في المجتمعات الفظة والوحشية، خط الحزب الحاكم معروف عادة ومنشور علانية على رؤوس الأشهاد وعلى الجميع طاعته والامتثال له. والقيام بعكس ذلك يعني أنه يتعين على المرء تحمل العواقب.
وفي المجتمعات التي فقدت فيها الدولة القدرة على السيطرة عن طريق القوة، نجد أن خط الحزب الحاكم يكون معروفا عادة ومنشورا علانية على الملأ. أو بالأحرى مدرج في الميزانية وفي نقاش حامي الوطيس يلقى التشجيع في إطار الحدود المفروضة من قبل نظرية الحزب الرشيدة غير المعلن عنها.
النظام الفظ يفضي إلى حالة طبيعية من الشك والتكذيب، بينما يقدم التحريف المتحذلق انطباعا بالانفتاح والحرية ويخدم من أجل فرض خط الحزب وكأن المسألة تتعلق بأمور حدودها تصل إلى ما هو أبعد من القضية كلها، بما في ذلك أبعد من أي تفكير منطقي، وذلك كالهواء الذي نتنفسه.
في المأزق المؤقت والمرهون بالظروف المحيطة به بصورة متزايدة بين واشنطن وطهران، يتواجه خط الحزب هذا مع خط الحزب الآخر. ويصبح العالم كله رهينة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران عموما، حيث المراهنات نووية في المقام الأول.
على ضوء هذا الوضع، لم يكن مفاجئا لأحد على الإطلاق إعلان الرئيس جورج دبليو بوش عن زيادة تعداد القوات الأميركية في العراق كردة فعل على طلب غالبية الأميركيين بالشروع بالانسحاب من هناك والمطالبات الأشد وقعا للعراقيين ( غير البارزين)، وذلك حتى لو كانت هذه المطالبات مترافقة مع اختراقات كريهة لمقاتلين ينشطون انطلاقا من قواعد إيرانية ويستخدمون في العراق متفجرات مصنعة في إيران.
أما القصد من ذلك فربما يكون تبديد نصر واشنطن، ذلك النصر «النبيل» من ناحية التعريف. ومن ثم أعقب ذلك النقاش المسبق حول أن الصقور يقولون إنه يتعين علينا تبني إجراءات عنيفة ضد هذا النوع من التداخلات الأجنبية في العراق، في حين يقول الحمائم يطالبون بأنه يتعين علينا أولا التأكد من إن الدليل مثبت.
وهذا النقاش يمكن أن يتواصل من دون أن يبدو منافيا للعقل والمنطق طالما أننا نعتمد على الافتراض التكتيكي القائل بأننا أسياد العالم. وبالتالي، فإن التداخل محدود بأولئك الذين يعرقلون أهدافنا في بلد نغزوه ونحتله.
ما هي خطط القائمين على هذه العلاقة التي تتمتع بسلطة سياسية وثيقة في الولايات المتحدة؟ حيث عبرت تصريحات مهددة لأعضاء في فريق ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي عن مخاوفها من امتداد الحرب.
من جانبه قال محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن «المرء لا يريد إعطاء حجج إضافية للمجانين الجدد الذين يقولون لنذهب ونقصف إيران» ويضيف: «أستيقظ كل صباح واقرأ أن 100 من العراقيين المدنيين الأبرياء قد ماتوا».
أما كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، التي يبدو أنها تواجه «المجانين الجدد»، فإنها تحاول أيضا على ما يبدو البحث عن طريق دبلوماسي مع طهران. لكن خط الحزب يبقى من دون تغييرات. فلقد تكلمت رايس، في أبريل الماضي، حول ما كانت تفكر فيه في حال لقائها مع نظيرها الإيراني مانوشهر متقي في مؤتمر دولي حول العراق يمكن أن يعقد في شرم الشيخ. «ماذا نحتاج إلى فعله ؟ واضح جدا للعيان».
كما قالت رايس، التي أضافت: «أوقفوا تدفق الأسلحة إلى المقاتلين الأجانب، أوقفوا تدفق المقاتلين الأجانب، الذي يعبرون الحدود». بالطبع أنها تشير بذلك إلى المقاتلين والأسلحة الإيرانيين. ذلك أن مقاتلي الولايات المتحدة وأسلحتها ليسوا «أجانب» في العراق. ولا في أي مكان آخر طبعا.
المقدمة القياسية الصغرى التي يرزح تحتها تعليق وزيرة الخارجية الأميركية وكل النقاش العام الدائر حول العراق (وما بعده) هو أننا أسياد العالم. وبالتالي ألا نملك الحق في غزو بلد أجنبي وتدميره؟ أو ألا نملك الحق في توظيف أي تكتيك آخر؟ ربما كانت هذه الكارثة تكلفنا ثمنا باهظا، لكن تلك هي حدود النقاشات بين المرشحين الرئاسيين والكونغرس ووسائل الإعلام مع بعض الاستثناءات النادرة.
وذلك جزء من السبب الذي يجعل النقاشات بعيدة كل هذا البعد عن الصراحة والحسم. فيما تبقى الموضوعات الأساسية بعيدة عن أي إمكانية لطرحها على بساط البحث والنقاش. بيد انه من المجدي طرح السؤال التالي:
كيف كانت ستتصرف واشنطن لو قامت طهران بغزو كندا أو المكسيك، وأطاحت بحكومتي هذين البلدين وقتلت عشرات الألوف من الأشخاص ونشرت أهم ما لديها من القوات والأساطيل في منطقة الكاريبي وأطلقت تهديدات مجنونة بتدمير الولايات المتحدة إذا لم توقف الأخيرة بشكل فوري ما لديها من برامج للطاقة النووية والتسلحية. هل كان سيتعين علينا، في هذه الحال، مراقبة الوضع بهدوء؟
بعد أن قامت الولايات المتحدة بغزو العراق «إذا لم يكن الإيرانيون قد حاولوا صناعة أسلحة نووية، فإنهم سيكونون مجانين»، هذا ما قاله المؤرخ العسكري الإسرائيلي مارتن فان كريفلد. ومن المؤكد أنه لا يوجد أي شخص سليم العقل يرغب بأن تقوم إيران أو أي بلد آخر بتطوير أسلحة نووية. في حين أن حلا عقلانيا للأزمة سيسمح لإيران بتطوير الطاقة النووية، استنادا لما تتمتع به من حقوق وفقا لمعاهدة عدم الانتشار النووي، لكن ذلك لا يشمل الأسلحة النووية.
هل هذه الخاتمة أمر ممكن أم لا؟ قد تكون كذلك، لكن بشرط واحد هو أن تكون الولايات المتحدة وإيران مجتمعان ديمقراطيان يعملان بكامل طاقتهما ويكون للرأي العام فيهما وقعا مهما في السياسة، وذلك بتجاوز الهاوية الموجودة الآن في شؤون حرجة كثيرة بما فيها هذا الشأن.
مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحل العقلاني يحظى بمساندة ساحقة بين الإيرانيين والأميركيين، الذين يتوافقون عموما حول المسائل النووية، حسب استطلاعات حديثة للرأي أجراها البرنامج الخاص بتوجهات السياسة الدولية في جامعة ميريلاند الأميركية.
التوافق الأميركي- الإيراني يمتد إلى التصفية الكاملة للأسلحة النووية في جميع أنحاء العالم( 82% من الأميركيين). وإذا كان ذلك عصي على التحقيق والانجاز، فإنه يبدو من المهم، على الأقل، المبادرة إلى إنشاء «منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط تشمل البلدان الإسلامية وإسرائيل، «71 من الأميركيين».
بالنسبة لـ 75% من الأميركيين، من الأفضل التفاوض مع إيران عوضا عن استخدام تهديدات القوة. وهذه الأعمال أو التحركات توحي بأسلوب ممكن لمنع الأزمة الحالية من الانفجار، في حرب عالمية ثالثة ربما، مثلما تكهن المؤرخ العسكري البريطاني كورولي بارنيه.
بوسعنا تحسين أفاق تشجيع الديمقراطية في العراق من خلال تغيير حاد في سياسة الولايات المتحدة، بحيث يتم عكس الرأي العام فيها. وهذا سيتطلب سحب التهديدات التي تسقط كالمن والسلوى من السماء على القيادة الإيرانية.
تشجيع الديمقراطية، حتى عندما لا يشكل ذلك ترياقا شافيا، يعتبر خطوة مفيدة للمساعدة على تحويل الولايات المتحدة إلى « مستثمر مسؤول« في النظام العالمي، عوضا عن أن تكون موضوعا مخيفا ومزعجا في الجزء الأكبر من العالم بأسره. فإلى جانب أن الديمقراطية تشكل قيمة بحد ذاتها، فإنها تعني وعدا عندما تقوم بعملها في هذا البلد. وعندها فقط سيكون من السهل الاعتراف بأننا لسنا أسياد العالم وإنما نتقاسمه مع الآخرين.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «الإسبكتادور»
بقلم: نعوم تشومسكي

