يستمد هذا الكتاب أهميته من حقيقة أن كاتبه هو شخصية بارزة ومعروفة، له باع طويل في مجال السياسة والدبلوماسية، وهو هوبير فيدرين، الذي شغل منصب وزير خارجية فرنسا على مدى عدة سنوات في ظل رئاسة فرانسوا ميتران، ويعتبر أحد أهم الشخصيات الفرنسية المعروفة على الصعيد العالمي.يقدم المؤلف في هذا الكتاب لعالم ما بعد انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الشيوعي. ولا يتردد في القول إن الغربيين قد تسرعوا كثيرا في الاعتقاد بأنهم قد كسبوا معركة التاريخ وانتصروا مرّة واحدة وإلى الأبد، فقد قالوا باختصار إن التاريخ قد «انتهى» وانتصرت قيمهم.

ما يؤكد عليه هوبير فيدرين في تحليلاته هو أن مثل هذه النظرة تنم عن رؤية غير واقعية، بل وعقيمة. ولا بد للغربيين أن يأخذوا بعين الاعتبار الرهانات العالمية الجديدة ويعودوا إلى انتهاج سياسة خارجية واقعية وفعّالة. وعلى أوروبا أن تعرف ماذا تريد وكيف تساهم في قيام عالم أفضل. مع انهيار الإمبراطورية الشيوعية التي جسّدها الاتحاد السوفييتي السابق اعتقد الغربيون أنهم قد كسبوا معركة التاريخ، وأنه قد أصبح باستطاعتهم أن يسودوا العالم بلا منازع لهم. لكنها كانت رؤية خادعة إذ لم يدركوا حقيقة صورة العالم الذي يرتسم من حولهم وتحت أنظارهم. إنه عالم لا يتطابق سوى إلى حد ضئيل جدا مع ما كانوا يأملون.

وفي مطلع عقد التسعينات الماضي، بعد ما يزيد على خمسة وأربعين سنة من الحرب الباردة التي طبعت بطابعها العلاقات الدولية على أساس تقسيم العالم إلى معسكرين غربي وشرقي، سادت حالة من الفرح لدى الغربيين عامة، وأخذت طابعا انتصاريا في الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها قائدة المعسكر الظافر. ولم يتردد جورج بوش (الأب) في الإعلان أن «نظاما دوليا جديدا» سوف يقوم بحيث ينعم العالم كله بخيراته. ضمن هذا السياق أعلن المفكر الأميركي، ذو الأصل الياباني، فرانسيس فوكوياما والذي كان آنذاك في عداد المحافظين الجدد «نهاية التاريخ»، كما جاء في عنوان كتاب شهير له. وكان ذلك على خلفية القول إن الغرب قد انتصر ب«الضربة القاضية» ولن تعارضه بعد ذلك أية قوة أو أية إيديولوجية.

وبالتالي سوف تنتشر قيمه على طول العالم وعرضه، وعلى رأسها اقتصاد السوق والديمقراطية، هذا لاسيما أن «دينغ شياو بينغ»، رجل الصين القوي بعد وفاة ماوتسي تونغ، كان قد قرر توجيه بلاده نحو اقتصاد السوق اعتبارا من نهاية عقد السبعينات الماضي. هذا يعني أن الديمقراطية السياسية واللبرالية الاقتصادية كانتا في درب لا عوائق فيها. لكن في مواجهة الأطروحات الغربية «المتفائلة» كانت هناك بالمقابل أصوات شديدة «التشاؤم» حيال المستقبل ولعل من أبرزها، كما يشير هوبير فدرين، المفكر الأميركي الشهير صموئيل هنتنغتون الذي أكّد أن العالم مهدد ب«صدام الحضارات». لكن لم يستمع الكثيرون له، ذلك أن أطروحاته لم تكن تتماشى مع التأكيدات الأميركية بعالم قادم أكثر أمنا وهدوءً، كما لم تكن تتماشى مع «التفاؤل» الأوروبي.

لقد ميّز صموئيل هنتنغتون بين تسع حضارات هي التالية: الغربية، اللاتينية-الأميركية، الإفريقية، الإسلامية، الصينية، الهندية، الارثوذكسية، البوذية، اليابانية. لكن ومهما قيل عن «التصادم الحضاري» فإن الأميركيين اعتبروا زعامتهم وهيمنتهم كمعطيين ضروريين لاستقرار العالم وأمنه. أما الأوروبيون والكنديون الذين كانوا يتطلعون فعلا إلى «السلام» والاستفادة من مكاسبه، فقد اعتبروا أن الوضع الذي آلت إليه نهاية الحرب الباردة سوف يؤدي إلى قيام «مجموعة دولية» حقيقية، بعد الآمال التي أعقبتها خيبات أمل كبيرة حيال منظمة الأمم المتحدة التي قامت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

الدول المارقة

أما «المجموعة الدولية» المرتقبة فقد جرى رسم ملامح صورتها على أن جميع المشاركين فيها سوف يقبلون بنفس القيم، المستلهمة من القيم الغربية، وسيعملون يدا واحدة على أساس قواعد تعددية الأقطاب مما ينبغي أن يسمح لأصغر القوى الدولية أن يكون لها صوتها وبحيث يتم إقرار جميع المسائل بالأغلبية في إطار الصالح العام. وسيتم بالمقابل تهميش الدول «المارقة» وإعادتها إلى جادة الصواب. كذلك سيتم حل جميع النزاعات والحروب داخل إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها بحيث سيلعبان كامل دورهما كما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، ومثلما كانت عرفته عملية تحرير الكويت إثر الاحتلال العراقي لها. وكانت الدول الأعضاء الخمس في مجلس الأمن قد اتخذت بالإجماع قرارها بذلك.

وتفترض المجموعة الدولية «الحقيقية» أن لا تؤدي الحروب النادرة إلى أية خسائر، «ضحايا صفر» على الأقل بالنسبة للغرب، وستقوم عدالة دولية كي لا يفلت المجرمون الكبار من العقاب إذ ستلاحقهم أينما كانوا وتردعهم من التحضير لارتكاب جرائم جديدة. بالتوازي مع هذا كله سوف يتدعّم نفوذ «المجتمع المدني الدولي» مما سوف يرغم الدول على الشفافية وعلى السلوك الأخلاقي. بل ربما أنه سوف يحل محلّها، في بعض الميادين، بواسطة المنظمات غير الحكومية.

العولمة السعيدة

بالنسبة للعولمة، قالوا إنها سوف تكون «سعيدة»، وسوف تفتح كل جزء في العالم على بقية أصقاعه الأخرى، بواسطة التجارة. وعبر التهديم التدريجي لنزعات الحماية التجارية سيتم تحطيم جميع الحواجز ودحر نزعات التقوقع على الذات باسم الانتماء إلى هوية ما. ثم إنها ستكون عولمة لصالح الجميع، جميع البلدان وجميع الشعوب وجميع الأفراد ومما سيؤدي إلى ولادة ثقافة ذات طابع عالمي.

ويتحدث هوبير فيدرين هنا عن تلك اللقاءات التي شهدها عقد التسعينات الماضي في إطار قمم الأمم المتحدة وبحضور أعضائها ال190 تقريبا، مثل القمة الخاصة بالبيئة في ريو دي جانيرو عام 1992 وبالتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن عام 1995 وبمكانة المرأة في المجتمع في بكين عام 1995 أيضا، الخ. كانت هناك قناعة قد تكوّنت لدى الجميع أن تعددية الأطراف تمثل الطريقة الجيدة من أجل رفع «التحديات الدولية الشاملة».

لقد رأى الأوروبيون، وقسم من الديمقراطيين الأميركيين، أن العلاقات الدولية التقليدية القائمة بين هذه الدولة وتلك قد تجاوزها الزمن، بل وجرى اعتبارها أنها مسؤولة عن الولايات التي شهدها القرن العشرين. أما الآن فقد جاء دور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام والعدالة الدولية والتجارة الحرّة ودبلوماسية حقوق الإنسان.

تتم الإشارة في هذا السياق إلى التفاؤل الذي بلغ ذروته مع البيان الصادر يوم 8 سبتمبر 2000 بتوقيع جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. لقد ذكّرت هذه الدول في بيانها ذي ال32 نقطة أن «الأمم المتحدة هي المكان الذي لابد منه من أجل البشرية كلها وحيث سوف نجهد من أجل تجسيد تطلعاتنا الكونية للسلام والتعاون والتنمية». كما أكّد هذا البيان على ضرورة أن تشكّل قيم الحرية والمساواة والتضامن والتسامح واحترام الطبيعة واقتسام المسؤوليات الأسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين. بالطبع لا يمكن لأحد أن يعترض على مثل هذه المبادئ، كما يشير المؤلف.

لكن في الواقع كانت ترجمتها لدى الرأي العام ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية في الغرب هي القيام بحملات نقد عنيفة في كل مرّة تدعو فيها ضرورات الحياة الدولية أو ضرورات حل نزاع أن يقوم دبلوماسيون أو سياسيون بالاتصال مع نظام غير ديمقراطي أو معاد للغرب في آسيا أو إفريقيا أو العالم العربي الإسلامي أو حتى مع نظام فلاديمير بوتين في روسيا. وكانت تثار دائما أسئلة من نوع: «كيف يمكنكم التحدث إلى هذا المستبد أو ذاك؟ وكيف يمكنكم أن تولوا ثقتكم إلى مثل هذا النظام»؟ وهذا كله على خلفية القولإ الغرب «المنتصر» لا ينبغي عليه القيام بتنازلات وقيمه سوف يتم فرضها على أولئك «الطغاة» طواعية أو قسرا، سواء أرادوا ذلك أم رفضوه.

ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى أن هذه «الأوهام» قد اكتست أشكالا مختلفة، بل أحيانا متناقضة، في بعض الميادين مثلما حصل في الولايات المتحدة وأوروبا. لكنه يرى أن فهم هذه الظاهرة يستدعي العودة إلى آلية تطور أفكار ظهرت في الولايات المتحدة إنما كان لها أثرها الكبير على بقية العالم.

تفسير تقليدي للزعامة

خلال فترة 1989-1992 أعطى جورج بوش الأب وفريق إدارته، خاصة جيمس بيكر وبرينت سكوكروفت، تفسيرا تقليديا - كلاسيكيا- لمفهوم الزعامة الأميركية، وهو مفهوم واقعي وقوي يندرج في إطار الخط التقليدي للحزب الجمهوري دون الإفراط في الغطرسة وإظهار نزعة فرض السيطرة بحيث بدت أميركا وكأنها «شرطي العالم المتردد».

هكذا قام أولئك المسؤولون الأميركيون بإدارة عملية انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الاستقطاب ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بالتعاون مع هلموت كول وفرانسوا ميتران وميخائيل غورباتشوف وبروح من المسؤولية العالية. وجرى التقيّد أيضا أثناء حرب الخليج (1991) بتحرير الكويت حسب القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.

وخلال الفترتين الرئاسيتين اللتين أمضاهما الرئيس بيل كلينتون في البيت الأبيض بلغت القوة الأميركية درجة عالية من التحقق اقتصاديا وسياسيا ونالت عن جدارة صفة «القوة العظمى» ويفضّل هوبير فيدرين استخدام «القوة الأعظم» للدلالة على أنه ليس لها سابق أو معادل في التاريخ أو في العصر الراهن. ولا يتردد في القول إن الرئيس السابق كلينتون قد أعطى بشخصيته المحبوبة وانفتاح عقله وجهوده المتأخرة، إنما الصادقة والمخلصة من أجل السلام في الشرق الأوسط وجها وصيغا مقبولة لتلك القوة الهائلة لدى بقية العالم.

كما يعتبر فيدرين أن كلينتون قد لجم بمجرد وجوده في البيت الأبيض إرادة كانت تتعاظم للسيطرة داخل أعماق الرأي العام الأميركي وكانت محسوسة أصلا لدى وسائل الإعلام ولدى بعض مراكز البحوث. وكان الفوز الانتخابي الذي حققه الحزب الجمهوري عام 1994 في الكونغرس قد بيّن كيف تتطور أميركا على قاعدة نزعة قومية ضيّقة والتأكيد على أولوية المصالح الوطنية والحذر حيال أي تفريط بالسيادة باسم تعددية الأطراف وبالتالي حيال منظمة الأمم المتحدة.

وتضمّن ذلك بالتالي مفهوما تراتبيا ووحيد الطرف للعلاقات مع الحلفاء والإيمان بإمكانية الوصول إلى تسويات عسكرية للنزاعات. لقد عنى ذلك إجمالا بروز خط جديد أكثر تشددا من ذلك الذي رفعه سابقا رونالد ريغان ومفاده: «أميركا عائدة». الخط الجديد مثلته جيدا جملة جورج دبليو بوش يوم 12 سبتمبر 2001 القائلة: «لقد وجدنا مهمتنا».

ما يتم تأكيده هنا هو أن «انبعاث» الحزب الجمهوري ذا النتائج الكبيرة يجد جذوره في فترة بعيدة. ففي سنوات الستينات تركت مجموعات كبيرة من أبناء الجنوب الأميركي الحزب الديمقراطي في ظل إدارة روزفلت وانضمت إلى الحزب الجمهوري كي تدفعه بعد 30 سنة نحو نزعة شعبية «شعبوية» غذتها الحركة الانجليكانية المتزمتة في تفسيرها للكتاب المقدّس (الإنجيل) والتي تنحاز تماما عبر ذلك إلى صف اليمين الإسرائيلي الأكثر تشددا على صعيد السياسة الخارجية.

بروز المحافظين الجدد

في الوقت نفسه شقّ تيار «المحافظين الجدد» طريقه بين النخب الجمهورية الأميركية. ويرى المؤلف أن هذه التسمية ليست صحيحة تماما ذلك أن العديد من ممثليه قد انتقلوا من أقصى اليسار إلى أقصى النقيض، بالتالي لم يصبحوا محافظين وإنما أصبحوا بالأحرى ثوريين- رجعيين. وكان هؤلاء قد حاربوا طيلة الحرب الباردة سياسة الوفاق (مع الاتحاد السوفييتي) التي صممها هنري كيسنجر، عدوّهم اللدود المتسامح جدا حيال السوفييت وأعداء الولايات المتحدة.

وإذا كانوا قد باركوا رونالد ريغان فإنهم انتقدوا واقعية جورج بوش الأب وناصبوا بيل كلينتون العداء السافر على الصعيدين الشخصي والسياسي. لقد أعابوا عليه عدم استخدام القوة في العراق للإطاحة بنظام صدام حسين، والتقليل من مصداقية أميركا عبر البحث غير المجدي عن سلام في الشرق الأوسط. وكانوا قد شنّوا عليه هجوما كاسحا عند افتضاح قضية مونيكا لوينسكي.

ويؤكد هوبير فيدرين أن هؤلاء «المحافظين الجدد» كانوا قد دعموا منذ سنوات السبعينات فكرة أنه لم تكن هناك أبدا قضية فلسطينية، وأنها محض اختراع من قبل يسار إسرائيلي لا وزن له وجماعات المناهضين لإسرائيل في العالم كله. لقد كانوا يتحلّقون حول السيناتور جاكسون ومساعده ريتشارد بيرل، واعتبروا أن الحل يكمن في جعل الدول العربية المجاورة ديمقراطية برضاها أو بالقوة.

وذلك على أساس أنها سوف تصبح في هذه الحالة موالية للغربيين وللإسرائيليين. كما سيسمح الوضع الجديد للإسرائيليين بالاحتفاظ بالأراضي المحتلة طبقا لإرادة حزب الليكود اليميني الذي أنشأه مناحيم بيغن عام 1973. ويخلص المؤلف إلى القول إن ذلك الموقف حيال القضية الفلسطينية و«نفيها» كانت له أسوأ العواقب حتى اليوم بالنسبة للوضع في الشرق الأوسط ولأمن إسرائيل وللعلاقات بين الغرب والعالم العربي-الإسلامي، بل وحتى الإسلام عامة.

ومن خلال الجمع بين الإرث القومي على طريقة الرئيس روزفلت وبين نزعة تبشيرية ديمقراطية استطاع المحافظون الجدد أن يجذبوا شرائح تتجاوز المعسكر المحافظ ذاته وحتى لدى بعض الديمقراطيين والرأي العام المتنور. وكانت هزيمة فيتنام قد أصبحت طي النسيان وأعطاهم انهيار الاتحاد السوفييتي الثقة بأنفسهم وبأنهم «حالة استثنائية».

مقولة تشرشل

لقد اعتقد الرأي العام الأميركي، قبل التورط في العراق، أن جعل العالم ديمقراطيا يمثل مهمة ملحّة وقابلة للتحقيق. وكان إغراء تنفيذ ذلك البرنامج بالاعتماد على توسيع الحلف الأطلسي بحيث يصبح نوعا من منظمة أمم متحدة ومطواعا بيدهم ماثلا في ذهن الإستراتيجيين الأميركيين. وهذا ما يرى به المؤلف «نسخة موسّعة قليلا» لما كان قد قال به سابقا ونستون تشرشل لوزير خارجية الرئيس ايزنهاور، والمقصود هنا هو جون فوستر دالاس، وجاء فيه: «الشعوب الناطقة باللغة الانجليزية وحدها يمكن الاعتماد عليها وسيكون بمقدورها مجتمعة أن تقود العالم».

في عام 2003، اعتقد الأوروبيون أنهم يعارضون جورج بوش. لكنهم كانوا يؤمنون في الواقع، كما يؤكد هوبير فيدرين، إلى درجة كبيرة بالمهمة الديمقراطية للغرب. وكان الرأي العام الفرنسي نفسه مؤيدا أيضا لحق بل لواجب «التدخل» الذي جسّد أطروحته برنار كوشنير ـ وزير الخارجية الفرنسي الحالي ـ وعدد من المثقفين المعروفين.

كان ذلك نوعا من إعادة الاعتبار لمقولة كانت قد غابت عن الساحة طوال عدة عقود وتخص «واجب تحضير الآخرين» الذي قال به المستعمرون ثم وُضع جانبا مع نهاية الاستعمار. وكالت أغلبية وسائل الإعلام المديح لهذا «النشاط الديمقراطي» الذي أصبح أحد أولويات النشاط الدبلوماسي الغربي.

لكن التباين بين الأميركيين والأوروبيين كان فيما يخص اللجوء إلى استخدام القوة. فمنذ عام 1945 ونهاية الحرب العالمية الثانية، وخاصة منذ عام 1989 وسقوط جدار برلين اعتقد الأوروبيون بإمكانية العيش في عالم مثالي ومسالم تحكمه القيم الكونية والقانون والأمن الجماعي والوقاية من الحروب. باختصار كانوا يؤمنون بضرورة فرض قيمهم على جميع الآخرين. لكن ليس بواسطة القوة. مفهوم التدخل بالنسبة للأوروبيين مقبول اليوم ولكن ليس الحرب والقنابل والاحتلال العسكري. إنهم يكرهون اللجوء إلى القوة وحتى لو جرى إقراره بصورة شرعية.

الأميركيون يقبلون من جهتهم اللجوء إلى القوة مع نقاش الإمكانيات المستخدمة. وغالبا يرون من الشجاعة «اللجوء إليها وحدهم» على عكس الأوروبيين الذين يصرّون على شرعية قرار استخدامها وتعددية الأطراف. هذا ما ظهر بوضوح عند بداية الحرب في العراق والتباين بين الرأي العام الأميركي ونظيره الأوروبي. هناك إذن اتفاق على هدف فرض الديمقراطية بكل الوسائل بما في ذلك القوة، يقول الأميركيون، وبكل الوسائل ما عدا القوة، يردد الأوروبيون.

أوهام مشتركة

تتم الإشارة هنا إلى أنه باستثناء التباين حول مسألة اللجوء إلى القوة، فإن الغربيين عموما يتقاسمون اليوم «نفس الأوهام» حول القيم الكونية والديمقراطية، أو بدقة أكبر حول كفاءتهم في فرضها على الخارج. لكن ما يتم التأكيد عليه هو أن الغرب قد خرق مبادئه نفسها وهو يطبقها اليوم بصورة انتقائية جدا بمعيارين ومكيالين». وبذلك لا يمكن للغربيين أن يفهموا لماذا لا يتم النظر إلى مبادئه على أنها كونية، مع أنها كذلك بالفعل فلا أحد ضد الحرية والعدالة والمساواة.

من جهة أخرى ساهمت النزعة «الانتصارية» خلال سنوات التسعينات في بروز نوع من التحوّل العقائدي نحو الديمقراطية في الغرب. ففي عام 2003 كان الأميركيون يعتقدون أن الديمقراطية سوف تولد مع الإطاحة بنظام صدام حسين كما كان جيمي كارتر قد انتظر ذلك مع الإطاحة بشاه إيران. لكن مثل هذا الاعتقاد يعني نسيان أن الديمقراطية لم تترسخ بين ليلة وضحاها في أي بلد غربي، ولا حتى في الولايات المتحدة الأميركية التي عرفت حرب الاستقلال وإبادة الهنود والعبودية والحرب بين الشمال والجنوب ورفض منح السود حق الاقتراع، هذا دون الحديث عن الوضع القائم اليوم ودور المال ومجموعات الضغط «اللوبي»، الخ.

وفي أوروبا هل جرى نسيان تعاقب الثورات الدامية مع فترات القمع الرهيب؟ وهل نسيت فرنسا أنه كان على النساء الانتظار 150 سنة ما بين الانتخابات الأولى التي عرفتها البلاد عام 1795 وعام 1945 عندما مارسن حقّهن الانتخابي للمرة الأولى؟

وينقل هوبير فيدرين أنه قال ذات يوم للسيدة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، أثناء حديث ودّي بينهما: «الديمقراطية، ليست قهوة يتم تحضيرها مباشرة». ثم يتساءل عن الخلط الكبير بين واقع فشل الديمقراطية في بلدان كانت قد عرفتها سابقا مثل ألمانيا (النازية) وإيطاليا (الفاشية) واسبانيا (دكتاتورية فرانكو) واليونان والبرتغال (حكم العسكر) وبين إرادة فرضها في بلدان لم تعرفها أبدا مثل العراق وأفغانستان.

ويعيد المؤلف إلى الأذهان ما قاله وفعله الغربيون منذ 15 سنة من تصريحات وخطابات وعقوبات، باسم الديمقراطية، حيال الروس والصينيين والعرب والأفارقة وغيرهم. ويخرج من هذا بالتأكيد أنه قد حان الوقت لفهم أن محاولة تصدير الأنظمة الديمقراطية يمثل مسارا لابد إلا أن يؤدي في كل الأوقات تقريبا إلى عكس الهدف المنشود، أي إلى رفض عملية «التطعيم» الديمقراطي.

وتتم الإشارة هنا إلى بعض «الأوهام» الخاصة بالأوروبيين والكنديين أيضا ولا يشاركهم بها الأميركيون عامة مثل القول بالمجتمع المدني الدولي والذي لا يستطيع أحد أن يعرّف بدقة إطاره ومحتواه الحقيقي. وهناك أيضا أوهام «أوروبية» حول آلية عمل منظمة الأمم المتحدة والعدالة الدولية.

ووهم حول «ضبط قواعد العولمة» في الوقت الذي تمثل فيه العولمة المفروضة من قبل الاقتصاد الأميركي أساسا نوعا من «رفض الضوابط» والتأكيد على حرية السوق والمنافسة. ويشير المؤلف إلى وهم، فرنسي خاص، حول أوروبا القوية والذي يرتبط معه وهم آخر حول «تعددية الأقطاب» في العالم. وتبدو أوروبا القوية حسب هذه الرؤية «الواهمة» كامتداد للقوة الفرنسية وكوزن مقابل للقوة الأميركية.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف