يتناول المؤلف في هذه الحلقة بدايات العمل الاستخباري لوكالة المخابرات المركزية الأميركية وتركيزها على العمليات السرية التي هيمنت على نشاط الوكالة خلال حقبة الخمسينات وإنفاقها بسخاء كبير على تلك العمليات مع غياب التدقيق على جدواها ومدى نجاحها من عدمه. ويذكر بعض تلك العمليات التي نجحت فيها الوكالة في تحقيق مآربها كدورها في إسقاط حكومة محمد مصدق في إيران من خلال دعم الانقلاب ضده، والطريف في الأمر أن مدير مكتب الاستخبارات الأميركية في طهران حذر قيادته من العواقب المستقبلية الوخيمة لهذا العمل، فكانت مكافأته بالإقالة من منصبه. ويشير المؤلف إلى أن الوكالة لم تكن تتورع عن الكذب حتى على الرئيس الأميركي حفاظاً على صورتها ومناصب قادتها.
في المراحل الأولى من إنشاء وكالة المخابرات المركزية الأميركية وممارستها لنشاطها يسلّط المؤلف الضوء على شخصية «فرانك ويزنر»، وهو ممثل الوكالة المركزية الذي عهدوا إليه بالإشراف على عمليات برلين بوصفها المركز المتقدم للمجابهة بين معسكري الشرق (موسكو) والغرب (واشنطن) خاصة وقد ارتفعت درجة العداء بين الجانبين واستخدمت أساليب شتى ما بين الدعاية إلى التمويه وما بين التجسس إلى كل فنون الخداع أو حروب الدهاء. في الأول من سبتمبر عام 1948 تولى «ويزنر» مهام موقعه مسؤولا بالذات عن العمليات السرية ضد المعسكر الروسي. يصفه المؤلف بأنه كان يعمل ليل نهار بغير إجازة أو راحة، واتخذ مكتبه في بناية متهالكة في ضواحي واشنطن، وبسبب هذا الجهد الشاق والعمل الدؤوب أصبحت العمليات السرية للوكالة المركزية هي محور نشاطها وربما أساس وجودها. ـ يقول المؤلف ـ أصبحت أنشطة «ويزنر» السرية أكبر من أنشطة الوكالة بأسرها.
ومن ثم تحولت العمليات السرية لتشكل القوة المهيمنة على نشاط الوكالة الأميركية مزودة بأكبر عدد من البشر، وأكبر مبلغ من الاعتمادات وبالتالي متمتعة بأكبر قدر من النفوذ والهيلمان ـ وظلت على هذا الحال على مدار 20 عاماً وأكثر. ثم يضيف المؤلف قائلا: إن المخابرات المركزية كانت مكلفة أساسا بمهمة تزويد رئيس الدولة بالمعلومات السرية، اللازمة لصون الأمن القومي للولايات المتحدة. ولكن «ويزنر» لم يطق صبرا على هذا كله.
ولا كان لديه الوقت لتداول الأسرار المطلوبة وغربلتها تمهيدا لرفعها إلى الرئيس. كان الأسهل عنده هو التآمر لتدبير انقلاب أو شراء ذمة سياسي.
واستمرت الأحوال على هذا المنوال طيلة خمس سنوات عمد فيها فرانك ويزنر ـ وهو مسؤول العمليات السرية والخاصة في الوكالة المركزية ـ إلى شن حربه ضد السوفييت من خلال أساليب شتى يعرضها الكتاب على الشكل التالي:
ـ تنظيم أنشطة البروباجاندا الإعلامية
ـ طرح عملات نقدية مزيفة في الأسواق الروسية وحلفائها في شرق أوروبا
ـ التلاعب بمسارات النشاط الاقتصادي في تلك الأسواق
ـ إنشاء شبكات سرية لعملاء من الروس ـ الألبان ـ الأوكرانيين، البولنديين يتسللون إلى داخل دول الستار الحديدي الشيوعية على أن يبقوا هناك ارتقابا لمحاربة الاتحاد السوفيتي لدى اندلاع الحرب العالمية.. الثانية!
لهذه الأسباب احتاجت المخابرات المركزية في تلك الفترة المبكرة من حياتها إلى متفجرات بكميات ضخمة بل وترسانات أسلحة يجري خزنها في أقبية سرية في كل أنحاء أوروبا والشرق الأوسط (ص 33) من أجل تفجير الجسور والمستودعات بل وحقول البترول أمام أي تقدم سوفييتي محتمل.
البحث عن الجواسيس
في الإطار نفسه كان ويزنر بحاجة ـ كما يوضح المؤلف ـ إلى آلاف من الجواسيس الأميركيين، وبهذا بدأت ـ كما هو الحال الآن ـ عمليات البحث عن المواهب والقدرات الذكية، وفي الإطار نفسه أيضاً شمر ويزنر عن ساعده:
كان هدفه أن ينشئ مع الخمسينات 36 محطة مخابرات أميركية فيما وراء البحار، لهذا لم يتورع عن الاتصال بعدد كبير من مديري البنوك، أساتذة الجامعات، المحامين ومدربي الرياضة الذين كانوا يتقاضون منه أموالا لكي يرشدوه إلى العناصر المطلوب تجنيدها من نوابغ الشباب والطلاب الدارسين في ييل إلى هارفارد إلى برنستون وهي جامعات القمة في طول الولايات المتحدة وعرضها.
وربما كانت بولندا بالذات ضمن دول المعسكر الشيوعي هي الجائزة السخية التي كان يطمح إليها البناة الأوائل للمخابرات المركزية، وإذا كنا نلاحظ في نظرة ارتجاعية كما قد نقول أن أول التصدعات في كيان المعسكر الشرقي المذكور جاءت مع السبعينات والثمانينات من ميناء جدانسك في بولندا بالذات وعلى يد زعيم عمالي اسمه فاليسا ـ فقد عمد فرانك ويزنر منذ الأيام الأولى لنشاط الوكالة المركزية إلى إعطاء الأولوية لبولندا.
ولم يكد عقد الخمسينات يحل مع العالم إلا وكانت المخابرات الأميركية قد هرّبت إلى داخل بولندا ما قيمته ـ بأسعار تلك الأيام 5 ملايين دولار من سبائك الذهب، ومعها أيضا. كميات من المدافع الرشاشة والبنادق والذخيرة وأجهزة لاسلكي للإرسال والاستقبال، ورغم أن المخابرات السوفيتية والبولندية أيضاً كشفت هذه المخططات واستطاعت إحباطها، إلا أن الوكالة الأميركية استقبلت منتصف القرن العشرين.
وقد أصبحت قوة لا يستهان بها في أميركا والعالم تضم 15 ألفا من العاملين، وتنعم بنصف مليار دولار من المصاريف والاعتمادات السرية السنوية، ويتفرع عنها أكثر من 50 مكتبا ومحطة استخبارات في طول العالم وعرضه. وجاء على رأسها واحد من أهم مديريها وأكثرهم شراسة، كان اسمه ألين دالاس، شقيقا لوزير خارجية إدارة الرئيس إيزنهاور المستجدة في البيت الأبيض في 25 فبراير عام 1953.
تولى ألين دالاس إدارة الوكالة المركزية، وقبل أن يشرع في تدبير مخططاته السرية والتجسسية ضد جوزيف ستالين زعيم روسيا القوي المعروف، كان دالاس محظوظا فلم يمض على توليه منصبه الخطير سوى أسبوع حتى جاءت أخبار وفاة ستالين نفسه في 5 مارس من العام المذكور.
تلميع الصورة
بعدها خلت الأجواء أمام ألين دالاس من أجل تلميع صورة المخابرات المركزية في عيون عالم تلك الفترة يقول المؤلف بهذا الخصوص: إن المدير الجديد اكتشف أن الدعاية العلنية (مع تزويق وتجميل الصورة) خير وأبقى من الانكفاء على الذات واعتماد السرية والانعزال عن الحياة العامة، لهذا عمد ألين دالاس إلى استنبات (تعبير المؤلف) عدد من كبار الناشرين ونجوم الإعلاميين.
وحاول اجتذاب المؤثرين من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، ومد يد الصداقة إلى كبار كتاب الأعمدة في الصحف الرئيسية بالبلاد وخاصة من قيادات صحيفتي «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز». كان من عاداته تسريب خبر خاص أو تعديل تحقيق صحافي منشور أو حرمان مراسل أجنبي من الوقوف على سر من الأسرار. وتم هذا - كما يعلق المؤلف - في إطار ماكينة علاقات عامة - بروباجاندا قام على أمرها ألين دالاس ومساعدوه في وكالة المخابرات وكانت تضم أكثر من 50 مؤسسة إعلامية ونحوا من 10 دور نشر.
هكذا ظهر ألين دالاس في دنيا الإعلام العلني أستاذا في فن الجاسوسية المحترفة. لكن مؤلف كتابنا يستدرك قائلا إن محفوظات وملفات الوكالة تحكي قصة مختلفة تماما، ويوضح المؤلف ما يسوقه من أحكام في هذا السياق (ص 77) قائلا: إن محاضر الاجتماعات اليومية التي كان يعقدها ألين دالاس ونوابه ترسم صورة وكالة تترنح تحت وطأة الأزمات الدولية والكوارث الداخلية ـ ما بين تفشي إدمان الكحوليات إلى سوء إدارة الأموال إلى تقديم الاستقالات الجماعية.
وفي هذا الإطار تثور أسئلة صعبه من قبيل: ماذا كان ينبغي فعله مثلا إزاء ضابط في وكالة السي. آي. إيه الأميركية قتل زميلا له بريطانيا وقدم للمحاكمة بتهمة القتل؟ ولماذا أقدم مدير محطة المخابرات في سويسرا على الانتحار؟. أو ماذا اتخذوا من إجراءات لمعالجة نقص المواهب الذكية في الخدمة السرية؟
أموال طائلة
في غمار هذه الظروف يبين المؤلف كيف أن الشباب العاملين بالوكالة كانوا يصدمون إزاء المبالغ الطائلة - الفلكية أحيانا من الأموال التي يتم إنفاقها في عمليات لا جدوى من ورائها، وأحيانا تفتقر إلى أي مبرر مشروع. ومنهم من كتب تقريرا خطيرا يشكو من أن غير الأكفاء تسند إليهم سلطات واسعة بينما الموهوبون يؤمرون بالتزام العزلة في زوايا وأروقة الوكالة.
وما كان من أمر ألين دالاس إلا أن احتجز هذا التقرير (وغيره) دون أن يتغير شيء ولدرجة أن تنقضي 43 سنة ويحل عام 1996 فإذا بتحقيق برلماني من الكونجرس يخلص من واقع دراسته لأداء الوكالة المركزية إلى تقييم يقول فيه: إنها ما زالت تواجه أزمة كبرى في مجال العاملين (الأكفاء) دون أن تجد من يتصدى لها في الماضي أو الحاضر بشكل منهجي متسق، وها هي الوكالة المركزية اليوم تفتقر إلى الضباط والعاملين المؤهلين واللازمين للعمل في محطاتها المنبثة في أنحاء العالم.
انقلاب ضد حكومة وطنية
يتحول بنا المؤلف بعد ذلك إلى الفصل السابع من هذا الكتاب، ويحرص على أن يختار له العنوان التالي: أعظم فوز وحيد لوكالة المخابرات المركزية. والإشارة هنا إلى دور الوكالة في الإطاحة بالنظام الوطني للدكتور محمد مصدق في طهران في السنوات الأولى من عقد الخمسينات.
كان السجال بين مصدق وغريمه ونستون تشرشل على أشده في إيران وانجلترا. كان كل منهما رجلا صلبا وعنيدا: الأول في التاسعة والستين والثاني في الرابعة والسبعين وكانا يديران شؤون الدولة وقد ارتديا الملابس المنزلية - البيجاما كما يقول المؤلف. والمهم أن تعاونت المخابرات البريطانية مع زميلتها الأميركية (مندوبها وقتئذ هو كيم روزفلت الذي كانت لديه خبرة واسعة بأحوال الشرق الأوسط في ذلك الحين) أما الهدف فكان الإطاحة بمصدق الذي أمّم شركة البترول البريطانية.
ومن عجب أن مدير محطة الاستخبارات الأميركية في طهران - روجر جويران - كان قد استمع إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس إيزنهاور مؤكدا فيه على أن ليس لدولة أن تملي على دولة أخرى شكل الحكم الذي يدير أمورها. بعدها سارع جويران إلى الاتصال برئاسته بمقر المخابرات المركزية في واشنطن متسائلا: لماذا يتعين على الولايات المتحدة أن تربط نفسها مع تقاليد الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط.
بل أكد المسؤول الأميركي أن تلك غلطة تاريخية سوف تنجم عنها كارثة على مصالح أميركا في الأجل الطويل. وسرعان ما استدعاه رئيسه دالاس إلى واشنطن وأعفاه من منصبه. في طهران نفسها كان سفير أميركا لوي هندرسون معترضا على اختيار الجنرال زاهيدي الذي وصفوه بأنه شخصية غير موقرة ليكون على رأس الانقلاب الذي سيطيح بالدكتور مصدق. بل ظل السفير الأميركي يواصل إرسال برقياته إلى الخارجية في واشنطن والتي تقول: أبلغني الدكتور مصدق في لقائي معه أنه يعرف أن زاهيدي ما هو إلا خائن يدعمه البريطانيون.
وعندما نجح الانقلاب على مصدق بادر روزفلت، رجل السي. آي. إيه في طهران إلى تسليم زاهيدي مبلغ مليون دولار نقدا (ص 91) وما كان من الجنرال، رئيس الوزراء الجديد إلا أن انطلق يسحق كل القوى والعناصر المعارضة ويزج في المعتقلات آلاف من السجناء السياسيين.
صفارات الإنذار
كانت هذه لحظة المجد بالنسبة لكيم روزفلت، بعدها سافر إلى لندن ليستقبله رئيس وزرائها ونستون تشرشل ـ في مقره في 10 داوننغ ستريت ـ وما أشد خيبة أمل الزائر الأميركي الظافر: لقد كانت الشيخوخة قد فعلت فعلها في تشرشل شخصيا، ولهذا كان الرجل في أسوأ حالاته: لعثمة في الكلام، قصور في البصر، ثم وهَنَ في الذاكرة، أما في البيت الأبيض فقد استقبلوه كبطل لدرجة يقول معها مؤلف كتابنا:
إن الاعتقاد بجدوى العمليات السرية التي تقوم بها المخابرات حلّق يومها إلى عنان السماء. وكان طبيعيا أن يكون نجم اللحظة أيضاً هو ألين دالاس مدير الوكالة المركزية. مع ذلك يرصد المؤلف ويسجل كيف أن واحدا من نجوم تحليلات وتقرير الموقف في الوكالة المركزية - وهو راي كلاين أدرك أن الانتصار على محمد مصدق والإطاحة بنظامه لم يكن يستدعي كل هذه الاحتفالات. كتب كلاين في مذكراته يقول: إن مثل هذه الأمور خلقت الانطباع الخاطئ، إن المسألة في أساسها كانت صرف أموال طائلة تم إنفاقها في اللحظة المناسبة.
بعدها ـ يضيف مؤلفنا ـ عاد الشاه إلى طهران وعمد إلى تزييف نتائج الانتخابات التي أجروها هناك وفرض 3 سنوات من الأحكام العرفية وساعدته البعثة العسكرية الأميركية على إنشاء شرطته السرية «سافاك» التي كان الأميركيون يريدوها عينا لهم وآذانا على السوفييت، ومن ثم أصبح الشاه محور السياسة الخارجية الأميركية في العالم الإسلامي (ص 92)، ولسنوات قادمة لم يكن الناطق أمام الشاه باسم الولايات المتحدة هو سفيرها بل كان هذا الناطق هو مدير محطة المخابرات المركزية في طهران.
انقلاب غواتيمالا
في الفصل العاشر تتحول بوصلة الاهتمام من الشرق الأوسط إلى جنوبي الولايات المتحدة حيث أميركا الكاريبية الوسطى ومن ثم قارة أميركا اللاتينية. وكان الهدف هو إسقاط النظام الحاكم في دولة لاتينية صغيرة اسمها غواتيمالا وكان اسم العملية هو «النجاح»، ولم تتورع الوكالة المركزية عن استخدام الطائرات لقصف مواقع المعارضين، ومع ذلك خسر مؤيدوها عددا من رجالهم في الاشتباك الذي دار في عاصمة غواتيمالا. وعندما طرح الرئيس أيزنهاور سؤاله قائلا:
ـ كم فقد (رجالنا) من عناصرهم؟
أجاب مسؤول الوكالة بكل ثقة ورزانة:
ـ فرد واحد يا سيدي.
ـ غير معقول (هكذا علق أيزنهاور)
أما مؤلفنا فيعلق قائلا: كان 43 رجلا على الأقل لاقوا حتفهم في تلك العملية، لكن لا أحد جرؤ في تلك اللحظة على أن يعارض مسؤول الوكالة، كان الأمر عبارة عن تزييف بغير حدود.
والمشكلة ـ يضيف المؤلف ـ أن كانت هذه الحادثة بمثابة نقطة تحوّل في تاريخ السي. آي. إيه. وتجسدها محاولات التغطية على المشاكل والأزمات وخاصة تلك التي واجهتها العمليات السرية التي نفذتها الوكالة عبر البحار. وفي هذا يقول أحد مؤسسي الوكالة: كثير منا، نحن الذين التحقنا بخدمتها لم نجد أنفسنا بحاجة للالتزام في الإجراءات التي اتخذناها بأي قواعد أخلاقية.
من هنا ـ يعلق المؤلف أيضاً ـ كان هذا الرجل وزملاؤه على استعداد للكذب حتى على رئيس الدولة من أجل حماية صورة وكالتهم، والمشكلة أن أكاذيبهم هذه نجمت عنها نتائج ومواقف ظلت ماثلة في الأجل الطويل.
رسالة خاصة إلى الرئيس
لكن هذه العواقب الطويلة الأجل سرعان ما بدأت تتضح للعيان حتى في سنوات الخمسينات الأولى. ففي نهاية مايو من عام 1954 تلقى الرئيس أيزنهاور شخصيا رسالة من 6 صفحات بعث بها جيم كيلليس الذي يصفه المؤلف (ص 107) بأنه كان واحدا من آباء الوكالة المؤسسين.
وبهذه الصفة، أوفدوه في زيارات متعددة لتفقد أحوال مكاتب الوكالة وعملياتها السرية في أنحاء شتى من العالم. وبعد هذه الرحلات عاد الرجل إلى واشنطن ساخطا على ما رآه ثم قرر الاستقالة ليتحول إلى واحد من الذين ينبّهون إلى الخطر ومكامن الأخطاء، من نافخي الصفارة كما يقول التعبير الأميركي الشائع.
قرأ الرئيس أيزنهاور هذه الرسالة واحتفظ بها، والأكيد أنه قد ساورته الشواغل إزاء سطور احتوتها من قبيل: يا سيادة الرئيس، أصارحك أن وكالة المخابرات المركزية باتت الآن في حالة مزرية، ولكنهم في تقارير الموقف التي يلخصونها لك يرسمون أمامك صورة وردية، في حين أن الحقيقة المريعة تظل مكتومة تحت خاتم «سري للغاية».
ولأن أيزنهاور كان قائدا محنكا، بقدر ما كان قد فارق سن الشباب وبدأ يطرق أبواب الشيخوخة، فلم يشأ تفجير الموقف، ولكن بادر إلى تشكيل فريق ثلاثي يضم ممثلين عن الرئاسة والبرلمان ووزارة الدفاع وتسند إليه مهمة دراسة العمليات التي تقوم بها الوكالة المركزية.
بيد أن المشكلة أن هؤلاء المسؤولين كانوا يفتقرون إلى سلطة النظر في تلك العمليات السرية ومن ثم إقرارها أو رفضها، وكان بديهيا أن يستغل ألين دالاس، مدير الوكالة هذه الثغرة في السلطات والصلاحيات وأن يظل مطلق اليدين في تخطيط وإقرار العمليات السرية وأن يصبح هو ومعه نوابه ومديرو المكاتب الخارجية للاستخبارات هم أصحاب القرار وهم قوى التنفيذ وهم أطراف الحكم على مدى الإنجاز أو الإخفاق، وكل هذا كان يتم تحت ستار كثيف من السرية.
ولم يكن سلاحهم في هذا يقتصر على المعلومات المكتومة ولا العمليات السرية فحسب، بل كان هناك سلاح استخدموه كثيرا وربما استسهلوا استخدامه إلى حد كبير، هذا السلاح هو: الأموال السرية، أو: النقد البارد («كولد كاش» حسب اصطلاح أهل المهنة في تلك الأيام.
ترجمة هذا المصطلح هي دفع أموال من تحت لتحت كما يقال لشراء ذمم وولاءات وخدمات رجال السياسة الأجانب، ومن عجب أن تكون - أول ساحة يتم فيها هذا الاستخدام وهذا الشراء للولاء في بلد آسيوي كبير وعريق اسمه، اليابان. يقول المؤلف: نعم، كانت اليابان هي أول مكان استطاعت فيه الوكالة المركزية الأميركية أن تلتقط زعيما للمستقبل يقود مثل هذه الدولة الكبيرة.
من هنا ساعدت الوكالة نوبوسكي كيشي على أن يصبح رئيسا للوزراء في طوكيو ومعه يوشيو كوداما الذي كان من قادة العصابات ولكنه تحول إلى صديق لواشنطن التي وضعت مصائر اليابان مع الخمسينات بين يدي هذين الرجلين اللذين يصفهما المؤلف في بلاغة موجزة حين يقول: في الحرب ضد الفاشية كان الرجلان من أبغض خلق الله بالنسبة لأميركا، أما في الحرب ضد الشيوعية كانا الأنسب والأقرب إلى قلب أميركا.
كلمة السر
كانت كلمة السر في تحول ولاء هذه العناصر وإضرابها من الوطنية اليابانية التي حاربت أميركا والحلفاء إلى الانحياز بعد الحرب وعقب هزيمة اليابان إلى واشنطن والغرب بشكل عام - كانت كلمة السر عبارة واحدة هي: ها نحن قد صرنا ديمقراطيين الآن.
وتحت جناح الديمقراطية المستجدة في يابان الخمسينات بدأت العلاقة السرية بين وكالة المخابرات المركزية وبين القوى السياسية التي رفعت إعلام الليبرالية والديمقراطية وما إلى ذلك، وفي هذا يقول مؤلفنا (ص 119): كان التفاعل الجوهري بين المخابرات الأميركية والحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني مجسدا في أمر واحد (وخطير) .
وهو مقايضة المعلومات مقابل الأموال، طبعا الطرف الياباني يقول ويحكي والطرف الأميركي يتلقى ويدفع هنالك ـ والعهدة على المؤلف بطبيعة الحال ـ ترتسم بين سطور هذا الفصل 12 من الكتاب صورة نراها مؤسسية إلى حد الرثاء للعلاقة بين الطرف الأميركي ممثلا في المخابرات وبين فئات كاملة من النخبة اليابانية ابتداء من عقد الخمسينات. ومرة أخرى نحيل إلى المؤلف حين يقول:
أنشأ الأميركيون علاقة دفع وقبض مع شباب اليابان الواعد أيامها ممن أصبحوا - بعد جيل من الزمن (يعني ابتداء من الثمانينات) أعضاء في البرلمان ووزراء في الحكومة فكان أن عزّزوا مكانة الحزب الليبرالي الديمقراطي لحساب تدمير الحزب الاشتراكي في الحكومة ونقابات العمال في اليابان.
عرض ومناقشة: محمد الخولي

