زيارة برنار كوشنير، وزير الخارجية الفرنسي، إلى بغداد لها بعد مزدوج، إذ أنها تظهر، من جانب، أن فرنسا تريد «طي صفحة» من صفحات خلافاتها مع واشنطن، التي قادت جاك شيراك إلى معارضة الغزو الأميركي للعراق. ومن الجانب الآخر، فإن باريس تريد «النظر إلى المستقبل» على صعيد تعاون فرنسا في «الحرب ضد العنف»، على حد تعبير الوزير نفسه، الذي كان حريصا جدا على عدم التطرق إلى الحرب.
وإذا كانت هذه الزيارة تأتي في إطار تعزيز المصالحة الفرنسية ـ الأميركية بين بوش وساركوزي ـ من دون الوصول إلى إرسال قوات فرنسية إلى العراق، فإنها تظهر كذلك أمرا واضحا للقاصي والداني وهو أن الحرب في العراق تمثل مشكلة بالنسبة للجميع وأنها لا تطال العراقيين والولايات الولايات المتحدة وحدهم.
ولقد كان الوزير الفرنسي، الذي يبدو أنه لم يحمل في حقيبته أفكارا عميقة إلى بغداد، حريصا جدا كذلك على التركيز على عدم وجود حل عسكري للنزاع هناك وإنما حل عراقي بمشاركة أكبر من جانب الأمم المتحدة.
ولقد تبين مدى تعقيد الوضع في العراق من خلال التصعيد المتواصل لأعمال العنف هناك، خصوصا بعد اغتيال محمد علي الحساني، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، الذي يعد أكبر حزب شيعي، ومحافظ محافظة المثنى، الواقعة في جنوب البلاد. وهذا هو المحافظ الثاني الذي يموت مقتولا خلال الأسابيع القليلة الأخيرة .
وربما يكون ضحية الصراع الدائر على السلطة المحلية بين العشائر الشيعية عشية الانتخابات المحلية المنتظرة في العام المقبل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المثنى كانت محافظة رائدة في النجاح الكبير الذي تم تحقيقه على صعيد عملية تسليم السيطرة على الوضع للعراقيين أنفسهم، ذلك أن هذه المحافظة كانت الأولى من بين محافظات العراق الـ 14 التي تنازلت فيها قوات الاحتلال عن إدارتها وسلمتها للعراقيين. بينما يحاول البريطانيون في جارتها محافظة البصرة، الغنية بالنفط والواقعة إلى الجنوب منها، الرحيل من هناك منذ شهور، لكن دون جدوى وذلك جراء تصاعد العنف.
فرنسا كانت قد أظهرت على الدوام أنها مهتمة على نحو خاص جدا بالعراق. فلقد أقامت، على غرار الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى، علاقات وثيقة مع نظام صدام حسين، في حين تعبر رحلة كوشنير، الذي يحمل دوما راية التدخل لمسوغات إنسانية، مشبعة بالرمزية.
لكن يبدو أن دعم كوشنير لحكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي يسيطر عليه اليأس، يأتي متأخرا في الزيارة الأولى لمسؤول الدبلوماسية الفرنسية منذ الغزو عام 2003( عمليا منذ 1988)، ذلك أن 17 وزيرا من وزراء حكومته تركوا مناصبهم، في حين باتت المصالحة حتى بين الشيعة أنفسهم بعيدة المنال، خاصة وأن المحللين العسكريين الأميركيين أنفسهم يحذرون من حالة الفوضى التي باتت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح جزءا من واقع أرض الرافدين والتي ستؤثر على الجميع.
عن «الباييس»