يسعى المؤلف في هذه الحلقة إلى التأكيد على صحة رؤيته بشأن ما يراه من ممارسات أميركية تنتهك بشكل صارخ كافة القواعد القانونية والدستورية الداخلية أو حتى الدولية، ويقدم لنا عرضا تفصيليا لبرنامج تسليم المشتبه في قيامهم بأعمال إرهابية إلى دول صديقة لواشنطن لا تعترف بحقوق الإنسان أو توجيههم إلى سجون تابعة للسي آي إيه في عدد من الدول من أجل تعذيبهم، وهو البرنامج الذي كان بمثابة فضيحة مدوية للنظام الأميركي إثر تكشف أبعاده العام الماضي وما تبعه من تداعيات على صعيد الموقف في عدد من الدول الأوروبية.

يؤكد جونسون على أن الولايات المتحدة تشهد منذ أحداث 11 سبتمبر وانطلاق ما يعرف بحربها على الإرهاب تحولاً واضحاً من الديمقراطية إلى الاستبداد من خلال فرض قيود على حرية المعلومات وإصدار تشريعات تتيح اعتقال المشتبه بهم لفترات غير محدودة من دون توجيه تهم لهم أو محاكمتهم، ويشبه الأزمة التي تمر بها القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم بتلك التي مرت بها الإمبراطورية الرومانية في عهد يوليوس قيصر ويقول إنه إذا لم تستطع واشنطن أن تتغلب على هذه الأزمة، فإنها تكون قد دخلت الأيام الأخيرة للجمهورية الأميركية.يشير المؤلف في إطار استعراضه لهذه القضية إلى أن فظائع عديدة ارتكبت في هذا الصدد وهى فظائع هيأت لها الأجواء رؤية الإدارة الأميركية الحالية لمهمتها والتي تقوم على التخلي عن أية قيود لتحقيق أهدافها.

ومما يؤكد ذلك ما يذكره المؤلف من انه في أعقاب تولي الرئيس بوش السلطة منح المخابرات الأميركية تفويضا يتم بمقتضاه إطلاق يدها في التعامل مع التطورات وليس كما كان معمولا به التعامل مع كل حالة بعد الرجوع إلى الإدارة وبمقتضى ذلك تواصلت عمليات الاختطاف لمن يتم توصيفهم بالإرهابيين.

ويستعرض في هذا الخصوص التحقيقات التي تمت بمقتضى طلب من البرلمان الأوروبي والتي أشارت إلى تعاظم الرحلات التي كانت تشرف عليها السي آي إيه بما كان يفوق خيال أي شخص حيث سيرت السي اي ايه نحو ألف رحلة عبر الأراضي الأوروبية منذ 11 سبتمبر. وأشار التقرير إلى تورط عدة دول أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا والسويد ورومانيا في اختطاف واعتقال من يزعم بانتمائهم إلى الإرهاب من دون توجيه تهم لهم أو تقديم أدلة ضدهم.

كما أشار التقرير، حسبما ينقل عنه جونسون إلى انتهاك الولايات المتحدة والدول التي تعاونت معها لحقوق الإنسان بما في ذلك الميثاق الأوروبي. وحسب جونسون فإن الرئيس بوش المح في خطابه إلى الأمة عام 2003 إلى هذا البرنامج حيث أشار إلى أن بعض الإرهابيين الذين لم يتم القبض عليهم ومحاكمتهم تم التعامل معهم، مشيرا إلى أن نحو ثلاثة آلاف إرهابي تم القبض عليهم في دول مختلفة وأن مئات آخرين لقوا مصرعهم.

الأمر نفسه أكد عليه مسؤول آخر في الإدارة الأميركية هو كوفر بلاك الذي تولى إدارة مركز مكافحة الإرهاب في الاستخبارات الأميركية في الفترة من 1999 إلى 2002 بإشارته إلى أن العديد من الإرهابيين الآن لا يستطيعون القيام بعمليات إرهابية حيث إنهم قيد الاعتقال وأن أكثر من 3 آلاف من هؤلاء هم من إرهابيي القاعدة وقد تم القبض عليهم في أكثر من 100 دولة.

ويشير المؤلف في سياق نقده لهذا البرنامج الذي اعتمدته السي اي ايه وسيلة للإيقاع بمن يوجد شك في انتمائه إلى تنظيمات إرهابية إلى أن منظمة هيومان رايتس ووتش حددت أكثر من 44 مركزا سريا للاعتقال منها ثلاثة مراكز في العراق بينها سجن ابوغريب وكذلك معتقل غوانتانامو وعدد آخر في دول عربية وآسيوية. ويطلق على المعتقلين في هذه السجون «المعتقلون الأشباح» ولا توجه لهم تهم محددة ويتم إخفاؤهم عن مفتشي المنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان.

وطبقا لروبرت بير مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية في الشرق الأوسط فقد أشار في كتاب له بعنوان «النوم مع الشيطان».. إلى أن الأميركيين يقومون باعتقال المشتبه بهم أو ترتيب ذلك لأحد الأقطار ثم يتم الإعداد لتسليم المختطف إلى قطر ثالث حيث يجري التعامل معه.

ويؤكد المؤلف على أن هذه العمليات إنما كانت تمثل انتهاكا لكافة القواعد الدستورية وأن المشكلة أن السي اي ايه تجاهلت أنها ستظهر إلى السطح ويعلم بها الناس الأمر الذي يبدو أنها لم تتخذ الاحتياطات الكافية لذلك.

ورغم ذلك يذكر أنه كانت هناك محاولات لإخفاء معالم هذه القضية، ومن ذلك أنه لدى تحديد هوية إحدى الطائرات التي قامت بعملية من هذا النوع ومحاولة صحافيين الوصول إلى مسؤولي الشركة التي تملك الطائرة لمعرفة أبعاد القضية تم بيع الطائرة على الفور إلى شركة أخرى وتم تغيير رقم التسجيل الخاص بها من أجل التضييق على محاولات معرفة تفاصيل ما قامت به الطائرة.

براءة المعتقلين

يذكر المؤلف حالة تتعلق بمواطن عربي حصل على الجنسية الكندية تم اعتقاله على خلفية اتهام بالانخراط في أعمال إرهابية وهو ماهر عرار الذي تم نقله في نعش من مطار كينيدي في نيويورك إلى مطار دولة عربية ثم إلى مطار دولة عربية أخرى على خلافات عميقة مع واشنطن حيث جرى تعذيبه لمدة عشرة شهور قبل أن يتم الإفراج عنه باعتبار أنه تم القبض عليه بطريق الخطأ.

وضمن ما يشير إليه المؤلف في هذا الصدد تعاون دولة مثل السويد مع السي أي ايه في برنامجها المتعلق بتسليم من يشتبه في انتمائهم أو اتهامهم بالقيام بعمليات إرهابية وهو ما يدحض ما أعلنته عدة حكومات أوروبية من أنها كانت تجهل وجود هذا البرنامج. وهنا يذكر أنه تم اعتقال شخصين مصريين بتهمة انخراطهما في أعمال إرهابية وبعد رحلة تعذيب وسجن ثبت أنهما بريئان.

وقد أضرت هذه الحادثة بسمعة السويد كواحدة من دول العالم التي تولي اهتماما كبيرا بحقوق الإنسان. كما يشير إلى عملية اختطاف أبو عمر (المصري) من إيطاليا باعتبارها واحدة من أكثر عمليات الاستخبارات الأميركية فشلا والتي تمت حسبما يذكر بناء على توجيهات الرئيس بوش.

وباستعراض هذه القضية، ينتقد المؤلف الدور المختزل لمهام السي آي أيه والذي أصبح يتمحور حول تسليم الأبرياء كما في حالتي السويد وإيطاليا وتسليح جماعات من دون معرفة دوافعها الحقيقية وإعاقة الحكومات الديمقراطية التي لا تتوافق توجهاتها بالكامل مع توجهات السياسة الأميركية وهو الأمر الذي لا يتوافق مع الهدف من تأسيس الاستخبارات.

ويخلص المؤلف من ذلك إلى انحراف المخابرات عن وظيفتها وهو ما يؤدي به إلى الطرح الذي أشرنا إليه في الحلقة السابقة بأنه يتم إحالة جميع المعلومات إلى الخارجية الأميركية في ضوء هذا التحول الذي يعكس فشل السي آي إيه. إن وظيفة الاستخبارات، حسبما يذكر، إنما يتمثل في مساعدة الرئيس على رؤية الصورة في إطارها العام وأن تقدم تحذيرات مبكرة بشأن ما يمكن أن يقع من أزمات في المستقبل.

استبداد الديمقراطية

يحاول المؤلف أن يقدم لنا تفاصيل الصورة كاملة على صعيد التعاطي الأميركي مع العالم الخارجي.. في ضوء أن السياسات الأميركية لا تنطلق من فراغ وإنما توجد بيئة تتحرك فيها تساعد على سلوك هذه السياسات دون عقبات تذكر.

وعلى هذا فإذا كان القارئ قد يستغرب للتحولات التي انتابت الوضع الأميركي على النحو الذي يصفه المؤلف بأنه يتجه إلى نمط استبدادي يقضي على الديمقراطية فإن ذلك قد يجد جانبا من تفسيره في القيود التي فرضتها إدارة بوش على حرية المعلومات، على النحو المشار إليه بشأن قضية اختطاف المشتبه في انتمائهم إلى تنظيمات إرهابية وهو الأمر الذي تكشف متابعة حقيقته عدم صحة الكثير مما تردده الولايات المتحدة في هذا الشأن.

إن الحقيقة التي يؤكد عليها تشالمرز جونسون تتمثل في أن القيود التي فرضتها إدارة بوش على حرية المعلومات جعلت متابعة الأميركيين لما تقوم به الإدارة أمرا بالغ الصعوبة، معتبرا أن بوش بهذا المسلك وضع الولايات المتحدة على طريق أزمة شبيهة بتلك التي وضع فيها يوليوس قيصر الدستور الروماني وانه إذا لم تكن الولايات المتحدة لديها الوسيلة أو الإرادة للتغلب على هذه الأزمة فإنها بذلك تكون قد دخلت آخر أيام الجمهورية.

تقييد حرية المعلومات

يشير المؤلف إلى أنه من بين الدلائل التي تكشف عن فشل سياسة الإدارة الأميركية عمليات الاعتقال التي قامت بها إدارة بوش في أعقاب هجمات 11 سبتمبر للكثير من الأميركيين والاحتفاظ بعمليات الاعتقال في نطاق السرية دون الكشف عن أبعادها بما في ذلك أسماء المعتقلين والتهم الموجهة لهم.

فلم تقتصر عمليات الاعتقال على الخارج وإنما امتدت إلى الداخل ما يعزز الفرضية التي يؤكد عليها الكثيرون من تراجع الحريات في الولايات المتحدة ذاتها إلى حد كبير بعد أحداث سبتمبر على نحو يثير التساؤلات بشأن مستقبلها.

وكما أشارت باحثة في مركز دراسات الأمن القومي «إننا نجد أنفسنا إزاء موقف تقوم فيه الحكومة بالقبض على أكثر من ألف شخص بشكل سري وتدعها المحكمة تواصل هذه السياسة فيما لم يثبت اتهام أي من المقبوض عليهم بشأن تورطه في هجمات 11 سبتمبر».

إن تكلفة هذه السياسة باهظة فهذا يعني موت الديمقراطية خلف الأبواب المغلقة، الأمر الذي تبدو مظاهره في العديد من جوانب السياسة الأميركية يرى المؤلف أن بعضها كان قائما في الإدارات الأميركية السابقة.

وإن كانت إدارة بوش تمثل تتويجا لها. وفي ذلك يشير إلى أنه على مدى الثلاثين سنة الماضية يواجه الكونغرس حالة فريدة من نوعها تتمثل في خوض الحروب على أسس كاذبة كما حدث في فيتنام، وقيام السي آي ايه بمحاولات اغتيال للزعماء الأجانب مثل الرئيس نجو دينه ديم في فيتنام الجنوبية عام 1963 والإطاحة بالحكومات التي لم تقم بعمل شيء معاد للولايات المتحدة مثلما حدث في تشيلي.

ومن الغريب هنا ما يذكره المؤلف من أن ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي، وهو عنصر فاعل في الإدارة الحالية وقف لعدة سنوات معارضا الأمر الرئاسي لفورد رقم 11905 الصادر في 18 فبراير 1976 والذي يقضي بعدم تدخل أي من أفراد حكومة الولايات المتحدة أو انخراطهم في تآمر يتعلق بعملية اغتيال سياسي،.

ورغم ذلك فإن تشيني نفسه يعرب عن اعتقاده أن السلطة التنفيذية تقلصت على مدى الثلاثين عاما الماضية، وهو ما يثير التساؤل عن حدود الدور الذي يريده تشيني لهذه السلطة والتأثيرات التي يمكن أن تخلفها حال إطلاق يدها تماما. ولعل ذلك يعبر عن طبيعة رؤية الإدارة الحاكمة وهى الرؤية التي يجري تطبيقها على أرض الواقع.

وفيما يمثل نفيا لمزاعم تشيني ويؤكد في الوقت ذاته على تزايد مساحة السلطة التي تتمتع بها المؤسسة التنفيذية، يشير المؤلف إلى أن بوش وتشيني سنا بشكل منفرد مذهبا او مبدأ الحرب الوقائية ضد الأنظمة التي اعتبراها بحاجة إلى التغيير موجهين الجنود الأميركيين إلى تعذيب أشخاص أبرياء.

إمبراطورية القواعد

ضمن نطاق العسكرة التي يرى المؤلف أنها تسم السياسة الأميركية خاصة في أعقاب أحداث سبتمبر تأتي القواعد الأميركية في الخارج والتي اعترفت وزارة الدفاع بوجود 737 منها في نطاق الجيش القائم في زمن السلم وتشكل استنزافاً دائماً لموارد الأمة فيما يظل ذلك الجيش بشكل يكاد يكون ثابتا غير مؤهل لخوض حرب حقيقية..

وعلى ما يذكر فإنه أي من الحاميات الموجودة في معاقل القواعد الكبيرة، مثل أوكيناوا في اليابان أو القاعدة الموجودة في ألمانيا، لم تشارك في أية معركة منذ الحرب العالمية الثانية وليس ثمة نية لإسهامها في الحروب، إنها كما يصفها المؤلف، المقار الرئيسية لقناصل الإمبراطورية وحكامها الإداريين.

ويذكر جونسون أن الحياة في الإمبراطورية الأميركية من خلال القواعد الموجودة في الخارج تذكر بالحكم العسكري البريطاني للهند وطقوسه العسكرية حيث لا يختلط العسكريون الأميركيون بمجرد أن يستقروا في تلك القواعد بالسكان المحليين أو المدنيين الأميركيين، ويقيمون في مدن مستقلة ذات سيادة، وهو ما يعلم الشباب الأميركي الصلافة والتمييز العنصري ويغرس فيهم المكونات الأساسية للشعور بالسمو العرقي كما كان حال نظرائهم من الإنجليز والفرنسيين في القرن التاسع عشر.

وتوفر القواعد العسكرية وسائل الترفيه المرادفة لديزني لاند والنوادي الراقية بالإضافة إلى المباني السكنية والمنشآت الرياضية والكنائس والمدارس وجميعها متاحة مجانا لهم أو برسوم بسيطة.

ويقول المؤلف إنه أيا كانت الأسباب التي تتذرع بها الولايات المتحدة لدخول بلد ما أو إقامة قاعدة بها، فإنها تبقى هناك لأسباب إمبريالية تعكس الرغبة في الهيمنة الإقليمية والعالمية. ومن الأرقام المذهلة التي يشير إليها المؤلف أن جملة المبالغ التي يتم إنفاقها على القواعد الأميركية في الخارج وفق تقرير عام 2005 يقدر بنحو 127 مليار دولار على الاقل وهو الرقم الذي يتجاوز بكثير الناتج القومي الإجمالي لعدد من الدول وليس دولة واحدة.

ويذكر أنه يوجد هناك أكثر من نصف مليون شخص أميركي في الخارج منتشرين في القواعد العسكرية التي يبلغ عددها 737 قاعدة حول العالم، في حدود المعلن عنه، مع العلم أن هناك قواعد أخرى لم يتم الإعلان عنها لأسباب تتعلق بطبيعة المهام والأهداف المناطة بها، والتي تتطلب أن تكون سرية، وتوجد هذه القواعد في أكثر من 130 دولة أغلبها دول تحكم من قبل أنظمة ديكتاتورية لا توفر لمواطنيها الحق في أن يقرروا أي شيء بشأن الوجود الأميركي هناك.

شرطي العالم

ومن المفارقات التي يشير إليها المؤلف أنه فيما تقوم المؤسسة العسكرية بإغلاق العديد من القواعد العسكرية الداخلية فإنها تواصل التوسع في القواعد الخارجية، وهو ما يؤكد مدى تراجع الاهتمام بحماية الدولة من الاعتداء الخارجي فيما يتم تكريس الاهتمام بتوسيع نطاق مظاهر الهيمنة في الخارج، في ضوء حقيقة أن الهدف الأساسي من هذه القواعد هو الإبقاء على الهيمنة الأميركية على العالم والقيام بمهمة شرطي العالم بما يضمن عدم قيام أي دولة سواء كانت عدوة أم صديقة بتحدي الوجود الأميركي.

وفي تأكيده على ما سبق، يذكر المؤلف أن الجيش الأميركي تمكن بسرعة تثير الدهشة من استغلال الحرب على الإرهاب للحصول على حقوق لإقامة قواعد عسكرية بأفغانستان والبلاد المحيطة بها، حيث احتلت القوات الأميركية مواقع ثلاثة رئيسية داخل أفغانستان نفسها هي مطار مزار الشريف في أقصى الشمال وقاعدة باجرام الجوية في ضواحي كابول ومطار قندهار الدولي بالجنوب بذريعة شن العمليات العسكرية المباشرة التي كانت قد انتهت إلى حد كبير في بداية عام 2002.

ومع انهيار طالبان وتشرذم القاعدة في المناطق الريفية وعبر الحدود الباكستانية حلت محل تلك القوات المقاتلة وحدات من الجيش عملت على إنشاء حاميات شبه دائمة، الأمر الذي دعا تومي فرانكس رئيس القيادة المركزية الوسطى في أغسطس 2002 إلى أن يؤكد على أن الجنود الأميركيين سيبقون بأفغانستان مدة طويلة مقارنا الوضع هناك بالوضع في كوريا الجنوبية حيث لا تزال قوات الجيش والقوات الجوية متمركزة هناك منذ ما يربو على نصف القرن.

اختراق آسيا الوسطى

ثم يشير المؤلف إلى مساعي الولايات المتحدة في إطار مد نطاق هيمنتها إلى إقامة قواعد بجمهوريات الاتحاد السوفييتي المستقلة وبشكل خاص في قيرغيزستان وأوزبكستان حيث يذكر أنه بعد أقل من شهر من هجمات سبتمبر تفاوضت الولايات المتحدة على عقود استئجار طويلة الأمد مع البلدين. وحسبما يذكر فإن الهدف من تلك القواعد لم يكن نشر أعداد كبيرة من القوات الأرضية.

حيث كانت قاعدة قيرغيزستان تقع على بعد 620 ميلا من الحدود الأفغانية ولم تتضمن استراتيجية واشنطن استخدام حشود كبيرة من القوات الأميركية. وفي الواقع فإن استخدام القواعد القرغيزية أو الأوزباكية لم يؤثر كثيرا في مسيرة الحرب كما أن المسافة بينها وبين العراق كانت كبيرة بدرجة لا تسمح لها أن تكون ذات فائدة تذكر في الحرب التي كان يجري التخطيط لها على قدم وساق.

كما لم تكن تهدف إلى الإمداد بقدر يذكر من المساعدات الإنسانية لأفغانستان لأن هذا الأمر ظل إلى حد كبير شأنا من شؤون الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي لا يسمح لها عادة باستخدام القواعد الأميركية وأيضا لم تنشأ تلك القواعد لحماية الأنظمة المحلية ضد المقاتلين المتشددين. وعلى ذلك واستنادا إلى اعتراف لبول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي يشير المؤلف إلى أن القواعد كانت وظيفتها سياسية أكثر منها عسكرية، ورغم ذلك تضم هذه القاعدة والمقامة على أكثر من 37 فدانا أكثر من 30 ألف جندي ومجندة.

أما في أوزبكستان فتم استئجار قاعدة أخرى حلت محل القاعدة السوفييتية الجوية القديمة خان آباد بالقرب من مدينة كارشي على مسافة مئة ميل من الحدود الأفغانية.

وقد منح البنتاغون شركة كلوج براون أند رووت أحد أفرع هليبرتون التي كان ديك تشيني رئيسا لها عقدا مفتوحا للتزويد اللوجستي للقاعدة بكل شيء بدءا من الوجبات الجاهزة إلى تزويد الطائرات بالوقود، وهى نفس الخدمات التي تمد بها هليبرتون منشآت عسكرية أخرى كثيرة حول العالم نظير أرباح طائلة.

ومواصلة لسياسات توسيع النفوذ، تسعى إدارة بوش إلى إنشاء قاعدة في طاجيكستان لكنها لم تحدد مكانها بعد كما أنها لديها بالفعل اتفاقيات مع أذربيجان وكازاخستان لاستخدام مجالهما الجوي.

وقد سمحت هذه الأخيرة للبنتاغون بإقامة مطار في عاصمتها السابقة لاستخدامه في حالة الطوارئ كما تتفاوض الولايات المتحدة في الوقت الحالي على حقوق لإقامة القواعد على شاطئ بحر قزوين بكازاخستان. أما تركمانستان فتعد الدولة الوحيدة من جمهوريات آسيا التي رفضت منح الولايات المتحدة حقوقا للقواعد أو لاستخدام مجالها الجوي والتي تبنت موقفا حياديا إزاء الصراع في أفغانستان.

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق