يسرد المؤلف في هذه الحلقة تفاصيل العلاقة التي سادت بين الإدارة الأميركية في عهد نيكسون من جهة وبين وكالة المخابرات المركزية الأميركية من جهة أخرى، والتي يمكن القول إنها كانت علاقة يغلب عليها طابع الشك والتوجس، ووصل الأمر إلى حد قيام نيكسون بوصف من يعملون في الوكالة بأنهم عناصر من الحمقى والأغبياء.

ولم يأت هذا الوصف من فراغ وإنما كان نتيجة لفشل الوكالة في تحقيق اختراق يحسب لها إبان حرب فيتنام وسوء تقديراتها في كثير من الأمور. ثم يتحدث المؤلف عن فشل المخابرات الأميركية في توقع حرب أكتوبر 73 وعن دور وسائل الإعلام في كشف أسرار تتعلق بطريقة تعامل إدارة نيكسون مع حرب فيتنام وفضائح تتعلق بالتنصت على المسؤولين والأجهزة والدوائر الأميركية فيما عرف بفضيحة ووترغيت.

الباب الرابع من هذا الكتاب يتابع تاريخ المخابرات المركزية الأميركية في ظل الإدارة الجمهورية لكل من الرئيس ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد. ويضم هذا الباب 8 فصول. ويشير المؤلف في مفتتح هذا الباب إلى علاقة الشك والتوجس التي كانت متبادلة ـ فيما يبدو ـ بين ريتشارد نيكسون وقيادات الوكالة المركزية،

ويحيل بالذات إلى كتاب مذكرات نيكسون بعنوان «ست أزمات» الذي يقول فيه الرئيس الأميركي الأسبق إنه لو كان قد انتخب بدلا من كيندي رئيسا للبلاد مع فاتح الستينات لعمد إلى إنشاء منظمة خارج الوكالة المركزية ذاتها ثم يكلفها بالعمليات السرية، ولما كان نيكسون قد نشر مذكراته تلك في عام 1962 فقد شعرت الوكالة بسيف مسلط على عنقها، فها هو الرجل وقد أصبح بالفعل رئيسا في عام 1968، وبعدها.

ورغم المجاملات التقليدية في بدايات الولاية الرئاسية، توصل ريتشادر هيلمز مدير المخابرات المركزية إلى أن الرئيس الجديد رجل يشك في كل شيء - يتوجس من أي ظاهرة، لا يثق في أحد، ولا يكاد يوقر أي كفاءة، بل يعيش في عالم مفعم بالهواجس والوساوس والأفكار السوداوية.

ويعرض المؤلف تأملات هيلمز التي سجلها بعد 20 عاما من تلك الأحداث، حيث يقول: نيكسون لم يثق بأحد على الإطلاق. وبعد أن أصبح رئيسا ظل يقول لمن حوله: إن سلاح الطيران الأميركي لم يكن ينجز شيئا من ضرب الفيتناميين ـ وإن وزارة خارجية أميركا لا تضم سوى طغمة من الدبلوماسيين الذين لا يهمهم سوى أناقة الثياب واحتساء كوكتيل الخمور ـ وأن وكالة المخابرات لم تستطع أن تحرز أي نصر في فيتنام لأنها لا تضم سوى عناصر من الحمقى والأغبياء، الخ.

في تلك الفترة كان البيت الأبيض واقعا تحت سيطرة شخصيتين: الرئيس نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر. ويسجل الكتاب عن مجموعة التقاها المؤلف من أركان الوكالة المركزية أن الرجلين كانا يكملان بعضهما، بمعنى أن كيسنجر كان داهية كتوما عميق الأغوار، لكنه كان جذاب الشخصية، في حين أن نيكسون كان مخادعا ولكنه كان مكشوفا.

والحاصل أن الرجلين توصلا إلى اتفاق يقضي بأن «يتم تحت سيطرتهما كل العمليات السرية الخطيرة» وأن تتحول عمليات التجسس التي تباشرها الوكالة لكي تصب في مصلحة كل منهما دون أي أطراف أخرى: نيكسون من أجل أن يبني قلعة سياسية محصنة داخل البيت الأبيض، وكيسنجر لكي يصبح ـ وهذا ما تم فعلا ـ أقرب دور ومكانة إلى رئيس الدولة لشؤون الأمن القومي.

هكذا تلقى هيلمز مدير المخابرات أمرا مباشرا بالتجسس على دخائل وحركات وخصوصيات القياديين الأميركيين من معاداة حرب فيتنام، وجاء الأمر من الدكتور كيسنجر شخصيا. وهكذا كان نيكسون وكيسنجر يتفاوضان سرا مع خصوم أميركا في موسكو والصين وفيتنام دون أن تعرف وكالة المخابرات شيئا عن كل هذه الأمور.

عقلية تآمرية

لكن نيكسون كان عقلية تآمرية بالدرجة الأولى. لهذا لم يتردد في استخدام قدرات المخابرات المركزية في عمليات تخريب واسعة النطاق ضد هؤلاء الخصوم الذين كان يتفاوض معهم. يسجل ريتشارد هيلمز في مذكراته بتاريخ 25 مارس 1970 كيف استدعاه الرئيس إلى اجتماع يضمه مع كيسنجر في المكتب البيضاوي، ودامت المناقشة 25 دقيقة حيث أمر الرئيس بمواصلة العمليات السوداء (التخريبية والسرية) ضد السوفييت.

وكانت كلماته هي: اضربهم، وبقسوة، في أي مكان في العالم. في هذا الصدد يلاحظ هيلمز ـ والمؤلف أيضاً ـ أن نيكسون كان يفضل بدلا من مجرد الدعاية الإعلامية، أسلوبا يراه أكثر فعالية وجدوى وهو أسلوب التلاعب ـ إلى حد التزييف بالانتخابات في هذا البلد أو ذاك لقطع الطريق على العناصر المعادية لأميركا. وكانوا يسمونها بالعناصر اليسارية أو الشيوعية أو الخطر الأحمر، سيان.

شراء ساسة أوروبا

وفي غرب أوروبا يوضح المؤلف (ص 298) كيف أن وكالة المخابرات المركزية قدمت مساندتها لكثير من نجوم السياسة هناك لكي يتولوا مناصب القيادة في بلادهم وفي هذا يضيف المؤلف: قدمت الوكالة دعمها السري لسياسيين في أوروبا الغربية طيلة مرحلة الحرب الباردة واحتوت قائمة هذا الدعم أسماء مثل ويلي براند مستشار ألمانيا الغربية وجي موليه رئيس وزراء فرنسا (أبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956) فضلا عن «كل» سياسي ينتمي إلى المسيحيين الديمقراطيين استطاع أن يفوز في أي انتخابات قومية في إيطاليا.

أما في جنوبي آسيا فلم تقتصر العمليات السرية للمخابرات على مجرد دفع الأموال بل شملت أنشطة بالغة التنوع حيث صدرت أوامر نيكسون وكيسنجر مع سنوات السبعينات الأولى أولا بدفع مبلغ 725 ألف دولار إلى ثيو، رئيس فيتنام الجنوبية (الموالي طبعا لواشنطن) وشملت الأوامر أيضاً عمليات ضمت أنشطة التلاعب بوسائل الإعلام في سايغون، وتزييف الانتخابات في تايلاند وتصعيد هجمات الكوماندوز الخاصة في فيتنام الشمالية وكمبوديا ولاوس.

مع ذلك فقد جاء الوقت الذي تغلبت فيه السياسة على المخابرات، يقول المؤلف: فيما كانت هذه الحرب السرية التي شنتها المخابرات المركزية حامية الوطيس في جنوب شرقي آسيا، وضع نيكسون وكيسنجر خططهما من أجل مفاتحات سرية مع زعيم الصين ماوتسي تونغ. ومن أجل تمهيد الطريق المفضي إلى أبواب الصين، عمد الرجلان إلى خنق عمليات الوكالة المركزية التي كانت تباشرها ضد النظام الشيوعي في بكين.

مأساة قصف كمبوديا

ربما جاء ذلك على حساب تكثيف عمليات القصف والتدمير في بقاع أخرى من الإقليم، حيث صدرت الأوامر يوم 17 مارس 1970 بضرب أهداف الفيتكونج وهم مقاتلو فيتنام المعادون لأميركا في كمبوديا - البلد المجاور المحايد أيضاً ـ وهكذا أسقطت القاذفات الأميركية عددا وحجما بلغ ـ كما يسجل الكتاب ـ 108823 طنا من القنابل (!) على 6 من المعسكرات المشكوك في أنها كانت تخفي مركز القيادة المعادي كما تصورت ذلك تقديرات الوكالة المركزية ودوائر البنتاغون العسكرية، ولم تكن هذه التقديرات صحيحة على نحو ما يوضح المؤلف (ص 304).

بيد أن نيكسون ظل متشككا في سلامة تقديرات المخابرات وفي واحد من الاجتماعات ظل يردد على مسامع قادتها قائلا: إن أميركا تنفق 6 مليارات دولار سنويا على المخابرات وهي تستحق من ثم أن تنال نصيبا أوفى مما تحصل عليه.

ثم واصل نيكسون انتقاداته اللاذعة لأعمال الوكالة المركزية وتراوح حديثه بين النقد والوعيد، على نحو ما يسجل المؤلف في الفصل 28 من هذا الكتاب، ولكن ها هو المؤلف أيضاً يختم الفصل بسطر واحد يجسد عنصر المفارقة في تلك المواقف وهذا السطر يقول: عند اللحظة الدقيقة، أمر نيكسون المخابرات الأميركية بأن تتدخل للتلاعب بالانتخابات المقبلة في تشيلي.

والباقي معروف بعد أن تكفلت بكشفه مصادر موضوعية وشريفة وفي مقدمتها مصادر أميركية بالدرجة الأولى، فلم تتمكن الوكالة ولا عملاؤها من التلاعب بالانتخابات التي أسفرت عن اختيار ديمقراطي لرئيس له نزعات يسارية أو شيوعية هو سلفادور الليندي الذي أطيح به في انقلاب دموي يوم 11 سبتمبر 1973 حيث لقي ذلك الرئيس حتفه شخصيا على سلالم قصر الرئاسة في سنتياغو.

وبعده فُرض على بلاده حكم إرهابي بقيادة الجنرال بينوشيه الذي اغتال ـ كما يسجل المؤلف (ص 316) 3200 إنسان من المعارضين وزج في سجونه الرهيبة آلافا منهم كابدوا صنوف المعاناة في ظل ما كان يعرف في ذلك البلد بأنه قافلة الموت.

أسرار البنتاغون

لكن في واشنطن لم تكن الصورة وردية منذ ربيع عام 1971 ـ كانت الموضة السائدة هي التسجيلات، التسمع، التصنت المتبادل بين المسؤولين والأجهزة والدوائر والمؤسسات عند أعلى المستويات. وكان الأمر الذي تشددت في حظره ومحاصرته إدارة نيكسون وكيسنجر أيامها هو عمليات تسريب المعلومات والأخبار والبيانات إلى وسائل الإعلام وفي مقدمتها كبريات الصحف على وجه الخصوص.

لكن التسريبات ظلت متوالية، وفي يونيو من نفس العام بدأت «نيويورك تايمز» في نشر مقتطفات مطولة من أوراق البنتاغون وهي وثائق التاريخ السري لحرب فيتنام التي صدر التكليف بها بناء على أوامر من وزير الدفاع وقتئذ روبرت ماكنمارا.

واشتعل الغضب نتيجة النشر وكشف الأسرار في نفس الرئيس نيكسون ومستشاره الأثير هنري كيسنجر وصدرت أوامر الرئيس إلى كبير موظفيه بالبيت الأبيض لكي يتولى إصلاح الأمور، وما كان من كبير الموظفين إلا أن شكل فريقا برئاسة ضابط تقاعد لتوه من المخابرات المركزية اسمه هوارد هنت في محاولة لسد الثغرات، والغريب أن حمل الفريق اسما أكثر غرابة وهو: فريق السباكين!.

ورغم أن «هنت» المذكور كان له رصيد طويل في خدمة الوكالة ورغم ضلوعه في عملياتها السرية سواء في غواتيمالا أو في كوبا ـ فضلاً عما وصف به من انعدام الأخلاق والجسارة غير المتناهية - إلا أن الفريق لم يستطع التعامل مع صحافة أرادت أن تفي المهنة حق قدرها. بل زادت الأمور تفاقما بعد مكالمة تمت في منتصف ليلة الأحد 18 يونيو 1972.

ساعتها رن جرس الهاتف في منزل مدير الوكالة ريتشارد هيلمز وكان المتكلم هو رئيس مكتب الأمن الذي أبلغ مديره بما يلي: علمت لتوي بأن الشرطة اعتقلت 5 رجال بتهمة اقتحام مقر الحزب الديمقراطي في منطقة ووترغيت: وكان منهم 4 كوبيين. في اليوم التالي ـ نشرت «الواشنطن بوست» موضوعا مدويا وضع مسؤولية هذا العمل عند عتبة المكتب الرئاسي البيضاوي. وهكذا بدأت تنفجر فضيحة ووترغيت التي تسللت تداعياتها إلى صميم المجتمع الأميركي ذاته.

مدير جديد للوكالة

قبل أن تصل هذه التداعيات إلى نقطة الخطر، كان نيكسون قد أعيد انتخابه لولاية ثانية وبأغلبية كبيرة، وأعلن في أول تصريحاته أنه مصمم على إدارة كل من وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية بقبضة من حديد، بعدها وافق الرئيس على اقتراح وزير خارجيته ـ الجديد أيضاً هنري كيسنجر بإعفاء ريتشارد هيلمز وتعيين جيمس شلزنجر، رئيس لجنة الطاقة الذرية مديرا جديدا لوكالة المخابرات المركزية.

عند هذا المنعطف من طروحات الكتاب يستهل المؤلف بداية الفصل 31 بهذه العبارات: بدأ انهيار الوكالة المركزية بوصفها دائرة خدمة استخبارات سرية في اليوم الذي غادرها فيه هيلمز ووصل إليها شلزنجر، أمضى المدير الجديد 17 أسبوعا فقط في منصبه ولكنها كانت كافية لكي يطرد في عمليات التطهير التي مارسها أكثر من 500 محلل معلومات وأكثر من ألف من عناصر الخدمة السرية، بل كان الضباط المسؤولون عن محطات الوكالة في الخارج يتلقون برقيات غير موقعة بالفصل (أو الطرد) من الخدمة.

وفي المقابل كان شلزنجر يتلقى تهديدات بالقتل مما اضطره إلى إضافة حراس مسلحين إلى فصيلة الأمن التي كانت تتولى حراسته. كان شلزنجر مؤمنا بأهمية تغيير مفهوم الخدمة السرية، أطاح بأغلب عناصر الحرس القديم من هيئة المخابرات المركزية في ظل مفهومه بأنهم كانوا ينتمون إلى حقبة الحرب الباردة التي كان يتصور أنها تؤول إلى شحوب وإلى غروب.

كان «قدامى الأولاد» كما وصفهم قد تعودوا التركيز بالذات على السوفييت والصينيين الحمر، وسواء كانوا يعملون في محطة المخابرات في القاهرة أو كاتامندو (نيبال) فهم دائما في حرب مع موسكو أو بكين، ولكن ها نحن وقد شهدنا كلا من نيكسون وكيسنجر يشربان نخب علاقات جديدة مع زعماء العالم الشيوعي، فما جدوى هذا كله؟

نحن بإزاء حقبة جديدة من الوفاق، الانفراج الدولي الذي يمكن أن يفضي إلى السلام، كان الرجل طموحا على نحو ما يوضح مؤلف الكتاب، وكان على وعي بأن العالم - ومن ثم حرفة المخابرات وجمع المعلومات - على وشك الدخول في مرحلة جديدة تتنازل فيها عن الجاسوس التقليدي الذي صورته أفلام جيمس بوند، وعن كلاسيكيات التجسس والعمل السري بأسلوب العباءة والخنجر، مرحلة جديدة تسودها التكنولوجيا الإلكترونية، ومن ثم الرقمية، والمتقدمة جداً التي تتسيدها من ثم الحواسيب بكل إمكاناتها غير المسبوقة.

أخطاء الوكالة في حرب أكتوبر

في تلك المرحلة تفاقمت ووترغيت من حادثة إلى أزمة، ومن أزمة إلى فضيحة، ومن ثم إلى إعصار صاعق بدأ يطيح بأركان البيت الأبيض. وسط هذه الأعاصير غادر شلزنجر مكتب المدير وحل محله ويليام كولبي الذي عاصر الوكالة عبر 30 سنة منذ إنشائها.

يعترف كولبي بأنه حين تسلم مقاليد الوكالة المركزية كانت بدورها تتداعى تحت وطأة عواصف البيت الأبيض، وكم كان سعيدا حين عرف أن الرئيس نيكسون وقد أغرقته كارثة ووترغيت، لم يكن دؤوبا على مطالعة تقديرات الموقف التي كانت الوكالة توافي بها الرئاسة الأميركية في تلك الأيام.

في هذا السياق (ص 329) يقول مؤلف الكتاب: عندما تزامن عيد الغفران (عند اليهود) مع حلول شهر رمضان (عند المسلمين) وكان ذلك في أوائل عام 1973، شنت مصر الحرب على إسرائيل وتوغلت قواتها إلى عمق الأراضي التي كانت تحتلها إسرائيل (في سيناء).

وعلى النقيض من تنبؤاتها الصحيحة في حرب الأيام الستة عام 1967، أساءت المخابرات الأميركية قراءة العاصفة التي كانت تتجمع نذرها وفي الآفاق. وفي هذا الخصوص يقول مدير الوكالة المركزية كولبي: لم نستطع أن نستر أنفسنا بغطاء من المجد في اليوم السابق على اندلاع الحرب (6 أكتوبر 1973) بعد أن ذكرت تنبؤاتنا بأن الحرب لن تقوم.

يضيف المؤلف قائلا: لقد أكدت المخابرات المركزية للبيت الأبيض أن «المناورات» (المصرية) كانت أكثر واقعية من المعتاد ولكن لن تكون هناك حرب. وجاء هذا التأكيد قبل ساعات قليلة من نشوب الحرب فعلا.

استقالة نيكسون

في يوم 8 أغسطس 1974 استقال ريتشارد نيكسون من رئاسة الجمهورية الأميركية، لكن الضربة القاضية تجسدت في اعترافه بأنه أمر المخابرات المركزية بأن تعوق سير العدالة باسم الأمن القومي. ومع احترام أي مواطن أميركي للأمن القومي فإن إعاقة إجراءات العدل تهمة مؤثمة بكل معنى في متن القانون أو في إطار الثقافة المجتمعية العامة في أميركا.

في كل حال كان من المقدر أن تدفع الثمن وكالة المخابرات المركزية. وكان الثمن فادحا بكل المقاييس على نحو ما يصفه مؤلف هذا الكتاب (ص 334) الذي يحاول تركيز أحكامه في هذا الصدد على النحو التالي: غداة استقالة نيكسون تلقى كيسنجر رسالة من مكتب المخابرات في أثينا تحوي اعترافا بأن الوكالة المركزية كانت تكذب على أركان الحكومة الأميركية في واشنطن وأن هذه الأكاذيب أفضت إلى الصدامات العسكرية التي شملت اليونان وتركيا وقبرص. في الأسبوع الذي تلاه أطلقت العيارات النارية في محيط السفارة الأميركية في قبرص واغتيل السفير الأميركي في عاصمتها.

في ديسمبر 1974، اغتيل رئيس محطة المخابرات الأميركية أمام زوجته في أثينا، وهي حادثة تقع لأول مرة في تاريخ الوكالة المركزية وقد علق على هذه الحادثة المروعة سفير أميركا في العاصمة اليونانية قائلا: كان هذا جانبا من تكلفة مشاركة المخابرات المركزية في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

مع ذلك فلم تجد الوكالة بُدَّا من استمرار مشاركتها في صنع السياسة الخارجية. وعندما رجحت كفة المقاومة الفيتنامية في ربيع 1975 حذرت الوكالة من احتمال أن تخسر أميركا حرب فيتنام، وقد كان كيسنجر هو أول من تلقى هذا التحذير.

حكاية الفيل المارق

يمكن القول في هذا الإطار أن الوكالة عاشت أياما صعبة مع دخول جيمي كارتر مكتب الرئاسة في البيت الأبيض. ويكفي أن يشكل كارتر لجنة «تشيرش» البرلمانية الشهيرة في عام 1976 التي حققت في أنشطة الوكالة ودعت إلى تحجيم تلك الأنشطة وذاعت بعدها مقولة رئيس اللجنة السناتور فرانك تشيرش الذي وصف المخابرات المركزية بأنها «فيل مارق» بمعنى الوغد - العملاق.

وإن كان مؤلف الكتاب يقول إنه وصف قاصر ومبتسر لأنه اكتفى بلوم الوكالة وضباطها دون أن يتعدى إلى مسؤولية رؤساء الدولة الذين كانوا يمسكون بمقود هذا الفيل. من ناحيته لم يقصر كارتر أيضاً في لوم الوكالة بل جاء أول تصريحاته في المناظرة التي عقدها مع منافسه في انتخابات الرئاسة - جيرالد فورد ليحوي عبارات تقول بالحرف: إن نظامنا هو أفضل نظام للحكم على ظهر البسيطة، وذلك على الرغم من فيتنام - وكمبوديا. ثم ووترغيت والسي آي. إيه. (وطبعا كان المرشح الرئاسي كارتر» يعني بذلك على الرغم من الكوارث والفضائح التي ألّمت ببلاده.

ورغم الشعارات التي كان يرفعها كارتر - فقد ظل خلال رئاسته يوافق ويوقع على العمليات السرية والأنشطة التخريبية بنفس الكمية التي درج عليها من سبقه من رؤساء الدولة لكن مع فارق يرصده المؤلف حين يقول أن نيكسون أو فورد كان يأمر بالعمليات السرية تحت شعار اسمه الأمن القومي، أما كارتر فقد استعاض عنه بشعار جديد يتألف من كلمتين هما: حقوق الإنسان.

ومع ذلك فقد عانت الروح المعنوية داخل الوكالة من المبادئ الأخلاقية التي حاول كارتر أن يكرسها في إدارة الدولة حيث قطع أمام الناس عهدا بعدم الكذب على الشعب الأميركي (ص 363). ويبدو من سياق الكتاب منذ الفصل 38 بالذات أن أتيح للوكالة العتيدة أن تنعم بمزيد من الحرية على يد المرشح الرئاسي الجديد مع عقد الثمانينات، رونالد ريغان.

يقول المؤلف (ص 375): لم يكن ريغان يعرف شيئا مذكورا عن السي. آي. إيه، اللهم باستثناء ما كان يعرفه من خلال أفلام هوليوود (!) لكنه تعهد منذ ترشيحه للرئاسة بأن يطلق العنان للمخابرات المركزية، وبالفعل أوفى بهذا التعهد. أما الرجل الذي اختاره لإدارة الوكالة فلم يكن سوى ويليام كاسي، الذي قاد حملة انتخاب ريغان للرئاسة وكان رجلا ذكيا ومراوغا في آن معا.

عرض ومناقشة: محمد الخولي