يواصل تشالمرز جونسون تقديم ما يمكن اعتباره أقسى الانتقادات لسياسات بلاده على النحو الذي قد يبدو غريبا للقارئ ومثيرا للدهشة، في ضوء ما قد يراه البعض من أنها تعبر عن مخاوف مبالغ فيها، غير انه مما يشير إلى أهمية الرؤى التي قدمها المؤلف في كتابه الذي نعرض له أنه يحتل حتى لحظة تناوله بالنقاش المرتبة الخامسة ضمن قائمة مجلة «الفورين آفيرز» لأفضل عشرة كتب سياسية مبيعا.

فضلا عن ذلك فإنه مما يشير إلى حيوية القضية التي يناقشها ويشير إلى حالة من الجدل بشأنها في الولايات المتحدة أنه يأتي ضمن سلسلة إصدارات تقوم على مناقشة المنحى الأميركي لتكوين إمبراطورية وتأثيرات هذا الاتجاه وما يرتبط بذلك من قضايا عديدة يتم طرحها للنقاش في ضوء الواقع الذي يكشف عن تخبط الإدارة الأميركية في سعيها لتعزيز تلك السياسة. ونلاحظ أن المؤلف يحذر في أكثر من موقع في كتابه من مغبة الاستمرار في السياسة الحالية للولايات المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وخاصة فيما يتعلق بالنزعة العسكرية التي تطلق يد أجهزة الدولة العسكرية لكي تفعل ما تشاء من دون خوف من رقيب أو حسيب في ظل تغييب المؤسسات الديمقراطية في البلاد التي يفترض أن تكون صمام الأمان.

في ضوء ما ذكره المؤلف بشأن ما وصفه بإمبراطورية القواعد من مساع لترسيخ الولايات المتحدة أقدامها في آسيا الوسطى مستغلة في ذلك الحرب على أفغانستان، فإنه يقوم بنقلة أخرى قد تبدو غريبة وتلقي الضوء بشكل جلي على مقولة استغلال الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب من أجل تحقيق أهداف خاصة تعزز هيمنتها على النظام الدولي، حيث ينتقل بنا إلى أميركا اللاتينية حيث لا نعلم الكثير من خباياها فيذكر لنا أبعاد وتطورات تكشف لنا ما يراه من زيف الإدعاءات الأميركية وأن الأمر لا يعدو كونه تعزيزا للهيمنة.

من أبرز الأمثلة التي يقدمها في هذا الخصوص ذلك المتعلق بباراغواي. لقد كانت تقديرات البنتاغون تؤكد على الحاجة إلى وجود قاعدة عسكرية في قلب أميركا اللاتينية بالقرب من بوليفيا التي تعتبر أفقر دولة في القارة لمراقبة تطورات الوضع هناك والتمتع بالقدرة على التدخل في حال حدوث تحولات غير مرغوب فيها من قبل حكومة إيفو موراليس إثر قيامها بتأميم ثاني أكبر حقل لإنتاج الغاز في أميركا اللاتينية.

وعلى الفور بدت باراغواي الموقع الأمثل لتحقيق ما يريده قادة البنتاغون .. فهي دولة صغيرة ـ عدد السكان نحو 3,6 ملايين نسمة ـ وفقيرة وتطل على بوليفيا وأما علاقاتها التجارية الخارجية فمحدودة تتركز في جارتيها الأخريين الأرجنتين والبرازيل. وعلى ذلك كان البحث عن مدخل لتحقيق الهدف من أجل إقامة قاعدة عسكرية أميركية هناك.

مدخل وهمي

لقد تمثل ذلك في أمر يبدو مثيراً للدهشة فهناك يوجد نحو 15 ألف مهاجر لبناني يعيشون في إحدى المدن التي تقع على الحدود مع البرازيل والأرجنتين. وهنا يوضح المؤلف أن الكثير من هؤلاء اللبنانيين وصلوا منذ أكثر من 20 سنة وأنهم على شاكلة نظرائهم من المهاجرين اللبنانيين السابقين في أميركا اللاتينية مثل ساو باولو بالبرازيل ركزوا أنشطتهم في صناعات النسيج.

مضيفا أن الكثير من السوريين واللبنانيين بدأوا في الهجرة إلى أميركا اللاتينية منذ أكثر من 120 سنة مضت، وأن عددد اللبنانيين في دولة مثل البرازيل مثلا يقدر بنحو 9 ملايين نسمة أو ما نسبته 5% من السكان البالغ عددهم 186 إلى الحد الذي يشير فيه جونسون ـ والعهدة عليه ـ إلى أن عدد اللبنانيين في البرازيل يفوق عددهم في بلدهم الأصلي.

غير أن الموقف بشأن هذه المنطقة المتماسة مع البرازيل والأرجنتين تحول فجأة إثر إعلان بوش الحرب على الإرهاب لتصبح منطقة تمثل خطرا على الأمن الدولي وأنها مأوى للإرهابيين الفارين من الشرق الأوسط وسط إحياء أقوال قديمة بأنها منطقة لتهريب المخدرات وغير ذلك. المشكلة أن من أثاروا هذا الجانب من قبل الولايات المتحدة لم يكن لديهم أي دليل على ذلك ولم يكن الأمر يتجاوز الرغبة في توظيف مزاعم سياسية من أجل تحقيق هدف آخر.

وفي معرض التأكيد على ما يذهب إليه يورد المؤلف تصريحا لمسؤول أمني برازيلي يشير يه إلى أنه إذا كان من الصحيح أن المنطقة قد تكون تعاني من مشكلة تهريب مخدرات، إلا أن مشكلة الإرهاب تلك غير واردة على الإطلاق. وهذا ما يدعمه، وفق المؤلف، تقرير الخارجية الأميركية ذاته الذي يشير إلى أنه على مدى الفترة من 1961 وحتى 2003 فإن ما نسبته 2 ,1% فقط من أنشطة الإرهاب الدولي وقعت في إطار البرازيل وأوروغواي وتشيلي.

ومع ذلك فقد أصرت البنتاغون على أن حكومة باراغواي في حاجة ماسة إلى المساعدة من اجل مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات عارضا إرسال بعثة عسكرية وفي ذات الوقت مساعدات طبية وعلى هذا الأساس بدأ اختراق باراغواي من قبل الأميركيين.

وبعد مفاوضات وصل البنتاغون إلى هدفه حيث أقر البرلمان في باراغواي اتفاقية مع الولايات المتحدة تسمح لنحو 400 من القوات الخاصة بالدخول إلى البلاد في الأول من يوليو من عام 2005. ووفقا لما نشرته إحدى الصحف في باراغواي فإن البرلمان هناك اقر الاتفاقية من دون معرفة كافية ببنودها وأبعادها.

تكريم الرئيس

يذكر جونسون في إشارة إلى آليات السياسة الأميركية أنه من أجل تليين موقف باراغواي حرصت واشنطن على تكريم قادتها حيث استقبل بوش رئيس باراغواي الجديد المنتخب في 26 سبتمبر 2003 في البيت الأبيض وكان أول رئيس من باراغواي يتم تكريمه من قبل البيت الأبيض. كما أحسنت الإدارة الأميركية وفادة نائب الرئيس في يونيو 2005.

غير أن المفاجأة الأكثر إثارة للدهشة التي يشير إليها المؤلف بعد عرضه لكل هذه التطورات أن أول قوات أميركية تحط في باراغواي في صيف 2005 توجهت إلى مكان آخر مخالف تمام للمنطقة الحدودية المتهمة بإيواء إرهابيين، حسبما يتوقع المرء وفق الأطروحات الأميركية، حيث نزلت هذه القوات في مطار قديم يقع شمال باراغواي وغير بعيد عن الحدود البوليفية وأقامت قاعدة هناك.

يقول تشالمرز جونسون: لقد كان ذلك كافيا لإقناع الكثير من مواطني باراغواي وغيرهم من الجيران في البرازيل والأرجنتين أن الأمر لم يكن أكثر من مسعى لإقامة قاعدة في قلب أميركا اللاتينية.

الأمر الذي يخلص منه المؤلف إلى أن العسكرة أصبحت هي السمة الأساسية للسياسة الأميركية في فترة حكم بوش وهي كما يعرفها جونسون تلك الظاهرة التي تضع فيها هيئات القوات المسلحة في البلد بقاءها المؤسساتي فوق الأمن القومي أو حتى الالتزام بكلية البنية الحكومية وسلامتها والتي هي جزء منها.. وحينما يتحول الجيش إلى مؤسسة للعسكرة فإنه يبدأ بشكل طبيعي في إزاحة جميع المؤسسات الأخرى المكرسة لإدارة العلاقات مع البلدان الأخرى داخل الحكومة.

وفي هذا الخصوص، وفي إشارة إلى جذور ذلك التفكير لدى أركان الإدارة الحالية، يذكر المؤلف أنه في أوائل التسعينيات بعد سقوط جدار برلين، وفيما كان عقد الإتحاد السوفييتي ينفرط أصر ديك تشيني رئيس البنتاغون آنذاك على زيادة الإنفاق العسكري بدعوى أن احتياج الولايات المتحدة سيتواصل إلى أسطول بحري كبير للتعامل مع الصراعات المسلحة والتهديدات لحماية مصالح أميركا في أماكن مثل آسيا وأميركا اللاتينية، وبعد شهرين حينما كشف البيت الأبيض عن إستراتيجية جديدة للأمن القومي أمام الكونغرس وصف العالم الثالث بصفته بؤرة محتملة للصراع.

تحول ملموس

يقر المؤلف، في دلالة على التحول الذي شاب السياسات الأميركية بعد أحداث سبتمبر، بأنه كان هناك على الدوام مكون عسكري في الإدارة التقليدية للسياسة الخارجية وأن أشخاصا من خلفيات عسكرية كثيرا ما لعبوا أدوارا بارزة كرجال دولة مدنيين بين آونة وأخرى. كان العسكريون يتجاوزون حدود ما توقعه الجمهور منهم مثل الدعم السري والتمويل غير المشروع للجيوش اليمينية في أميركا الوسطى أثناء إدارة ريغان.

لكن بشكل عام ووفقما يرى جونسون فإنه ظل ثمة حفاظ على التوازن لصالح القيود الدستورية على القوات المسلحة واستخدامها بيد أن هذا كله تغير بحلول 2002 حيث لم تعد للولايات المتحدة سياسة خارجية، وإنما أصبح لها بدلا من ذلك إمبراطورية عسكرية.

وإذا كانت هذه ملامح الأزمة وفق رؤية المؤلف والتي قد يختلف معه الكثيرون في تحديدها على هذا النحو في ضوء ما قد يرونه مبالغة في الإشارة إلى المخاطر التي تحيط بالولايات المتحدة فضلا عن مبالغتها في الإشارة إلى التجاوزات التي تقوم بها الإدارة الأميركية الحالية فإنه يشير في معرض حديثه الختامي إلى أن الأزمة التي تواجه الولايات المتحدة ليست فقط فشل السياسات العسكرية لإدارة بوش، في العراق وأفغانستان.

وفقدان أجهزة الاستخبارات الأميركية لمصداقيتها، أو حتى انكشاف أمر سجون ومعتقلات التعذيب السرية، وإنما تتجاوز الأزمة هذه الأوضاع بكثير، لتتمثل في تنامي انعدام الثقة وحالة عدم الرضا من قبل المجتمع الدولي في مواجهة احتقارنا لسيادة القانون.

ويستعرض جونسون كذلك أسس الدستور الأميركي التي يبدو من سياق تناوله أنها تتناول مثاليات الواقع الأميركي التي هي أبعد ما تكون عن الواقع، حيث يشير إلى إن المادة السادسة من الدستور الأميركي تنص على أن كل المعاهدات التي تم توقيعها أو تلك التي سيتم التوصل إليها من قبل الولايات المتحدة يجب احترامها والحرص على تطبيقها.

وهذا هو حال اتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تغطي المعاملة الخاصة بالأسرى والمدنيين خلال وقت الحرب، وهى اتفاقات شجعتها حكومات الولايات المتحدة ووقعت عليها وأقرتها.

ومن أجل ذلك فإنها تفرض على الدولة التزاما باحترامها وهو أمر تكشف التطورات الأخيرة الخاصة بقضية السجون السرية أنه غير قائم رغم تأكيد نصوص الدستور الأميركي على أنه ليس للرئيس أو لوزارة الدفاع أو أية جهة أخرى في الدولة خيار في الالتزام بهذه الاتفاقيات.

ديمقراطية مزعومة

يقدم جونسون أمثلة عملية على صحة ما يذكره، حيث يؤكد أنه على الرغم من الدعاية الأميركية المكثفة بشأن تحقيق الديمقراطية أو جلبها للناس في كل من العراق وأفغانستان فإن معظم المواطنين هناك لديهم شعور بأن حياتهم قد قلبت رأسا على عقب، أو بمعنى آخر تم هدمها. وهنا يشير إلى امرأة عراقية مجهولة واصفا إياها بالشجاعة راحت تعرب عن دهشتها من الدعاوى الأميركية بجلب الديمقراطية وتناقضها مع صور التعذيب في سجن أبو غريب ومشاهد الجنود الأميركيين الذين يقتحمون المنازل ويرعبون النساء ويجرون العراقيين واضعين أقدامهم فوق رؤوسهم، مشيرة إلى أن القوات الأميركية تقتل المدنيين وبدم بارد.

وضمن إشارته وتدليله على سوء الصورة التي آلت إليها بلاده لدى المواطنين العرب يشير إلى أنه في معرض الإجابة على سؤال استطلاع للرأي أجراه معهد زغبي الدولي لنحو 3300 مواطن عربي من مصر والأردن ولبنان والسعودية والإمارات بشأن الشيء الطيب الذي يرد على ذهنهم لدى ذكر الولايات المتحدة، كانت إجابة الجميع تقريبا لاشيء مضيفا أنه يوجد تقريبا نحو 3 ,1 مليار مسلم على مستوى العالم يمثلون ما نسبته 22% من سكان العالم وأنه بفعل سياستنا تحولوا إلى مناهضين للولايات المتحدة.

وفي تشخيصه لسبب تلك الحالة يرجعها المؤلف إلى النزوع الإمبراطوري قائلا: منذ اللحظة الأولى التي اضطلعنا فيها بالدور الذي تضمن الهيمنة العسكرية على العالم أصبحنا بمفردنا بلدا يخشاه العالم ، يكرهه، ويعتبره فاسداً مفسداً، فهو يبقي على النظام من خلال إرهاب الدولة والرشوة ويدمن خطاب جنون العظمة والسفسطة ، الأمر الذي استفز بقية العالم على التوحد ضدنا.

أحادية فجة

ضمن انتقاده لما يراه مساع للهيمنة من بلاده يرى المؤلف أنه في دلالة شديدة الوقاحة على الأحادية العسكرية، تتحدث قيادة الفضاء ومكتب الاستطلاع القومي علنا عن إنكار استخدام الفضاء لأهداف إستخباراتية على أي بلد في أي وقت، ليس بالنسبة للأعداء فقط بل وللحلفاء أيضا متطرقا في ذلك الصدد إلى تصريح لمسؤول عسكري أميركي يقول فيه : «إذا لم يعجب الحلفاء النموذج المعياري الجديد للهيمنة على الفضاء فعليهم أن يتعلموا أن يقبلوه.. لن يمنحوا أي حق للفيتو».

ويضيف المؤلف أنه لسوء الحظ فإن النظام السياسي الأميركي قد لا يملك القدرة على إنقاذ الولايات المتحدة على نحو ما يتصوره الكثيرون إزاء حقيقة صعوبة تخيل وجود رئيس أو كونغرس يمكنه الوقوف في وجه رؤى البنتاغون وأجهزة الاستخبارات ومجمعات الصناعات العسكرية.

ويشير تأكيدا على ذلك إلى أن نحو 40% من ميزانية الدفاع تدخل بنودها في النطاق السري وأنه يكاد يكون من المستحيل على الكونغرس أن يقوم بالكشف عنها أو معرفة كنهها حتى لو أراد أعضاؤه ذلك.

وعلى ذلك يؤكد تشالمرز جونسون أن الوضع في بلاده لن يتحسن إذا ظلت الحرب المتواصلة تهدد العالم ، معتبرا أن العسكرة والإمبريالية الحكومية تهددان الديمقراطية في الداخل بمثل ما تهددان استقلال وسيادة البلدان الأخرى. ويعبر المؤلف عن رؤية بالغة التشاؤم وإن كان يسندها إلى تصريحات يستنتج منها رؤيته فيشير إلى أنه إذا كانت قدرة الرئيس بوش ومن يسميهم مجموعته من المتعصبين على تغيير الأنظمة في عدد كبير من البلدان تبقى موضع تساؤل، فإنهم في سبيلهم لإحداث هذا التغيير داخل الولايات المتحدة.

ويستند في ذلك إلى أن الرئيس بوش تندر في المناظرة الرئاسية الثانية في أكتوبر 2002 قائلا: «لو أن هذا البلد ذو نظام ديكتاتوري، لكانت الأمور أكثر سهولة بكثير طالما كنت أنا الديكتاتور». وقد أكد بوش نفسه، بشكل غير مباشر، أن ما قاله يتجاوز المزاح وأنه يعبر عن مكنون فكره، على شاكلة ما يعتبره الكثيرون زلة لسان بشأن إشارة بوش إلى الحرب الصليبية رغم أن كافة الظروف تؤكد أنها غير ذلك.

ففي رد له على سؤال وجهه له الصحافي المعروف بوب وودوارد راح بوش يقول: أنا القائد.. لا حاجة لي إلى التفسير، ليس ثمة ما يدعوني إلى تفسير أسباب أشياء أقولها، هذه أهمية أن تكون رئيسا، ربما يجب على الآخرين تفسير ما يقولون لكنني لا أشعر بأنني مدين لأي شخص بأي تفسير.

وبالفعل كانت فترة إدارة بوش فترة تزايد النزوع فيها إلى تكريس الأمور في يد السلطة التنفيذية مع نزوع إمبراطوري، مؤكدا على أنه ليس ثمة شك على أن الطريق الذي تنطلق فيه الإدارة سيؤدي إلى صيغ جديدة من خليج الخنازير وإلى تكرار سيناريوهات شبيهة بما جرى خلال حرب فيتنام وأنه حينما تقع تلك الكوارث.

فإن العالم الذي أصيب بالغثيان من خيانتنا للمثالية التي ارتبطت بها الولايات المتحدة سيرحب بها تماما كما فعلت غالبية الناس لدى انهيار الإتحاد السوفييتي. ومثل إمبراطوريات القرن الماضي الأخرى فإن الولايات المتحدة لم تميز نفسها كدولة تتحلى بالحكمة وتعيش في ازدهار وسلام بل ميزت نفسها كقوة عسكرية هائلة في مواجهة كوكب مقاوم غاضب.

ويؤكد جونسون في معرض رفضه لهذه التطورات على أن هناك تطوراً واحداً يمكنه أن يوقف تلك المسيرة المغالية في طموحها، وهو قيام الشعب باستعادة مقاليد الأمور والتحكم في الكونغرس وإصلاحه ومعه القوانين الانتخابية التي جعلت من الكونغرس منتدى للمصالح الخاصة كي يحوله إلى جمعية تشريعية تمثيلية ديمقراطية حقه وبذلك يوقف إمداد البنتاغون ووكالات الاستخبارات السرية بالأموال.

تقويض رؤية المؤسسين

يختتم المؤلف كتابه بالإشارة إلى أنه حاول من خلال مادته أن يقدم الأدلة التاريخية والسياسية والاقتصادية والفلسفية التي تشير إلى أين يمكن أن تقود السياسات الأميركية الحالية البلاد.

وبشكل خاص في ضوء اعتقاده أنه لكي تحافظ الولايات المتحدة على إمبراطوريتها الخارجية فإن ذلك يتطلب مصادر مادية والقيام بالتزامات معينة من المحتم أن تقوض على نحو كبير الديمقراطية داخل البلاد وتنتج في نهاية المطاف ديكتاتورية عسكرية أو ما يوازيها مدنيا، مضيفا أن الآباء الأوائل المؤسسين للجمهورية أدركوا ذلك منذ البداية وعملوا على إنشاء صيغة حكم تعتمد الأساس الجمهوري والذي يمكن أن يجنب البلاد حدوث مثل هذا السيناريو.

غير أن التطورات على صعيد الواقع سواء لجهة المركب الصناعي العسكري والذي أدى إلى خوض البلاد حروبا متواصلة دمر أساس الجمهورية لصالح رئاسة إمبريالية. ويعيد التأكيد على الهاجس الذي يشغله ويتمثل في أن الولايات المتحدة على وشك أن تفقد أساسها الديمقراطي لصالح الحفاظ على وضعها الإمبراطوري.

وفيما يبدو معادلة يرى أن التاريخ يقدمها لنا يقرر تشالمرز جونسون أنه بمجرد وصول أمة إلى هذا الوضع فإن سنة انهيار الإمبراطوريات تبدأ فعلها، حيث تبدأ بمواجهة نوع من العزلة وسط إتحاد القوى المختلفة ضدها في مواجهة سياساتها الإمبراطورية مضيفا أن التاريخ يقدم لنا الدروس بشأن هذا الأمر. ويقول: إذا أردنا الحفاظ على إمبراطوريتنا كما فعل الرومان، فإننا سوف نخسر ديمقراطيتنا، ونواجه حالة من الانتقام المضاد من قبل القوى الرافضة لهيمنتنا.

غير أن ذلك لا يعني أن كافة الطرق مسدودة أمام البحث عن مخرج فهو يرى أنه يوجد خيار أخر بديل مشيرا إلى النموذج البريطاني حيث تخلت لندن في أعقاب الحرب العالمية الثانية عن طموحها الإمبراطوري مقابل الحفاظ على ديمقراطيتها رغم تحفظه على قبول بريطانيا مساندة بلاده في غزوها للعراق.

مؤكدا على أن هذا الخيار يعد من التراث البريطاني الذي ينبغي أن يحظى بالتقدير. وحتى لا يساء فهمه إزاء ما يقدمه من وجهات نظر قد تبدو صادمة يؤكد المؤلف على أنه ليس من أنصار تلك الفئة التي تدعو وتناصر فكرة وراثة الولايات المتحدة عبء الرجل الأبيض من سابقتها بريطانيا واتباع نهجها الإمبراطوري.

مواجهة النتائج

في خضم إشارته إلى إدراكه لطبيعة مواقفه التي قد تبدو غريبة يقرر أنه إذا كان مبالغا في تصوير الأخطار فإنه يعرب عن أمله أن تغفر له الأجيال المقبلة إذا كان مخطئا، مضيفا أن نموذجه في الموقف الذي يتخذه الصحفي الياباني هوتسومي أوزاكي والذي قدم له سيرة ذاتية في مرحلة سابقة.

لقد نشأ أوزاكي في تايوان لدى خضوعها للاستعمار الياباني، وتعلم في مدرسة صينية ولمع فيما بعد كصحفي موهوب وكان من بين رؤاه التي يؤكد عليها ويدافع عنها أن الاحتلال الياباني للصين سوف يؤدي إلى نتائج كارثية فضلا عن ردود فعل انتقامية من قبل الشيوعيين هناك.

لقد حاول أوزاكي تحذير حكومته بشأن هذا المصير السيئ الذي يمكن أن تؤدي إليه سياساتها غير أن الأمر انتهى به إلى مشنقة الإعدام بتهمة الخيانة العظمى من قبل الحكومة اليابانية مع نهايات الحرب العالمية الثانية.

يقول تشالمرز جونسون: إنني آمل ألا أواجه مصيرا مثل مصير أوزاكي غير أنني على يقين بما كان يؤمن به بالنسبة لبلاده وأرى أن الولايات المتحدة تسير على طريق خطر يجب أن تتخلى عنه أو أن تستعد لمواجهة النتائج.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق