يبدو وكأنني قد عدت إلى وظيفتي كمحلل في «سي آي إيه» يحاول تقييم فرص شن هجوم على إيران وذلك على الرغم من أن الطرف الذي من المفترض أنه سيقوم بالهجوم هو رئيس الولايات المتحدة. هذا هو بالضبط وعلى سبيل الدقة ما تعودنا نحن المحللين على فعله.
وفيما لا يزال الأمر يبدو بمثابة صدمة أن نحلل تصرفات القيادة الأميركية لمعرفة ما يدور في خلدها، إلا أن هذه ليست المرة الأولى التي نلجأ فيها لمثل هذا التحليل، إذ سبق لنا نحن كبار العاملين في دنيا الاستخبارات القيام بهذا الأمر طوال الأعوام الستة الماضية وبالتحديد منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. مهنة التحليل الاستخباري تقوم على تجميع معلومات من جميع المصادر المتاحة بغية الوصول إلى حكم على كل ما يمكن أن تُوحي به تلك المعلومات.
نحن نستخدم معلومات من كل المصادر المتاحة، سواء أكانت مصادر مرتبطة بتجميع معلومات عن طريق أدوات متطورة وتقنيات معقدة، أو بواسطة جواسيس أو حتى من خلال وسائل الإعلام. وهنا أجدني مضطرا لإفشاء أحد أسرار المهنة: فبشكل عام يتبين أن 80% من المعلومات التي يحتاجها المرء للوصول إلى حكم ما على قضية معينة -80% من هذه المعلومات متاحة في وسائل الإعلام.
من الأمور المساعدة في هذا الشأن هي حصول المرء على تدريب من كبار أساتذة التحليل الإعلامي، وهو التحليل الذي بدأ بشكل هيكلي منظم في عقد الأربعينات من القرن الماضي وكان يستهدف تحليل ما كان يأتي من خلال الإعلام الألماني والياباني. ولكن إحقاقا للحق، فإن أي شخص أنهى المرحلة الثانوية من التعليم المدرسي يمكنه القيام بهذا النوع من التحليل الإعلامي. فالأمر لا ينطوي على نظريات علمية معقدة. هذا الأمر لا يبخس حق عملاء سي آي إيه وضباطها الذين يساهمون بمعلومات يكون لها دور خطير في حسم قضايا كثيرة.
فلننظر في هذا الصدد على سبيل المثال إلى ما حدث في منتصف 2002 من تجنيد جريء لوزير الخارجية العراقي في عهد صدام حسين وعمله لصالح الاستخبارات الأميركية وما حققه من مصداقية كبيرة في عمله. ولقد أخبرنا في حينه أن العراق لا يوجد به أسلحة دمار شامل. وقد كان زملائي السابقون في سي آي إيه من السذاجة ما جعلهم يعتقدون أن سماع مثل هذا الأمر من رجل يشغل منصب وزير الخارجية العراقي سيريح الرئيس جورج دبليو بوش ومستشاريه، لكنهم بدلا من ذلك أُخبروا بأن البيت الأبيض غير مهتم بالتعامل مع هذا الرجل وأن القضية لا تتعلق فعليا بأسلحة الدمار الشامل وإنما ب«تغيير النظام العراقي».
ولا يجب على القارئ الأميركي أن يشعر بالحرج إذا لم يكن يعرف هذا الأمر؛ فوسائل إعلامنا التي تخضع لمصالح الشركات والتي تؤدي الحروب إلى زيادة مواردها المالية، قد تجاوزت مشاعر الإحراج هذه ولا تهتم بالأمر مطلقا.
في مقال له في مجلة «تايم» مؤخرا، قال الضابط روبرت باير، وهو ضابط استخبارات سابق في «سي آي إيه» كان يتمتع بمكانة وقدرات عالية، إنه بحسب ما حصل عليه من مصادره، فإن إدارة بوش- تشيني تضع اللمسات الأخيرة لهجوم على إيران، حيث يشير قرار بوش بوضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب العالمي إلى عزمه على توجيه ضربه للجمهورية الإسلامية وإلى أن أيديولوجية المحافظين الجدد لا تزال تسيطر على البيت الأبيض وتوحي لبوش بأن مثل هذا الهجوم على إيران سيؤدي إلى إسقاط نظام الحكم هناك ومن ثم إلى إنشاء حكومة إيرانية صديقة لأميركا.
فلنتوقف قليلا لأن هناك ما هو أسوأ من هذا. فمصادر باير تقول له إن مسؤولي الإدارة الأميركية يتصورون أنه «طالما أن لدينا قاذفات قنابل وصواريخ في الهواء فإننا سوف نضرب منشآت إيران النووية». لقد كتب الكاتب فيرالد جيرالدي في صحيفة «ذا أميركان كونسيرفاتيف» ذات مرة قائلا إن كارل روف كان يمثل الطرف القوي المناوئ لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الذي يبدو عازما على توسيع مستنقع حروب الشرق الأوسط ليشمل إيران.
وقد كتب في هذا الصدد محلل البنتاجون السابق المتقاعد ليفتنانت كولونيل كارين كواياتكويسكي الذي عمل بشكل وثيق مع معظم قادة البنتاجون من المحافظين الجدد مباشرة قبل شن الحرب على العراق- كتب عن التكهنات التي يتداولها معظمنا حول رحيل كارل روف عن البيت الأبيض. إن الأمر باختصار يصب في خانة التكهنات التي تقول إن روف، الذي لم يكن دُمية في أيدي أحد ولم يُرد تلفيق المعلومات كي يروج لحرب ضد إيران، قد خسر معركته مع تشيني حول فوائد توجيه هجوم عسكري ضد إيران ومن ثم قرر الرحيل لقضاء مزيد من الوقت مع عائلته.
وبصرف النظر عن طبيعة روف، فإنه كان بمثابة القوة المناوئة لديك تشيني الذي تتملكه رغبة واضحة في توسيع الحرب في الشرق الأوسط لتشمل إيران. وفيما يتعلق بالمتحدث باسم البيت الأبيض توني سنو، فإنه يبدو أنه خلص، قبل أن يقرر أنه يريد مزيدا من المال، إلى نتيجة مفادها أن معدته لن تتحمل تفسير قرار بوش وتشيني بضرب إيران.
ومن واقع ما نراه من حشد إعلامي حتى الآن، فإن الأمر الذي يبدو ممكنا، كبداية على الأقل، يتمثل في ضربة توجه لمنشآت التدريب الخاصة بالحرس الثوري الإيراني داخل إيران، وهو الهجوم الذي يمكن أن يتم عن طريق صواريخ كروز.
وفي ضوء تحديد الجماعات المناهضة لإيران ل20 هدفا داخل الأراضي الإيرانية، فإنه يتبين أن الأدوات التي يمكنها تنفيذ الهجوم موجودة ومتاحة. ولكن في الوقت نفسه فإن مشروع المحافظين الجدد لضرب إيران والمشار إليه آنفا يمكن أن يُنفذ بعد أو حتى أثناء هذا الهجوم الجوي على إيران.
ترجمة: حاتم حسين عن «أنتي وور»

