التحديات التي وسمت القرن العشرين انتهت بسقوط جدار برلين. والاعتراف العميق بالتحدي الأول الكبير في القرن الحادي والعشرين حدث بالتزامن مع هجمات 11 سبتمبر 2001 ويتمثل في وقوع عمل حربي على أرض أميركية.
في ذلك التاريخ، أي الحادي عشر من سبتمبر، كانت الحضارة نفسها والنظام العالمي قد تعرضا للهجوم على يد عدو متشدد لا يرحم. ولقد قمنا بالرد بصورة فعالة على حرب الإرهابيين ضدنا، تاركين وراءنا الاستراتيجية الدفاعية، التي استمر العمل بها طوال عقد من الزمن وأتت بعكس المراد منها، ووضعنا مكانها استراتيجية هجومية متينة، وأحدثنا تغييرات في النظام العالمي تعد القادم من الأجيال بعالم أفضل وأكثر أمناً.لكن هذه الحرب ستكون مديدة ونحن لا نزال في مراحلها الأولى، ومثلما كان عليه الوضع في بداية الحرب الباردة، فإننا نمر في مستهل حقبة جديدة على صعيد الشؤون الكونية.
على ضوء ذلك، سيواجه رئيس الولايات المتحدة المقبل ثلاثة تحديات أساسية على صعيد السياسة الخارجية، حيث سيتعين عليه، أولاً، تحديد مسار الوجهة نحو النصر في الحرب على الإرهابيين من خلال نظام عالمي. والتحدي الثاني سيتمثل في تعزيز قوة النظام العالمي، الذي يحاول الإرهابيون تدميره. أما التحدي الثالث فسيكون توسيع رقعة منافع النظام العالمي لتطال الكرة الأرضية برمتها.
تكمن الوسائل الأكثر فعالية لتحقيق هذه المقاصد في بناء نظام دفاعي أشد بؤساً وتطوير دبلوماسية حازمة وبسط تأثيرنا الاقتصادي والثقافي، إذ أنه باستخدام هذه الوسائل الثلاث، سيتمكن الرئيس المقبل من بناء سلام حقيقي ومستديم.
إن صون القيم الأميركية ونشرها على امتداد العالم يجب أن يبقى يمثل هدف السياسة الأميركية كلها، الخارجية والداخلية على حد سواء. لكن إذا لم نتمكن من تحقيق مثالياتنا مستخدمين وسائل واقعية، فإن السلام سيكون بعيد المنال، خاصة وأن العالم بات مكاناً خطراً والسلام الحقيقي فيه لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق القوة.
الخطة الأولى على هذا الطريق تكمن في أن نكون واقعيين فيما يتعلق بأعدائنا. فهم يتبعون أيديولوجية قائمة على العنف، أيديولوجية الفاشية المتشددة، التي تستخدم قناع الدين للمضي قدماً على طريق تحقيق أهداف شمولية وتطلعات ترمي إلى تدمير النظام العالمي القائم.
وهؤلاء الأعداء لا يستخدمون جيشاً بزي عسكري ولا يملكون معدات عسكرية تقليدية ولا يحكمون أي دولة، لكنهم يستطيعون التخفي وتنفيذ عملياتهم في أي مكان عملياً ويتلقون الدعم من جهات متعددة حول العالم.
لكن يتعين علينا أولاً وقبل كل شيء فهم حقيقة أن أعداءنا يتشجعون بإشارات تنم عن الضعف تصدر من جانبنا. فلقد هاجم الإرهابيون المتشددون مركز التجارة العالمي عام 1993 ومجمع أبراج الخبر في العربية السعودية عام 1996 وسفارتينا في كينيا وتنزانيا عام 1998 وفي نهاية المطاف الولايات المتحدة عام 2001. وفي بعض الحالات، قمنا بالرد بطريقة غير مناسبة، وفي حالات أخرى، لم نرد بصورة مباشرة، في حين جاء انسحابنا من لبنان عام 1983 ومن الصومال عام 1993 ليقنع هؤلاء الإرهابيين بأن إرادتنا ضعيفة.
يتوجب علينا التعلم من تلك التجارب لخوض معركة طويلة الأمد تنتظرنا في القادم من الأيام. فلقد بات في حكم المؤكد تقريباً أن القوات الأميركية ستكون لا تزال تقاتل في العراق وأفغانستان عندما يعتلي الرئيس المقبل سدة الحكم في الولايات المتحدة.
والهدف يجب أن يكون دحر الإرهابيين والمتمردين في العراق وأفغانستان وإتاحة المجال لكي يصبح هذان البلدان عضوين كاملين في النظام العالمي. ولا يتعين علينا أن نصنع لأنفسنا أوهاماً بأن العراق أو أفغانستان سيبلغان سريعاً مستويات السلام والأمن التي يتمتع بها العالم المتقدم في الوقت الحالي.
والموضوع الآخر الذي لا بد من تناوله يتعلق بضرورة امتلاك نظام دفاعي أقوى. فلقد كانت السياسة الفعلية للجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، خلال السنوات الـ 15 الأخيرة، قائمة على الطلب من العسكريين أن يفعلوا أكثر بإمكانيات أقل بصورة متزايدة. كما كانت فكرة «حصة السلام»، التي سادت بعد الحرب الباردة، خطأً فادحاً. ولذلك أصبحت قواتنا المسلحة في هذه الآونة مقلصة جداً إلى درجة لا تمكنها من الوفاء بالتزاماتها الحالية أو تحمل مسؤولية أي من التحديات الأخرى التي قد تمثل أمامنا في أي لحظة.
جيش الولايات المتحدة بحاجة، على أقل تقدير، إلى عشرة فرق قتالية جديدة، كما يحتاج إلى مزيد من الغواصات وقاذفات القنابل الحديثة ذات المدى البعيد وطائرات للتزود بالوقود أثناء الطيران. صحيح أن كل هذا لن يكون رخيصاً، لكنه ضروري. والفوائد ستتخطى التكاليف إلى حد كبير.
كما يتعين على الرئيس المقبل للولايات المتحدة أن يمضي قدماً على صعيد بناء نظامنا الدفاعي القوي المضاد للصواريخ، إذا لا يمكن الوثوق بعقائد الحرب الباردة وذلك على غرار عقيدة «التدمير المتبادل المحتوم» أمام تهديدات الأنظمة غير المستقرة والعدائية. فيما يتعلق بعلاقاتنا مع بلدان أخرى، مثل الصين وروسيا، فإنها ستبقى مثلما هي عليه الآن علاقات معقدة في المستقبل المنظور.
أما علاقاتنا مع بلدان أميركية أخرى، فإنها ستستمر بوصفها علاقات ذات أهمية أساسية قصوى، حيث تشكل كل من كندا والمكسيك، وهما أقرب جارين، أكبر شريكين تجاريين لنا. أميركا اللاتينية تواجه حالة من الاختيار بين إخفاقات الماضي وتطلعات المستقبل. وبعض بلدان هذه المنطقة من العالم ينظر إلى حكومتي بوليفيا وفنزويلا ومرشدهما في كوبا ويرى طريقاً لا رجعة عنه نحو سيطرة أكبر للدولة.
لكن الانتخابات في كولومبيا والمكسيك والبيرو تبرهن على أن الروح الإصلاحية للسوق الحرة لا تزال تنبض بالحياة بين جيراننا الجنوبيين. بينما برزت كوبا منذ زمن طويل في أميركا اللاتينية أولاً كواحد من أكثر الاقتصادات نجاحاً في المنطقة ما قبل عهد كاسترو، ومن ثم كالدولة البوليسية الشيوعية الوحيدة فيها.
من الممكن أن يسجل موت فيدل كاسترو بداية فصل جديد في التاريخ الكوبي. لكن الولايات المتحدة يجب ألا تتعامل مع الأمور على أساس أنها في حكم المسلمات، وبالتالي فإنها يجب أن تكون مستعدة وجاهزة لتقديم يد العون للشعب الكوبي ومساعدته على استرجاع حريته المسلوبة ومقاومة أي إجراء يسمح لنظام هرم وفاسد بأن يعزز سلطته تحت قيادة راؤول كاسترو.
ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «كلارين»
