يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة في عرض الكتاب، الفترة الذهبية في تاريخ وكالة المخابرات المركزية الأميركية، والتي بدأت مع بداية رئاسة رونالد ريغان التي قدمت مئات الملايين من الدولارات لميزانية الوكالة، هذا ناهيك عن الصلاحيات الواسعة التي منحتها إياها في اتخاذ التدابير اللازمة وتنفيذ العمليات لإيقاع الهزيمة بالسوفييت في أفغانستان من خلال تقديم الدعم للمجاهدين الأفغان الذي وصل إلى قرابة 700 مليون دولار في السنة.
ويشير تيم فينر إلى أن هذه الفترة استمرت طوال فترة رئاسة بوش الأب الذي اعتبر وصوله إلى سدة الرئاسة انتصاراً للوكالة على اعتبار أنه كان مديراً سابقاً لها. غير أن هذا الوئام بين مؤسستي الرئاسة والمخابرات لم يدم طويلاً، حيث نشبت الخلافات بين المؤسستين مع وصول كلينتون إلى البيت الأبيض وتركيز اهتمامه على القضايا الداخلية وتهميش الاستخبارات وعملها. ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن المستجدات والأحداث التي واجهت الوكالة في عهد بوش الابن وأبرزها أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من غزو أفغانستان والعراق والدور الذي لعبته في تبرير ذلك العمل.كانت رئاسة ريغان أقرب إلى الفردوس الموعود بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية: مديرها وليم كيسي كان الأقرب إلى اهتمام رئيس الدولة، ميزانيتها تلقت مئات الملايين من الدولارات بموافقة الكونجرس، وإدارتها الجديدة استخدمت هذه الثروة في تجنيد وتعيين ألفين من العاملين الجدد وبالذات في سلك الخدمة والعمليات السرية، فضلا عما تلقته هذه الإدارة بكل دهائها من توسيع في الصلاحيات من أجل تنفيذ تلك العمليات المحفوفة بالأسرار.
ورغم ما نفذته الوكالة في عهد ريغان من تلك العمليات في أميركا الوسطى وأفريقيا (تشاد مثلا) وغيرها إلا أن الأقدار كافأتها ـ على ما يبدو ـ بعملية واسعة النطاق، فائقة الأهمية وهي عملية مجابهة الغزو السوفييتي لأفغانستان. صحيح أن عمليات الوكالة كانت قد بدأت منذ عام 1980 أيام جيمي كارتر، إلا أن توسيعها وتعميقها تم مع السنوات الأولى من رئاسة رونالد ريغان.
بدأ المدير كيسي مترددا ـ ثم ما لبث أن تحمس إزاء اللعبة الجديدة في أفغانستان وكانت لعبة مغرية بكل المقاييس. وقد بادر إلى إيفاد أول رئيس لمحطة مخابرات أميركية لمساعدة «قوات المجاهدين» الذين تصدوا للاحتلال السوفييتي (110 آلاف جندي روسي) واسم المبعوث الأميركي كان هوارد هارت الذي ينقل عنه مؤلف الكتاب قوله: كنت أول رئيس محطة يتم إيفاده إلى الخارج مزودا لأول مرة في التاريخ بتعليمات تقول بصراحة: اذهب واقتل الجنود السوفييت.
كانت محطتي في باكستان، وقد أحببت هذا العمل وباشرت التنفيذ. وكانت مهمة «نبيلة»، لكنها لم تكن لتحرير أفغانستان فلم يكن أحد يصدق وقتها (1981) أن المجاهدين سوف يكسبون.
وكالعادة ظلت أعمال الوكالة تتداخل مع أوامر الرئاسة ومع خطوط السياسة الخارجية، ما بين فضائح إيران ـ كونترا التي تداخلت فيها الأموال وصفقات الأسلحة والمقايضة على الرهائن ودعم مقاتلي أميركا الوسطى من عصابات الكونترا المنشقين على حكوماتهم الشرعية إلى محاولات التغطية والتمويل وإنقاذ سمعة الوكالة ورئيس الدولة وراسمي السياسة الخارجية.
محاولات التغطية
انتهى أمر هذه المغامرات ـ كما يوضح مؤلفنا في مستهل الفصل 42 إلى «أن الرئيس ـ ريغان ـ اضطر للاعتراف أمام الشعب الأميركي بأنه كذب عليه بشأن مبادلة الأسلحة بالرهائن. وحاول البيت الأبيض لفلفة الأمور واتقاء هذه العاصفة السياسية لإنقاذ سمعة المخابرات المركزية ومديرها وليام كيسي.
وعندما استدعوه ومساعدوه للشهادة أمام الكونجرس تركوا الانطباع بأن أميركا قد استأجرت عصابة من المجرمين واللصوص المحترفين لإدارة سياستها الخارجية. من عوامل هذه التغطية كان طبيعيا تسليط الضوء على أهم نجاحات المخابرات الأميركية ممثلا في قدرة المجاهدين في أفغانستان على إلحاق أفدح الأضرار بقوات الغزو والاحتلال السوفييتي لبلادهم.
يقول الكتاب في هذا الخصوص (ص 420): كانت عملية المخابرات مع ـ المجاهدين عبارة عن برنامج يتكلف 700 مليون دولار في السنة وبهذا استأثرت بنحو 80 في المائة من ميزانية الأنشطة الخارجية للوكالة المركزية.
واستطاع المقاومون الأفغان مسلحين بصواريخ ستنغر المضادة للطائرات أن يقتلوا الجنود السوفييت ويسقطوا الطائرات الحربية السوفييتية ويلحقوا أفدح الأضرار بصورة الاتحاد السوفييتي ذاته. وقد لخص هذه النتائج كلها هوارد هارت المسؤول عن تزويد الأفغان بالسلاح طيلة الفترة 1981 إلى 1984 حين قال: كنا نقتلهم واحدا بعد الآخر ونحقق هدف الوكالة المركزية وهو أن يكون للسوفييت فيتنامهم أيضا.
مدير الوكالة رئيسا للدولة
أما النجاح الذي أسعد الوكالة حقا فهو أن واحدا من مديريها السابقين أصبح بالفعل رئيسا للولايات المتحدة في 20 يناير 1989 وهو جورج بوش ـ الأب وقد بدأ عهده بقصف مدينة بنما واعتقال رجلها القوي نورييغا ثم إيداعه السجن في الولايات المتحدة بعد أن تمرد بسلوكياته على واشنطن التي طالما عمل في خدمتها.
ومن أميركا الوسطى إلى الشرق الأوسط يوضح مؤلفنا مدى العلاقة الوثيقة بين أميركا منذ عهد ريغان وبين نظام بغداد السابق حيث كانت الوكالة تمد رأس هذا النظام ـ كما يؤكد المؤلف (ص 425) بالمعلومات العسكرية، المجموعة استخبارياً والبيانات التي تحصلها الأقمار الاصطناعية وأحدث تكنولوجيات الأسلحة فضلا عن إيفاد مبعوث رئاسي خاص في مهام متعددة إلى بغداد اسمه دونالد رامسفيلد.
لكن العائد من هذا الاستثمار الأميركي كان ضئيلا للغاية. يقول مؤلفنا: لم تحصل الوكالة المركزية على معلومات تذكر من بغداد، ولا استطاعت أن تنفذ قط إلى دواخل الدولة البوليسية هناك، ولا توافرت لها معرفة مباشرة من الدرجة الأولى عن النظام الحاكم ـ وقصاراها أن كان لها شبكة من العملاء العراقيين يتألفون من حفنة دبلوماسيين ومسؤولين تجاريين في سفارات بالخارج وهؤلاء لم يكن لهم أي صلات إزاء الدوائر السرية في بغداد. وبلغ الأمر أن هانت الوكالة المركزية على نفسها إلى حد تجنيد عراقي كان يعمل موظفا بأحد الفنادق في ألمانيا.
كشف الحساب
«كشف الحساب» هو العنوان الذي اختاره كاتبنا المخضرم ـ الخبير بعالم الاستخبارات للباب السادس والأخير من هذا الكتاب. الباب يضم 7 فصول ويعرض لولايتي الرئيسين كلينتون ثم بوش الابن ويغطي المساحة الزمنية بين عام 1993 إلى عام 2007 الحالي.
ومنذ بداية هذا الفصل، يسترعي أنظارنا أن بيل كلينتون وهو من أوسع رؤساء القرن العشرين وعيا وثقافة جاء ـ كما يقول المؤلف ـ إلى المنصب الأول في بلاده ليركز بالدرجة الأولى على المشاكل الداخلية، والتطوير الرأسمالي وبطريقة وضعت قضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية عند أسفل أجندة اهتماماته ـ رغم أنه كان يقارب في العمر ـ عمر الوكالة المركزية ذاتها، وعاش الصدر الأول من شبابه وسط حركات الرفض لحرب فيتنام.
يعلق المؤلف قائلا: كلينتون كان يوازن بين حرية التجارة وبين الحرية (السياسية) وكأنما يتصور أن بيع السلع الأميركية كفيل بحد ذاته بنشر القيم الأميركية إلى خارج الحدود.
وكان طبيعيا أن يختار كلينتون في رئاسته الجديدة للبلاد مديرا جديدا للوكالة المركزية اسمه جيمس ووسلي، وهو محام كانت له خبرته في مفاوضات حظر الأسلحة وعمل وكيلا لوزارة البحرية خلال ولاية كارتر، وقبل إعلان خبر تعيينه في المنصب الخطير جاءته السيدة دي دي مايرز السكرتيرة الصحفية لرئيس الدولة ودار بينهما الحوار التالي:
- سيادة الأميرال، لم أكن أعرف أنك خدمت في إدارة بوش السابقة.
ـ دي دي، أولا لست أميرالا ولم أبلغ سوى رتبة كابتن، ولم يكن ذلك في البحرية بل في الجيش.
- مشكلة، إذن علينا أن نغير البيان الصحفي.
إلى هذا الحد كانت المسألة أقرب إلى روح الاستسهال في إدارة كلينتون الشبابية الجديدة، أو شغل الهواة كما قد يقال.
هيلاري في مقر المخابرات
وفي خامس أيام إدارة كلينتون أطلق شخص باكستاني النار عند مداخل الوكالة المركزية فقتل وأصاب عددا من موظفيها وهم يتهيأون للدخول بسياراتهم في ساعات الصباح الأولى. يومها لم يشأ الرئيس الجديد أن يذهب لمواساة ضحايا الوكالة، وأرسل زوجته هيلاري بدلا عنه مما أشعل نيران الغضب في نفوس العاملين.
ومن يومها بدأ نوع من الصراع الخفي بين الرئيس كلينتون ودوائر الاستخبارات المركزية رغم أن أحداث الداخل والعالم كانت تستوجب مزيدا من التفاهم والتشارك للتعامل مع المستجدات، ما بين صراعات هاييتي المجاورة ـ إلى مذابح رواندا الأفريقية إلى حادثة تفجير المركز التجاري في نيويورك في فبراير عام 1993.
وقتها كان ووسلي مدير المخابرات يتعثر في خطاه إزاء تعقيدات القضايا في الخارج وتحديات المشاكل في داخل الوكالة. وكان رئيس الدولة مشغولا بقضايا أخرى بعيدا عن تلك التحديات وربما اكتفى بأن عيّن موظفا كبيرا من أصل يوناني ليكون مسؤولا عن موضوع الاستخبارات في البيت الأبيض.
دعوة إلى التفجير
انقضت 14 شهرا على رئاسة كلينتون، وازدادت المشاكل حدة والتعقيدات تشابكا داخل الوكالة المركزية. وذات يوم كان الموظف الكبير اليوناني الأصل يحتسي فنجان قهوة الاسبرسو ويدخن سيجارا فخما على رصيف مقهى قريب من البيت الأبيض. وعندما سألوه عن السبيل الأنجع لإصلاح حال وكالة المخابرات المركزية، أجاب بغير مواربة: فجّروها من الداخل.
كان يعني بالطبع أن تخضع الوكالة لعملية تدمير مبتكرة، يعقبها بناء من القاعدة إلى القمة. كان اسم ذلك الرجل هو جورج تينيت، الذي سيلمع اسمه بصورة أو بأخرى كمدير للمخابرات المركزية فيما تلا من أيام. ومن عجب أن تينيت هذا ما لبث أن غيّر آراءه هذه عندما تغيرت الأحوال.
ها هو المؤلف يفتتح الفصل الـ 47 من كتابه بعبارات يقول فيها: في 11 يوليو 1997 أقسم جورج تينيت اليمين القانونية مديرا جديدا لوكالة المخابرات الأميركية. بعدها جلس إليّ (المؤلف) متفاخرا بالوكالة ومآثرها، إذ كان يدرك مسبقا أن ما سوف يسرده على مسامعي سيجد طريقه إلى النشر في «نيويورك تايمز».
قال إن السي آي أيه كانت أمهر وأذكى بكثير مما قد يتصوره أي فرد من خارجها. وكان هذا بالنسبة لي مجرد كلام علاقات عامة، ذلك لأن تينيت وليس غيره ما لبث أن اعترف بعد 7 سنوات من ذلك التاريخ قائلا «نحن مفلسون أو نكاد». فقد ورث الرجل مؤسسة انحسرت منها الخبرات وتحولت خدماتها السرية إلى ساحة تعيث فيها الفوضى والاضطرابات.
ويدلل المؤلف على ما يذهب إليه حين يحيل إلى تقرير حديث بتاريخ 18 يونيو 1997 ـ يعني في أوج الولاية الثانية للرئيس كلينتون وقد صدر التقرير عن لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي ليزيل الفكرة القديمة التي تقول بأن المخابرات المركزية كانت خط الدفاع الأول عن أميركا.
ذكر هذا التقرير أن الوكالة كانت مليئة بالضباط ـ العاملين العاجزين عن أن يتكلموا اللغات أو يفهموا الأوضاع السياسية في الأقطار المكلفين بالعمل على صعيدها، وأن الوكالة لم تحظ سوى بقدرات محدودة على جمع المعلومات من خلال عمليات التجسس، وأنها من ثم تفتقر إلى القدر اللازم من «العمق والاتساع والخبرة الضرورية لرصد التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية في طول العالم وعرضه».
والحق أن جورج تينيت شرع في إعادة البناء التي كان يتكلم عنها على مقهى في واشنطن واستعان في ذلك بخبرات مديريها السابقين وكبار مسئوليها المتقاعدين، ولكن تشاء حظوظه أن يعلن في أوائل مايو 1998 أنه «لن يسمح بأن تصبح الوكالة مؤسسة من الدرجة الثانية».
ثم لا تمضي أيام حتى تعلن الهند عن تفجير قنبلتها النووية في 11 مايو 1998 بما يعيد توازن القوى في العالم. وقد فوجئ العالم بهذا التفجير ـ بقدر ما فوجئت به وكالة المخابرات المركزية التي أكدت بذلك أنها مؤسسة معلومات من الدرجة الثانية فعلا.
مطاردة رجل واحد
والمشكلة كما يضيف المؤلف أن الوكالة كانت مشغولة بمطاردة عدو أميركا رقم واحد منذ ذلك الحين ـ أواخر التسعينات وهو فرد واحد أيضا اسمه أسامة بن لادن. أما أبعاد هذه المشكلة أو جوهرها فيفسرها مؤلف الكتاب (ص 474) في هذه الكلمات:
إن الخدمات والدوائر العسكرية والاستخبارية للولايات المتحدة كانت مصمَّمة على أساس العمل ضد الجيوش (النظامية) والدول، بمعنى خصوم يصعب اغتيالهم ولكن يسهل العثور عليهم على خارطة العالم. أما العدو الجديد فكان فردا من السهل اغتياله لكن من الصعب العثور عليه.
بين التأكيد والنفي
يوضح المؤلف مع أواخر الفصل 47 أن هذه المشكلة ما لبثت أن انتقلت مع تحولات مقاليد السلطة من الديمقراطيين في عهد كلينتون إلى الجمهوريين في عهد بوش ـ الابن. يقول المؤلف في هذا الصدد: كانت السي. آي إيه قد أقامت مكتبا خاصا متصلا بالقمر الاصطناعي لإبقاء جورج بوش على علم بآخر التطورات وذلك خلال فترة النزاع الذي اشتجر بشأن انتخابات عام 2000.
وبعد أن أعلنت المحكمة العليا في ديسمبر من العام المذكور أن بوش هو الفائز في السباق الرئاسي (على منافسه آل غور) قام مدير المخابرات جورج تينيت شخصيا بوضع الرئيس الجديد المنتخب في الصورة بالنسبة لموضوع بن لادن. ويتذكر الرئيس بوش تحديدا أن سأل تينيت إذا ما كان بوسع الوكالة المركزية اغتيال المذكور أعلاه، وأن تينيت أجاب بأن قتله لن ينهي التهديد الذي يمثله. بعدها اجتمع بوش على انفراد إلى كلينتون لمدة ساعتين تحادثا فيهما حول قضايا الأمن القومي للولايات المتحدة.
في آخر سطرين في الفصل 47 يضيف المؤلف قائلا: يتذكر كلينتون أنه قال لبوش: إن أكبر خطر يهددك هو بن لادن. لكن بوش أقسم بأغلظ الأيمان أنه لم يسمع قط مثل هذه الكلمات.
حالة الحرب
ثم كانت واقعة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. بعدها توالت الأحداث والتصرفات والأفكار والأوامر والمذكرات.. عصبية متتابعة، ولاهثة الخطى. عاد مدير الوكالة تينيت إلى مكتبه وجمع أكبر مساعديه ليعلن قائلا: نحن في حالة حرب.
أصدر رئيس الدولة يوم 17 سبتمبر توجيها يحمل خاتم «سري للغاية» وتقع نصوصه في 14 صفحة يأمر فيها وكالة المخابرات المركزية بأن تعمل على مطاردة المشتبه بهم واعتقالهم وسجنهم واستجوابهم حول العالم كله. وفي هذا الإطار لم تضع الأوامر أي حدود على ما يمكن للوكالة أن تفعله. ثم تطورت الأمور كما أصبح معروفا ـ إلى توسيع نطاق المواجهة إلى أن شملت غزو أفغانستان والإطاحة بحكم طالبان والعمل على تنصيب الحكومة التي لا تزال قائمة حتى الآن في كابل.
وفي هذا الإطار أيضا حشدت الوكالة كل قواها وعبأت كل إمكاناتها وأطلقت كل عناصرها لمطاردة بن لادن وخاصة في شعاب جبال تورا بورا في أفغانستان ولكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا. وزادت وطأة المشكلة، أن صدرت الأوامر الرئاسية إلى الوكالة المركزية بأن تحوّل اهتمامها من أفغانستان لكي يتركز على العراق حيث ستكون الضربة القادمة من جانب رئاسة جورج بوش وحيث بدأت التهيئة لهذه الضربة من خلال التصريح الخطير الذي أدلى به السيد تشيني نائب رئيس الدولة يوم 26 أغسطس 2002 وقال فيه:
ليس هناك شك في أن صدام حسين أصبح الآن يملك أسلحة الدمار الشامل، ولا شك أيضا في أنه يعمل على تكديسها بقصد أن يستخدمها ضد أصدقائنا وضد حلفائنا وضدنا كذلك. وعلى نفس النغمة التي تبدأ بعبارة «وليس هناك من شك» جاءت بدورها تصريحات دونالد رامسفيلد وزير الدفاع.
ثم جاءت تصريحات الرئيس بوش لتؤكد ما ذهب إليه نائبه ووزير دفاعه، ولكن عندما أدلى جون ماكلوهلن نائب مدير المخابرات بشهادته أمام الكونجرس جاءت الشهادة مناقضة لتصريحات الرئيس. وقبل أن تستفحل أزمة هذا التناقض سارع المدير تينيت إلى إصدار تصريح من جانبه يقول فيه: ليس هناك أي تضارب بين رأينا إزاء الخطر المتنامي الذي يشكله صدام حسين وبين الرأي الذي أعرب عنه الرئيس.
أسلحة الدمار الشامل
يسترعي الاهتمام، ونحن نتابع من منظورنا التحليلي هذه السطور الأخيرة من الكتاب، أن المؤلف بحكم خبرته العميقة الطويلة متخصصا في قضايا الاستخبارات، يحيط القارئ علما بأن النظام العراقي السابق عمد إلى تدمير الأسلحة الخطيرة التي كان يمتلكها أو يطورها في محاولة للامتثال لأحكام التفتيش وجهود المفتشين الدوليين التابعين للأمم المتحدة، وكان ذلك ـ حسب شهادة المؤلف ـ مع منتصف التسعينات.
ولكن النظام المذكور أبقى على مرافق تصنيع هذه الأسلحة من دون هدمها. ويوضح المؤلف أن مثل هذه الأوضاع أفضت بالإدارة الأميركية إلى اعتماد معلومات غير موثقة منها مثلا حكاية التماس العراق كميات من اليورانيوم من النيجر في أفريقيا. وبعدها توالت تصريحات وزير الخارجية باول لتأكيد هذه المعلومات ومنها بيانه في الأمم المتحدة الذي بناه على معلومات أكد مدير الوكالة تينيت أنها صحيحة بكل ما للكلمة من معنى.
وفي كل حال فالمؤلف يحاول أن يفي جورج بوش بعض الحق حين يوضح أن الرئيس كلف لجنة خاصة برئاسة القاضي لورين سليرمان بالتحقيق في معلومات وكالة المخابرات، وأتاح للجنة أن تطلع على كل الوثائق فائقة السرية الخاصة بالموضوع. وخلصت اللجنة ـ كما يسجل مؤلف الكتاب (ص 495) إلى أن تقارير المخابرات التي كانت تقدمها الوكالة إلى الرئيس ومعاونيه كانت نوعا من بيع وترويج للمعلومات التي تستهدف الإبقاء على اهتمام زبائنها، أو الزبون رقم واحد على أقل تقدير.
الأساطير المزوقة
في الفصل 50 وهو الأخير من هذا الكتاب الحافل نكاد نشعر كقارئين بأن المؤلف قد اشتفى لنفسه ـ وهذه مشكلته طبعا ـ من الوكالة التي طالما نشر بشأنها تقاريره وتحقيقاته الصحفية وتابع عن كثب أنشطتها وسلط الضوء على ما صدر عنها من تقارير أو معلومات أو تصريحات، يكفي أن كاتبنا ـ تيم فينر يختار لهذا الفصل الختامي من الكتاب العنوان التالي:احتفالية الدفن.
يبدأ الطقوس باستقالة جورج تينيت التي قدمها يوم 8 يوليو عام 2004 وبعد 7 سنوات أمضاها في المنصب الخطير. وبعدها أغلق الرجل الباب على نفسه عاكفا على كتابه الذي أصدره مع ربيع عام 2007 الحالي ليقول فيه إنه استطاع أن يحوّل الوكالة من آلة معطلة إلى دينامو دائب الدوران. وليس القارئ بالطبع طرفا في أي خصومة بين كاتب صحفي كبير وبين مؤسسة لها أهميتها ودورها في قضايا وطنها.
وحسبنا أن نفيد من العبارات التي يسجلها المؤلف في سطور الختام (ص 513 ـ 514) حين يؤكد أنه قد آن الأوان لتبديد غشاوة الصور الزاهية التي انتشرت من خلال أفلام السينما ودعايات ألين دالاس ودهاء بيل كيسي حين روجوا أساطير خرافية بشأن قدرات خارقة للوكالة وعملائها وجواسيسها، بل يسجل المؤلف للوكالة أن مديريها لم يتورعوا يوما عن مصارحة الرؤساء بالحقيقة الموضوعية دون تمويه أو تزويق، على نحو ما فعل ريتشارد هيلمز من مصارحة الرئيس جونسون بحقائق الموقف الذي كان متداعيا في فيتنام.
أخيرا يحاول مؤلف الكتاب أن يلقي نظرة على المستقبل القريب ـ يستشرف مرحلة في مدى عشر سنوات مثلا ـ يرتقب فيها أن تنهض وكالة المخابرات في بلاده مثل طائر العنقاء من وسط الرماد كي تسترد عافيتها وتحظى بقيادة ملهمة وفاهمة لأحوال الدنيا فضلا عن إمكانات ثمينة تجمع بين مليارات الدولارات وأجيال من العقول الشابة المتجددة. ساعتها تؤدي الوكالة في رأيه دورها على نحو ما توخاه مؤسسوها، فما زالت الحاجة ماسّة ـ حسب رؤيته ـ إلى خدماتها ـ حيث حرب المصالح والصراعات الدولية الراهنة سوف يطول أمدها على نحو ما كان الحال بالنسبة للحرب الباردة.
عرض ومناقشة: محمد الخولي

