قد يكون هناك في هاييتي أحياء مهمشة تعيش تحت وطأة أسوأ الظروف، لكن أي منها لا يضاهي المستوى المحزن للعنف والبؤس اللذين يعصفان بحي سوتي سوليل، الواقع في قلب العاصمة بورت أو برنس.

حيث تشح المياه الصالحة للشرب ولا توجد رعاية صحية ومعظم سكانه، البالغ عددهم 300 ألف نسمة، يفتقرون للكهرباء وفرص العمل. «هنا نحتاج لكل شيء»، هذا ما أسر لي به، بصريح العبارة، عمدة الحي أثناء اللقاء الذي جمعنا، مؤخراً، بمناسبة زيارتي إلى هاييتي.

بيد أني شعرت، مع ذلك، بوجود بصيص من الأمل في سيتي سوليل. ففي مكاتب المجلس البلدي، هناك حكومة محلية تنبت جذورها في مجتمع كانت قد هجرته منذ زمن طويل. وقبالة مبنى المجلس البلدي تماماً، زرت مدرسة أعيد تأهيلها حديثاً، حيث اقترب الأطفال لتوجيه التحية لي وهم مبتهجون لمعرفتهم بدنو موعد السنة الدراسية الجديدة بينما كانت على مقربة منهم مجموعة من الشبان تلعب كرة القدم.

هذا الوضع لم يكن متصوراً قبل ديسمبر من العام الماضي عندما طلب الرئيس الجديد رينيه بريفال من القائمين على مهمة الاستقرار في هاييتي التابعة للأمم المتحدة أن يتدخلوا. وهذا ما حصل، بحزم وإرادة وفعالية ونشاط يمكن أن تشكل نموذجاً لأي تدخل دولي لحفظ السلام.

فلقد تمكنت قوات الأمم المتحدة من خلال عملية دامت ستة أشهر وإثر معارك طاحنة، من السيطرة على الحي، حيث تم اعتقال 880 من رجال العصابات، الذين أصبح زعماؤهم في السجن أيضاً، وحيث النتائج تتحدث بنفسها عن نفسها.

ففي شهر يونيو الماضي تم الإبلاغ عن ست عمليات اختطاف فقط بينما كان يصل عددها في السابق إلى 100 عملية في الشهر. أي أن الأمن عاد إلى طبيعته، ليس في أحياء سيتي سوليل فحسب، وإنما في بقية أرجاء العاصمة وفي مدن أخرى أيضاً.

كما لاحظت، أثناء زيارتي، مؤشرات أخرى على التقدم. فلأول مرة منذ وقت طويل، أصبح لدى هاييتي حكومة مستقرة ومنتخبة بشكل ديمقراطي ومقبولة على نطاق واسع من قبل سائر فئات المجتمع والأحزاب السياسية.

فضلاً عن أنه تم وقف الانهيار الاقتصادي. ولقد تم تقليص التضخم، الذي بلغ قبل ثلاث سنوات 40%، إلى 8% ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تحقق البلاد معدل نمو يصل إلى 5, 3% هذا العام، وذلك مقابل النمو السلبي الذي اتسم به الجزء الأكبر من العقد الماضي.

وبفضل تمديد العمل بالقوانين الجديدة، ارتفعت العائدات الضريبية بمقدار الثلث مقارنة بالعام الماضي. وبالطريقة عينها التي تمت من خلاها مواجهة العصابات في هاييتي، أعلن الرئيس بريفال الحرب على الفساد، الذي يعد آفة سيئة تطال جميع ميادين الحياة ، مبدياً بذلك شجاعة سياسية حقيقية.

أنا على اقتناع بأن هاييتي تمر بمنعطف تاريخي، ذلك أن البلد، الذي كان الأفقر في النصف الغربي من الكرة الأرضية وبدا لصيقاً بصورة دائمة بانعدام الاستقرار السياسي، أصبح لديه أمام نفسه أخيراً فرصة ذهبية للشروع في إعادة إعمار نفسه بمساعدة المجتمع الدولي عموماً والأمم المتحدة على وجه الخصوص.

ولقد كانت هاييتي هدفاً لخمس عمليات تدخل من جهات متعددة الجنسية، لكن تلك الجهات غادرت البلد بصورة مبكرة جداً وذلك قبل التأسيس لتغيير حقيقي أو أن جهود المساعدة كانت محصورة زيادة عن اللازم، ومقتصرة، على سبيل المثال، على عمليات المحافظة على الأمن أو الإشراف على الانتخابات.

هذه المرة لن يحدث الأمر نفسه، ولذلك سأطلب في أكتوبر المقبل من مجلس الأمن أن يمدد تفويض مهمة الأمم المتحدة في هاييتي لفترة تمتد إلى أكثر من الشهور الستة المعتادة. ولقد أكدت بطريقة واضحة للحكومة وللشعب في هاييتي أننا ننوي البقاء في البلاد حتى إتمام مهمتنا، محترمين رغباتهما، وطوال ما يتطلبه ذلك من وقت.

هاييتي تقترب من نهاية المرحلة الأولى من استعادة الاستقرار، القائمة على ضمان السلام والأمن، في حين يجب أن تتركز المرحلة الثانية على التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وفي حين تحتاج هاييتي أكثر من أي وقت مضى إلى مساعدات لبناء مؤسسات مدنية تعمل بشكل حقيقي، بدءاً بأجهزة فعالة ونزيهة للشرطة تعتمد على دعم نظام قضائي بعد إصلاحه.

ما يجعلني متفائلاً إلى حد كبير هو أن مجلس الشيوخ في هاييتي أقر، مؤخراً، تشريعاً جديداً وطموحاً باتجاه إعادة هيكلة السلطة القضائية على أن تكون فعالة ومستقلة وإنشاء بيئة قضائية تتلاءم بصورة أكبر مع التنمية الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية.

من دون هذه التغييرات، فإن المؤسسات التجارية والتمويلية والسياحية العالمية ستواصل تنحية هاييتي جانباً وهو ما جعلني أحث جميع فئات المجتمع في هاييتي ـ الحكومة والمؤسسات والسكان عموماً ـ على الالتزام بالعمل سوياً لتحقيق التغيير الاجتماعي المنشود، ذلك أنه من دون هذا التعاون المشترك والمتبادل، لا يمكن لهذا البلد أن يتقدم.

لكن الشعب الهاييتي بحاجة اليوم بالذات وقبل كل شيء إلى امتلاك أدلة مقنعة بأن بوسعه التطلع إلى مستقبل أفضل. وبالتالي، فإنه من واجبنا مساعدة الحكومة على إنتاج ما يسميه الكثيرون «حصة السلام».

والمسألة هنا لا تتعلق بأي شيء خاص مثلما أوضح البرازيلي كارلوس ألبرتو دوس سانتوس كروث، قائد قوة الأمم المتحدة، الذي قال: «من الواضح أن سكان سيتي سوليل، على غرار جميع السكان، يبتهجون لعودة السلام إلى الشوارع، لكن أكثر ما هم بحاجة إليه هو «الأمور الأساسية» مثل المياه والغذاء وفرص العمل.

في نهاية المطاف، لا مجال للشك بأن هذه مسؤولية تقع على عاتق هاييتي، لكن واجبنا هو مساعدة البلاد على تحقيقها.