القيام بالمطلوب منها أمنياً وسياسياً لتعزيز أجواء المصالحة.
بصرف النظر عن مسؤولية الحكومة، ترى دوائر أميركية أن الغرض من هذا الكلام هو تحضير كبش فداء، عشية التقرير؛ وحماية الخيار الأمني ـ من خلال تصوير أن الحكومة العراقية هي التي تخرّب عليه ولا تقوم بتوظيفه كما هو مطلوب ـ؛ وبالتالي حماية تمسكه برفض الجدولة.
كبش فداء
وثمة من يرى أن تركيز الرئيس على مثل هذا «التحسن الأمني» وربطه بالجنرال بتريوس؛ إنما يراد منه تحضير قائد القوات في العراق ليكون هو كبش الفداء؛ إذا لم يلحظ في تقريره أن الحملة حققت إنجازات أمنية وبالقدر التي تبرر ساحة الرئيس. يقول ريتشارد كون، الباحث والاستاذ الجامعي، إن الرئيس بوش يعود بذلك إلى التأكيد على وجهة نظره بأن «العراق مشكلة عسكرية صرف». مما يسهل له الإشارة بأصبع التقصير إلى العسكريين، في حال بقيت الأوضاع على ما هي عليه.
ويتكئ الرئيس أيضاً في موقفه هذا على تقرير استخباراتي جديد يتحدث عن نجاح تنظيم القاعدة في إعادة بناء «تنظيمه المركزي وبنيته التدريبية التحتية؛ فضلاً عن خطوط اتصالاته الخارجية»، وكان قد صدر قبله بأسبوعين تقرير مماثل يحتوي على التحذير من «خطر القاعدة المتزايد».
مع أن هذه التقارير أعطت خصومه ذخيرة جديدة للتذكير بأن حرب العراق «أدت إلى تزخيم الإرهاب وزيادة حضوره» وليس العكس، لكن ذلك لم يؤثر في إصراره. لم يتزحزح عن ربط أي تقليص في حجم القوات، بحصول انفراج أمني، من الدرجة التي تسمح بذلك. وهو انفراج ـ تركه الرئيس مبهماً ـ يعرف انه لا يتحقق، في المدى القريب.
المصالحة السياسية في العراق، شرط لمثل هذا الانفراج. حتى العسكريون يجاهرون بذلك. ومثل هذه المصالحة غير متوفرة مقوماتها. وحتى إشعار آخر. كما أن الحملة الجارية، لن تعجل أو تسمح بحدوثها»، حسبما يرى حتى أكثر المتفائلين في واشنطن.
وفي المقابل، فإن قوى المطالبة بانسحاب كامل، هزيلة بالرغم من تصاعد الكلفة والنقمة، لم تقو على التحوّل إلى تيار جارف. على المحك سمعة الولايات المتحدة وموضوع الإرهاب. كما أنه ليس هناك استعداد متعاظم لتحمل مسؤولية مثل هذه المغادرة الكاملة. خاصة وأن قوى عراقية عديدة تقف ضدها. ومنها من حذّر ـ وزير الخارجية زيباري ـ مؤخراً من مضاعفاتها القاتلة «مذابح وتقسيم للبلد»، لو حصلت.
هذه اللوحة من التناقضات، يلعب الرئيس بوش عليها ويمارس الرقص، في موضوع الجدولة، على إيقاعها. وحتى الآن كان له ما أراد. وتميل كفة التوقعات في واشنطن بأنه سيقوى، بعد تقرير بتريوس، على تمديد استمهال الحملة العسكرية وإعطاءها المزيد من الوقت. على الأقل حتى نهاية العام. فهو، بالإضافة إلى غياب الاجماع الوازن ـ مجلس الشيوخ لا يملك غالبية الستين صوتاً المطلوبة لتمرير مشروع قانون إلزامي بالجدولة ـ يملك أيضاً سلاح الفيتو، ضد أي تشريع إلزامي من هذا النوع، وكسر النقض هذا يستدعي أكثرية الثلثين غير المتوفرة لخصومه.
تراكم الخسائر
لكن بقدر ما الرئيس متمكن، حتى الآن على الأقل، من الاحتفاظ بلعبته وبخياره؛ بقدر ما أدّى ذلك إلى مراكمة الخسائر السياسية لحزبه الجمهوري، وهي خسائر بدأت تشكل تهديداً لكثيرين من نواب حزبه ورجالاته في مجلس الشيوخ. الانتخابات الأخيرة ـ العام الماضي ـ عكست هذا الهبوط؛ الذي تجلّى في خسارة الجمهوريين للغالبية في مجلسي الكونغرس.
والنتائج لا تبدو أنها ستكون أفضل في انتخابات العام المقبل الرئاسية منها وكذلك المتعلقة بالكونغرس. لذلك لم يتردد بعض أقطاب الجمهوريين، خاصة في مجلسي الشيوخ، من إعلان فك ارتباطه بسياسة رئيسه العراقية. الرئيس أضعف حزبه. العراق السبب. فالديمقراطي صاعد عموماً، لأن الجمهوري هابط. وحملة انتخابات الرئاسة تعكس ذلك بوضوح.
في ميدان هذه الأخيرة 17 مرشحاً. عشرة من الديمقراطي. خندق هذا الأخير متقدم وبثبات على مواقع الجمهوري. المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، تحتل الطليعة. احتفظت بهذا الموقع من البداية. ولا تزال تتقدم على منافسيها جميعهم بنقاط وافرة. يتلوها المرشح السناتور باراك أوباما؛ ثم السناتور السابق جون ادواردز. السباق على الفوز بترشيح الحزب محصور، على ما يبدو، بالثلاثة.
لو حصل الاختيار الآن، تفوز هيلاري بفارق ملحوظ. هي متقدمة على منافسها الأقرب ـ أوباما ـ بمعدل عشر نقاط، على الأقل. أوراق القوة لديها راجحة: الاسم ـ المرتبطة بولاية زوجها التي تميزت بالازدهار والبحبوحة والاستقرار في السياسة الخارجية، والخبرة وكونها المرأة الأولى التي تخوض معركة الرئاسة. ثم إدارتها لحملة يشرف عليها الرئيس الأسبق بما له من تجربة وكاريزما ورصيد لا يزال قوياً، بالرغم من لطخة مونيكا ـ غيت. نقطة القوة غير المباشرة لديها، إن الميدان يخلو ـ في الخندقين ـ من مرشح العيار الثقيل.
السناتور اوباما، وجه جديد وله مقبولية ملحوظة التبرعات لحملته تنهال عليه بسخاء. وهو صاحب قدرة على الإحاطة بالقضايا والمشكلات، مع فصاحة ملفتة وجاذبية خطابية. كما يتميز عن غيره بأنه من الأساس وقف ضد الحرب عند التصويت في مجلس الشيوخ على تفويض الرئيس بإرسال القوات إلى العراق. لكن لا يبدو أن أميركا جاهزة للمجيء برئيس من الأميركيين السود. كما يبدو أنه حتى ماكينة الحزب الديمقراطي ليست متحمسة لمساندته.
وما يخدم هيلاري أيضاً أن الحصان الثالث في الشوط، ادواردز، سبق وخاض غمار الترشيح ـ ضد السناتور كيري، الذي خسر أمام بوش ـ ولم يحظ بالقبول. أيضا القاعدة الديمقراطية تميل إلى هيليري. 54% من ناخبيها ترى أن هذه الأخيرة هي «الأقدر» على الفوز من بين المرشحين الديمقراطيين، بالرئاسة.
ساحة الجمهوريين
وإذا كانت الرياح تنفخ حتى الآن في شراع مركبها، فان المرشح المتقدم في الضفة الأخرى ـ الجمهوري ـ رودولف جولياني، عمدة مدينة نيويورك السابق، يبدو هو الآخر، حتى الآن، وكأنه مثل هيلاري يسير باتجاه حسم الترشيح لصالحه. فهو احتفظ حتى الآن بالموقع المتقدم وبفارق جامد. مصدر قوته انه نجح في تسويق دور زعم أنه لعبة، إثر الهجوم الإرهابي يوم 9/11 كعمدة، في تعزيز الصمود ورفع المعنويات آنذاك، كما يفاخر بتاريخه الأمني في تنظيف نيويورك من عصابات المافيا. لكن قوته الأساسية تكمن في خلو ساحة الجمهوريين، أيضا، من وجه يمتلك قامة سياسية قادرة على الاستقطاب.
مشكلة جولياني أنه غير مقبول من شريحة واسعة من قاعدة الحزب المحافظة. خاصة لشريحة الأصولية الدينية في الجنوب الأميركي، خصوصاً فهو يحتضن مواقف وسياسات اجتماعية تتضارب مع قناعات هذه الشريحة، والتي اعتادت اشتراط التطابق مع ايديولوجيتها مقابل تأييدها لهذا المرشح أو ذاك ومشكلته الأخرى أنه لا يحظى بقبول الجناح المحافظ نسبيا من الحزب الديمقراطي ومن المستقلين، الذين طالما حسمت أصواتهم الأمر في أكثر من معركة رئاسية. وبالتحديد معركة الرئيس ريغان في الثمانينات.
وهكذا في ضوء الأرقام تبدو المعركة وكأنها صارت معقودة اللواء للمتنافسين هيلاري كلينتون وجولياني. لكن الحملة لا تزال في بدايتها. ومع أن في أحيان كثيرة في السابق، انتهت المنافسة بين المرشحين اللذين حملا مثل هذه الأرقام في مطلع الحملة؛ إلا أنه لا يزال من المبكر لأوانه الحديث بلغة الحسم. خاصة هذه المرة؛ حيث ان المبارزة مرتبطة إلى حد بعيد بحرب العراق وما قد يطرأ على صعيدها؛ كما على صعيد ملفات شرق أوسطية أخرى، شديد السخونة؛ كالملف الإيراني.
بالإضافة إلى ذلك ثمة همس يتعالى عن احتمال دخول مرشحين جدد إلى حلبة المنافسة. من بينهم عمدة نيويورك الحالي، الملياردير مايكل بلومبرغ؛ الذي تسرب أوساطه احتمال نزوله كمرشح مستقل. وربما صحت حسابات الترشيح بهذه الصفة، في هذه الانتخابات؛ من باب أنه قد يشكل الخيار الثالث الذي يمكنه اجتذاب قوى وازنة من الجانبين؛ نظراً لغياب مرشح «الدرجة الأولى» لدى الحزبين.
صحيح أن محاولات عديدة لمرشحين مستقلين من خارج الجمهوري والديمقراطي، قد باءت بالفشل، من قبل، خلال العقدين الماضيين؛ إلا أن الخميرة موجودة للخروج على حصر اللعبة بالحزبين. والدليل ان الإقبال على صناديق الاقتراع لم يتجاوز، منذ زمن، الخمسين بالمئة. وأحياناً أقل. مما يدل على حالة سأم من هذه الحصرية. كما أن تجارب مستقلة سابقة كادت أن تحسم المعركة لو أحسنت إدارتها؛ مثل معركة روس بيروت، في التسعينات.
ثمة مفارقة صارخة في هذه الحملة: بقدر ما هي ساخنة ومرشحة لتكون أكثر سخونة ـ كلفتها من المتوقع أن تضرب الرقم القياسي، حوالي 2 مليار دولار ـ، بقدر ما هي باهتة. يعود ذلك لسببين: خلوها من قطب أو نجم. الجديد الأبرز فيها وجود امرأة في ساحتها.
لكنها، هيلاري، من الطاقم التقليدي. السبب الثاني، خلوها من إطلالة نوعية جديدة، من حيث الطرح، تستجب بصورة لافتة لتحديات اللحظة الراهنة؛ الداخلية منها ـ قضايا الهجرة والضمان الصحي وهموم الاقتصاد المهزوز، خاصة بعد هزة التسليف والرهن العقاري الأخيرة؛ فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة واستفحال العجز في الموازنة والذي اقترب من 8 تريليونات دولار ـ؛ والخارجية وبالذات الملف العراقي.
كل ما في ميدانها من إنتاج المدرسة التقليدية والطاقم الكلاسيكي؛ الذي بالكاد يلاحظ وجود فوارق في برامجه؛ اللهم باستثناء النبرة والحبكة الخطابية؛ ناهيك عن المزايدات واللعب على نقاط الضعف، لدى الطرف الآخر. الدسم مفقود. خاصة لدى المرشحين البارزين، الالتفاف واللعب على الألفاظ، هو السائد.
وحدهم، الذين لا حظ لهم بالوصول إلى آخر شوط الفوز بالترشيح ـ مثل النائب الديمقراطي السابق دافيد كوسينتش ـ يضعون الاصبع على الجرح؛ بصراحة وشجاعة وموضوعية. كل ما يقدمونه للحملة انهم يتسببون بالإحراج للأوائل في المنافسة.
شح ووهن
مزيج من الشح ومن اعطاب النظام الانتخابي كما من تراكم القضايا والتحديات؛ مع ما رافق ذلك من بلادة وقصور وشطط في التصدي والمعالجات؛ كله تضافر لجعل المشهد الأميركي الراهن ـ خاصة على صعيد العراق والانتخابات ـ على هذه الصورة الحالية؛ التي انتهى إليها والتي تتميز بالرتابة والارتباك. ثمة علامات ترهل بدأت ترتسم على جسم الوضع الأميركي.
يقول الباحث والكاتب جون ماكواد، «إن الولايات المتحدة باتت تبدو كالعملاق الذي لا يقوى على ربط شريط حذائه». ويتساءل «ما إذا كانت أميركا قد فقدت القدرة على إنجاز المهمات الكبيرة». وهو لا يطرح هذا التساؤل بسبب الورطة العراقية فقط بل أيضاً في ضوء ما سبقها ورافقها وعلى الصعيد الداخلي بالتحديد.
يشير في ذلك إلى الحالة المزرية للبنية التحتية المتروكة تتهاوى ـ في ضوء انهيار الجسر مؤخراً فوق نهر المسيسيبي؛ كما في ضوء ما ذكرته الكشوفات من ان 75 ألف جسر من أصل 600 ألف تشكو من أعطاب وتآكل ـ، مروراً بهزال التعامل مع «كارثة طبيعية مثل اعصار كاترينا؛ وانتهاء بالشلل المستحكم بمعالجة واشنطن لملفات خارجية مثل قضية الشرق الأوسط؛ ناهيك بفقر المعالجة الطبية للجنود المصابين العائدين من أرض المعركة».
كل ذلك رافقه هبوط في الثقة بالنفس، كما يقول، مستنداً بذلك إلى استطلاع أخير كشف بأن «ثقة الإنسان الأميركي بقدرته على اجتراح الحلول قد هبطت إلى 58% بعد أن كانت في حدود 74%، قبل خمس سنوات».
يفيد ذلك بأن الوهن عام وان الهبوط وصل إلى درجته الراهنة، خلال سنوات بوش. أميركا صارت معه متغولة، أكثر من أي وقت مضى: عسكرة منفلتة، تجاوز استنسابي للقوانين والأعراف الدولية، تهميش للأمم المتحدة؛ فضلاً عن محاولات القفز فوق المؤسسات الأميركية نفسها وخاصة الكونغرس، والاستهتار بالحريات العامة واختراق حرمها بحجة الدواعي الأمنية.
حالة من التفلت غير المسبوق، من الضوابط. ولم ينته المسلسل بعد. فهناك في واشنطن من يتخوف من احتمال دخول الإدارة في مغامرات أخرى؛ خلال ما تبقى لها في الحكم، سنة ونيف؛ وفي الشرق الأوسط.
ثمة فريق في واشنطن على رأسه نائب الرئيس تشيني؛ «يحلم»، على حد ما يقول البعض، بمواجهة مع إيران مثلاً. وثمة ما يعطي هذا التخوف ما يبرره، في ضوء التصعيد الذي يشهده الخطاب المتداول.
ولو أن هناك من الكوابح ما يحمل على ترجيح كفة استبعاد مثل هذا الاندفاع. كما هناك الوفير من أدوات التصحيح للشطط والرخاوة المصابة بها مفاصل الوضع الأميركي.
فهذا الأخير غني بالمؤسسات وبصمامات الأمان والآليات اللازمة، لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة، كما أنه غني بالخبرة في ابتكار الآليات المطلوبة للتعامل مع المستجدات والتحكم بها وفق الأنماط المقبولة والمتعارف عليها.
أميركا اليوم بحاجة إلى استنهاض وتفعيل هذا المخزون، وثمة اليوم دعوات أميركية تحث على حدوث مثل هذه الصحوة، المتوفرة أرضيتها. وراء هكذا صيحات يكمن قدر من القلق المتزايد. فالساحة تعيش أجواء خوف من الآتي والمجهول، الحديث عن الإرهاب وتوظيفه لتمرير سياسات، خلق مناخاً من التوجس والمفاجآت، مناخاً يغذّي هذه السياسات ويتغذى منها.
معادلة أدّت إلى حالة من الانتفاخ والإمعان في التمرد، المحكوم بعقلية الهيمنة والقائم على زعم أن أميركا قوة عظمى وحيدة، ثبت تفوق منظومتها وقيمها، وبالتالي فهي تملك حق امتياز حصرياً في التفرد والانفلاش. إفراط في الانتفاخ حمل حتى بعض الأميركيين المحافظين ـ من غير الجدد ـ مثل باتريك بوكانن، إلى الإسراع في التذكير بأن «أميركا جمهورية وليست امبراطورية». صرخة للتنبيه بأن الأولى تستمر وتعزز في ظل انتظام عمل ماكينتها الضابطة بينما الثانية مهما كبرت وانفلشت تبقى مهددة بالانفراط والتاريخ حافل بالشواهد.
واشنطن ـ فكتور شلهوب