أكثر التكهنات التي لا طائل منها في واشنطن اليوم تدور حول هوية الشخصية التي قد يختارها رئيس موظفي البيت الأبيض جوش بولتن لتحل محل كارل روف. فروف بحق شخصية لا يمكن تعويضها. فلن يقوم أحد بمحاولة الجمع بين وظائف السياسة الداخلية ورسم السياسات الخارجية كما كان يفعل روف.
لقد كان روف مُستهدفا بشدة من قبل الديمقراطيين في الكونغرس حتى قبل فبراير 2005 عندما تولى منصب نائب رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض وأحد كبار مستشاري الرئيس بوش. غير أن الجمع بين هاتين الوظيفتين زاد من حدة الهجوم عليه بشدة إلى درجة أن كبار قادة الحزب الجمهوري مؤخراً أعربوا عن رغبتهم في مغادرة روف منصبه على أمل تقليص حدة هجوم الديمقراطيين على الجمهوريين بسببه.
وفيما يتبين أنه من غير المحتمل أن تتسبب عودة روف إلى تكساس في إضعاف حدة المعارضة ضده، إلا أن حقيقة أن مثل هذه الاحتمالية واردة تكشف مدى الغموض الذي يكتنف التركة التي خلفها روف في البيت الأبيض. فروف يعد أحد أنجح المديرين في التاريخ السياسي الأميركي. وعلى الرغم من ذلك فإنه يُنظر إليه من قبل رجال الحزب الذي ينتمي إليه، لاسيما في كابيتول هيل، باعتباره يمثل جزءاً من المشكلة التي تداهم الحزب الجمهوري.
إن روف شخصية سياسية فريدة ونادرة يتمتع بمعرفة شاملة للتاريخ السياسي الأميركي. فعندما كان يعمل مستشارا للحملات الانتخابية في أوستن منذ 20 عاما، انحاز روف لجورج دبليو بوش الذي كان قد فشل في السياسة وأنشطة الأعمال على حد سواء ومنحه خطة استطاع بها الوصول إلى البيت الأبيض.
غير أن ذلك الانتصار الذي حققه بوش في انتخابات عام 2000 الرئيسية كان انتصارا صعبا للغاية، حيث كان الفارق في الأصوات بينه وبين آل غور يقل عن 1000 صوت في ولاية فلوريدا وحسم أحد قضاة المحكمة العليا النتيجة، الأمر الذي تسبب في إشعال حالة غضب عارمة بين صفوف الديمقراطيين الذين وصفوا بوش بأنه رئيس غير شرعي للبلاد.
وفي المقابل، عمل روف على بناء قاعدة جمهورية قوية ووصل إلى مسؤولي إدارة بوش من أجل تقوية صفوف الحزب وترميمه. ولم يكن مثل هذا الأمر جديدا في السياسة الأميركية غير أنه بدا أكثر وضوحا في الأعوام الستة الماضية.
وجاء التأكيد على جمع روف للوظائف السياسية والحزبية بين يديه من خلال الانتصار الانتخابي الذي تحقق في 2004 عندما جمع كبير مستشاري بوش باعتباره نائب رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض بين وظائف إدارية وسياسية في آن واحد.
وفي تلك المرحلة كان يجري الترويج لروف داخل دهاليز الحزب الجمهوري باعتباره سياسيا مخضرما بعد أن نجح في رسم ملامح انتصار جمهوري كبير في الانتخابات النصفية للكونغرس في 2002، حيث برهن على قدرته على إيصال مرشح فاشل مرتين إلى البيت الأبيض. غير أنه في السياسة لا يمكن للشعور بالفضل أن يدوم للأبد. فالإشادات التي كان يتلقاها روف من الجمهوريين تحولت إلى لعنات بعد الهزائم الانتخابية في 2006.
ولم يعمل روف على الاحتفاظ بشعبيته في كابيتول هيل عندما تحدث إلى المرشحين من الكونغرس لانتخابات 2008 قائلا إن هزائم انتخابات 2006 كانت ترجع إلى الإسراف في الإنفاق وإلى الفضائح العديدة التي ارتكبها الكونغرس تحت قيادة الجمهوريين. ويرى عدد كبير من الجمهوريين في الكونغرس أن انتصار الديمقراطيين في الانتخابات يعود إلى ما حصل في حرب العراق وإلى قرار بوش وروف بـ «تأميم» الانتخابات النصفية.
وقد كان روف دوما مناضلا سعيدا شديد الثقة بنفسه فيما كان يفعله من بناء غالبية جمهورية ذات قاعدة كبيرة. غير أن حالة النشوة السياسية التي كان يعيشها تراجعت بسبب التصاق اسمه بواقعة تسريب اسم عميلة السي أي إيه فاليري بليم.
فعلى الرغم من أن المدعي العام باتريك فيتزجيرالد كان يعلم منذ البداية أنه ليس روف وإنما نائب وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج هو المصدر الذي تسبب في كشف هوية بليم، كموظفة في السي أي إيه، إلا أنه جاء بقرار يقترب من اتهام روف بحنث اليمين وتعطيل سير العدالة. ومن حينها نافس روف بوش على لقب أكثر الأشخاص بُغضا من قبل اليساريين الأميركيين.
لم يكن جوزيف ويلسون على علم بهوية مصدر الكشف عن فاليري بليم عندما كان يتحدث عن اعتقال روف وسجنه، وهو الحديث الذي دفع أصحاب المدونات إلى مضاهاته والدعوة إلى سجن كبير مستشاري الرئيس. وعبر أحد القضاة من هواة الثرثرة في الحديث عن أسفه بعدم اتهام روف بحنث اليمين وتعطيل مسار العدالة وإلصاق هذه التهمة بسكوتر ليبي.
غير أن الرغبة في إلحاق الضرر بروف استمرت حتى بعد غلق قضية بليم، حيث استمر المشرعون الديمقراطيون في استهدافه. ولأنه لا توجد إمكانية لاتهام الرئيس بالخيانة ومن ثم إسقاطه من منصب الرئاسة، فإن روف كان أفضل بديل للهجوم.
ولا عجب أن يظل أحد كبار الجمهوريين حتى الآن يتساءل عما إذا كان غياب روف عن الساحة سيتسبب في تهدئة المسؤولين الديمقراطيين في الكونغرس وتوقفهم عن مهاجمة الجمهوريين. فهذا السيناريو يأتي بموسيقى النهاية الحزينة لواحد من أقوى مستشاري الرئاسة في التاريخ الأميركي وأكثرهم نفوذاً.
ترجمة: حاتم حسين عن «واشنطن بوست»
بقلم: روبرت نوفاك

