شهدت الساحة السياسية التركية في السنوات الأخيرة تحولات عميقة، على المستويين الداخلي والخارجي، في ظل ما تشهده المنطقة بشكل عام من أحداث وتطورات. وشكلت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تركيا منعطفا جديدا، يتوقع الكثير من المراقبين أن تكون له آثار بعيدة المدى على الداخل التركي وعلى العلاقات الخارجية لتركيا، خاصة تجاه إسرائيل ومستقبل التحالف الاستراتيجي القائم بينها وبين تركيا.
ونظرا لأهمية هذه التحولات وانعكاساتها عربيا وإقليميا، فان وحدة الدراسات في »البيان« تقدم في ما يلي قراءة متعمقة في ملف العلاقات التركية الإسرائيلية، أعدها الكاتب والمحلل السياسي نواف الزرو، الذي هو في الوقت ذاته أحد كتاب الرأي في »البيان«.
يبدو أن المشهد السياسي ـ الاجتماعي التركي الداخلي في طريقه إلى الاستقرار بعد ذلك الصراع العلماني ـ الإسلامي إلى حد كبير حول مؤسسة الرئاسة على نحو خاص، وبعد أن انحازت غالبية الناخبين في تركيا وهُم مسلمون إلى »خيار أردوغان« الذي أعلنه بنفسه، إذ قال إنه »يتعهد باحترام العلمانية«، وإنه لا يسعى إلى »أسلمة مؤسَّسات الدولة« ولا يُضْمِر في سياسته »أهدافا إسلامية«، غير أن هذا الحل الماثل للتناقضات التركية الداخلية ربما يثير القلق المتزايد لدى الخارج الغربي، والإسرائيلي منه على نحو حصري.
ذلك أن التحولات التركية المؤسسية الراسخة باتجاه الإسلام السياسي المعتدل، لا تبعث الارتياح لدى المؤسسة الإسرائيلية، بل وتفتح ليس فقط ملف العلاقات التركية ـ الإسرائيلية على مصراعيه، وإنما أيضا ملف المعادلات والموازين الإقليمية، التي استندت حتى ما قبل »اردوغان« و»الإسلام السياسي« المتكرس على امتداد مساحة تركيا، ربما هذه المرة في غير صالح إسرائيل.
فعلى الرغم من رسالة الطمأنة التي وجهها السفير التركي في إسرائيل نئمان طان إلى المسؤولين الإسرائيليين ومفادها أنه على الرغم من الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة في تركيا فإن العلاقة بين الدولتين «لن تتضرر«، مضيفا في خطاب ألقاه في مؤتمر خاص عقد في مركز هرتسيليا، أن »تركيا بعد الانتخابات ستبقى شريكاً تجارياً لإسرائيل، وستواصل استقبال السياح والتعاون في مجال الصناعات العسكرية.
كذلك ستدعم إسرائيل في أي موضوع في المنطقة« (عن الصحف العبرية 27/07/2007)، وعلى الرغم من مشروع القرن الذي أقرته ـ في فترة سابقة ـ تركيا وإسرائيل لإنشاء خط أنابيب يربط البحرين الأسود والأحمر، والذي وصفه وزير الطاقة التركي حلمي جولر على انه خطوة من شأنها تعزيز أمن الطاقة الإسرائيلي ودور تركيا كمركز لها (عن فلسطين اليوم ـ وكالات 16/12/2006)، إلا أن ذلك لا يبعث على الاطمئنان لدى الجانب الإسرائيلي الذي لم يبد عمليا ردود فعل تعكس حقيقة القلق الساري في الأوصال الإسرائيلية.
استضافة وفد حماس
وان كانت إسرائيل على حذر كبير من ردود الفعل المغضبة في هذه المرة، إلا أنها كانت قد أعربت عن غضبها العارم من تحولات سابقة في المواقف السياسية التركية في ما يتعلق بالصراع في فلسطين، فقد غادرت وزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني أنقرة في زيارتها لها في النصف الأول من العام المنصرم خالية الوفاض سياسيا واستراتيجيا، وأخفقت في كسب الموقف التركي لصالح الحلول الانفرادية، بينما تمسكت الحكومة التركية بخارطة الطريق.
وقبل ذلك بأسابيع قليلة ثار غضب إسرائيل وأميركا والغرب كله من تجرؤ الحكومة التركية على استضافة وفد من حركة حماس، واتهمت حكومة اردوغان بإضفاء طابع إسلامي على السياسة الخارجية التركية..!
فيما ذكرت الإذاعة الإسرائيلية (1/4/2007)، نقلا عن مصادر إعلامية تركية، أن حكومة أنقرة تراجعت عن دعوتها لرئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية لزيارة تركيا »بسبب ضغوط أميركية وإسرائيلية«. ونسبت الإذاعة إلى صحيفة »راديكال« التركية قولها إن التراجع عن الدعوة جاء بعد تلقي وزير الخارجية التركي عبد الله جول »تهديداً من توم لانتوس رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، بعدم تقديم الدعم لتأجيل المصادقة على مشروع قانون تقدم به الديمقراطيون بشأن تجريم ما يسمى بمذبحة الأرمن على أيدي الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى«.
وكانت استضافة أنقرة لخالد مشعل في 15 فبراير 2006 أثارت غضب اللوبي والقيادات اليهودية في الولايات المتحدة، التي هددت أيضا من خلال أتباعها وأنصارها في تركيا بتضييق الحصار على تركيا في المحافل السياسية والاقتصادية الدولية.
محاور العلاقات الثلاثية
ما الذي يجري إذن على مستوى العلاقات التركية ـ الإسرائيلية؟ وما الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية؟!
فقد كنا حتى قبل وقت قريب نتحدث بتشاؤم ورعب عن التحالف الاستراتيجي التركي ـ الإسرائيلي والتهديد الذي يشكله للأمن القومي العربي! وكنا نتحدث عن الأهداف العسكرية الاستراتيجية المشتركة بين الدولتين، وعن فكي الكماشة الإسرائيلية والتركية..!
وكنا نتحدث عن »رواية العشق والحب« المتراكمة بين الدولة الصهيونية والدولة التركية الإسلامية.. وكذلك عن الحزام والطوق الأمني العسكري الاستراتيجي بينهما الذي يلتف حول أعناق دولنا وأوطاننا العربية..!
كنا نشعر على المستوى العربي بالتهديدات التركية ـ الإسرائيلية لسوريا والعراق، وكنا نضع دائما أيدينا على قلوبنا..! فمحاور العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين كانت تطفح بالعداء المرعب لامتنا العربية، وكانت تثير الفزع والكوابيس.
فكان هناك محور أميركا ـ تركيا ـ إسرائيل، وكان محورا معاديا لامتنا العربية. وكان هناك محور العلاقات العسكرية والأمنية التي ترجمت ترجمة مكثفة بجملة من الاتفاقيات العسكرية والصفقات الأمنية والزيارات واللقاءات التنسيقية المتبادلة.
وكانت هناك حتى اتفاقية التعاون المشترك في المجال العسكري ـ الأمني التي وقعت بينهما في 23 فبراير 1996 واشتملت، على سبيل المثال، على:
1- إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين التركي والإسرائيلي.
2- العمل على إيجاد المنتدى الأمني للجوار الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل.
3- السماح لإسرائيل بوضع مجسات على الأراضي التركية لرصد التحركات العسكرية السورية والعراقية والإيرانية.
4- التعاون في مجال الاستخبارات.
5- تقوم إسرائيل بمساعدة الجيش التركي بالمعدات الحديثة والمتطورة والتكنولوجيا المتقدمة في مجال الأسلحة، على طول الحدود السورية العراقية والإيرانية.
وكان هناك بين الدولتين محور التعاون الاقتصادي.. وكان أيضا محور التعاون في مجال »الإرهاب«، حيث تقدم إسرائيل الخبرات والمعلومات المتعلقة بمحاربة »الإرهاب الكردي« بالنسبة لتركيا، وتقدم تركيا لإسرائيل الخبرات والمعلومات المتعلقة بمحاربة »الارهاب الفلسطيني«.
فما الذي حدث إذن؟ وما الذي جرى ويجري؟!
تحولات دراماتيكية
كانت قناعاتنا بأن الجبهة التركية الشمالية للعراق ستكون رئيسية وخطيرة في العدوان الأميركي على العراق، فرفض الشعب والبرلمان التركي هذا الدور، بل إن رئيس الوزراء التركي اردوغان كان قد وصف العمليات العسكرية الأميركية في العراق بـ »إرهاب دولة«.
وكانت قناعاتنا بأن تركيا وإسرائيل ستفترسان سوريا.. وأن تركيا ستدعم إسرائيل دعما مفتوحا بلا تحفظات ضد الفلسطينيين..!
لنفاجأ بأردوغان يوجه صواريخه ضد إسرائيل، حيث أكد في لقاء أجرته معه صحيفة هآرتس العبرية مثلا: »أن إسرائيل تقتل الفلسطينيين دون تمييز وتهدم منازلهم« و»انه ليس من تفسير للممارسات الإسرائيلية إلا باعتبارها إرهاب دولة«.
ثم ليتهم شارون بدفن وساطة السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل.. وبرفضه دعوة لزيارة إسرائيل... ثم استدعائه للسفير التركي في إسرائيل، بعد أن كانت تركيا قد ألغت قبل ذلك العقود العسكرية مع إسرائيل.
ليتصاعد الموقف التركي ضد إسرائيل وليصل إلى مستوى قلب كل الحسابات والتوقعات، حينما أكد أردوغان في تصريح هو الأجرأ له: »ان السياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين تقوي نزعة معاداة السامية في العالم«، داعيا إسرائيل إلى التخلي عن عملياتها ضد الفلسطينيين، وليؤكد أيضا »حق الشعب الفلسطيني في وطن حر ومستقل..«.
وتحدثت بعض المصادر الإسرائيلية عن أن الانتقادات التركية لإسرائيل حقيقية وجدية ويجب على إسرائيل أن تتعامل معها بجدية، قبل أن تنقلب المعادلة الاستراتيجية ضد إسرائيل.
نعتقد أن هذه التطورات بالغة الأهمية في السياسة التركية الانتقادية والهجومية ضد إسرائيل، تشكل حقا فرصة تاريخية للعرب للتأثير على او لتغيير موازين ومعادلات التحالفات والقوى في المنطقة..
فالخشية التي كانت أبدتها أوساط إسرائيلية من احتمالية أن تتأثر العلاقات الاستراتيجية المتكرسة حتى تاريخه ما بين الدولة العبرية وتركيا، إثر نتائج الانتخابات التشريعية التركية وفوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي، ليست وهمية ومبالغاً فيها، ذلك أن العلاقات التحالفية الاستراتيجية بين الدولتين قديمة راسخة شاملة متكاملة تمتد إلى كافة المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، وأي تغير قد يطرأ على الخريطة الداخلية والمواقف السياسية الخارجية التركية، من شأنه أن يحدث خللاً استراتيجياً في معادلات وموازين المنطقة، وعلى نحو خاص ما يتعلق منها بالبعد الإسرائيلي...
للإحاطة بهذه الخشية وحالة القلق الإسرائيلية إزاء تداعيات السياسة الخارجية والأمنية التركية المتغيرة المتجددة، نرى ضرورة ملحة للاطلاع على مقدمات ومضامين استراتيجية التحالف التركي ـ الإسرائيلي وأهدافها الموثقة بين الجانبين.
محاور العلاقات الاستراتيجية
أولا ـ العلاقات السياسية: فحسب المراجع »تعود« بداية العلاقات السياسية التركية ـ الإسرائيلية إلى عام 48–1949، حيث كانت تركيا أول الدول الإسلامية التي تعترف بإسرائيل وتتبادل معها التمثيل الدبلوماسي.
وقد مرت العلاقات السياسية التركية ـ الإسرائيلية عملياً بمراحل زمنية عديدة، أهمها وأبرزها مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية، حيث انكشف النقاب تماماً عن عمق وشمولية واستراتيجية العلاقات التركية ـ الإسرائيلية ـ الأميركية القائمة في نهاية الأمر على حساب ومصالح الأمة العربية.
ويمكن الحديث هنا في هذا السياق عن محور سياسي تركي ـ إسرائيلي ـ أميركي معادٍ للأمة العربية حتى وقت قريب، وقد انعكس ذلك في جملة كبيرة من المواقف التركية المؤيدة للدولة العبرية، وبالعكس. وتلك المواقف السياسية لا يمكننا فصلها عن آفاق التحالف الثنائي الأخرى عسكرياً واقتصادياً.
ثانيا ـ العلاقات العسكرية الأمنية: وإذا كان لنا أن نتحدث ببالغ الجدية والخطورة عن العلاقات التحالفية الاستراتيجية بين الدولتين، فقد ترجمت هذه العلاقات ترجمة مكثفة قوية جداً في المجال العسكري ـ الأمني، الأمر الذي ترجم أيضاً بجملة من الاتفاقيات العسكرية والصفقات الأمنية والزيارات واللقاءات التنسيقية المتبادلة بين الجانبين، ولعل اتفاقية التعاون المشترك في المجال العسكري ـ الأمني التي وقعت في 23 فبراير 1996 بين البلدين هي الأبرز، وشملت عنوانين للتعاون:
1- التعاون في مجال التدريب العسكري.
2- التعاون في مجال التصنيع العسكري.
حيث كانت تركيا بحاجة إلى تفوق سلاح الجو الإسرائيلي والتكنولوجيا الحربية الإسرائيلية، في الوقت الذي تحتاج فيه إسرائيل إلى العمق الجوي التركي للتدريب المشترك، وتتضمن الاتفاقية العسكرية البنود التالية:
1- إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين التركي والإسرائيلي في مختلف المجالات البرية والبحرية والجوية، وقد أكدت (زعمت) تركيا أن هذه المناورات والتدريبات ستأخذ الطابع الإنساني في البحث والإنقاذ.
2- العمل على إيجاد المنتدى الأمني للجوار الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل، حيث يهدف إلى معرفة وتوقع الأخطار التي تمثل تهديدا لتركيا وإسرائيل، والعمل على مواجهة هذه الأخطار وضم بلدان عربية إلى هذا المنتدى.
3- نص الاتفاق على تعهد تركيا بالسماح لإسرائيل بوضع مجسات على الأراضي التركية، لرصد أية تحركات عسكرية في المنطقة خصوصاً من سوريا وإيران.
4- تتعهد إسرائيل بتقديم المعلومات اللازمة لتركيا لمساعدتها في مواجهة حزب العمال الكردستاني.
5- يقوم الجيشان الإسرائيلي والتركي بعمل ثماني مناورات جوية سنويا في السماء التركية.
6- تقوم تركيا باستقبال الطيران الإسرائيلي على أراضيها، حيث يكون له حق اللجوء للأراضي التركية في حالة الطوارئ داخل إسرائيل.
7- التعاون في مجال الاستخبارات، حيث تقوم إسرائيل بجمع المعلومات عن قواعد الأكراد وعن سوريا وإيران وتقديمها لتركيا، وذلك من خلال الأقمار الصناعية.
8- تقوم إسرائيل بتقديم المساعدات للجيش التركي والتي تشمل المعدات الحديثة والمتطورة والتكنولوجيا المتقدمة في مجال الأسلحة، وذلك على طول الحدود السورية العراقية والإيرانية، وهذا سيطور الجيش التركي وبالتالي ستحصل إسرائيل على الدعم المادي نتيجة المساعدات العسكرية لتركيا.
وحسب المصادر الإسرائيلية الإعلامية والبحثية فقد عقدت صفقات كبيرة للأسلحة والتطوير العسكري بين الجانبين تقدر بمليارات الدولارات (لا مجال هنا لتفاصيلها)، وتنطوي على أبعاد ليست فقط عسكرية أمنية في مجال التكنولوجيا والهيمنة الاستراتيجية على المنطقة الشرق أوسطية، وإنما أيضاً على أبعاد اقتصادية لصالح الدولة العبرية في الأساس.
ثالثاـ التعاون الاقتصادي: وقد اتفقت الدولتان على توسيع نطاق العلاقات الاقتصادية بينهما لتشمل:
1- التبادل التجاري: حيث اتفقت الدولتان أيضاً على زيادة حجم التبادل التجاري وإلغاء الرسوم الجمركية تدريجياً بين البلدين، وتعزيز هذا التعاون في مجال المقاولات، حيث تقوم شركات مقاولات تركية ببناء المساكن للمستوطنين اليهود وغيرها.
2- التعاون السياسي: وقد تم التوقيع على اتفاقية التعاون السياسي بين تركيا والدولة العبرية عام 1992، والمصلحة هنا مشتركة بينهما.
3- التعاون في مجال الزراعة: يتكثف التعاون بين البلدين في مجال الزراعة في »مشروع غاب«، وهو مشروع لتنمية شرق الأناضول يشمل إقامة عدد كبير من السدود والمحطات الكهربائية على طول نهري دجلة والفرات، كما يشمل أنظمة ري حديثة.
ونشير هنا بشكل خاص إلى الاستفادة التركية من التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية واستقدام الخبرات الإسرائيلية في هذا المجال.
رابعا- التعاون في مجال »الإرهاب«: بدأ التعاون بين البلدين في هذا المجال عام 1993، وخاصة على مستوى تبادل الخبرات والمعلومات المتعلقة بمحاربة »الإرهاب« الكردي بالنسبة لتركيا و»الإرهاب« الفلسطيني والعربي بالنسبة للدولة الإسرائيلية، وتم توثيق هذا التعاون في الاتفاق الذي وقع خلال زيارة تانسو تشيللر (رئيسة وزراء تركيا السابقة) لإسرائيل في 3 نوفمبر 1994.
ولكن وفقا لمعطيات التطورات الأخيرة في السياسة الخارجية التركية، فقد انقلبت المواقف التركية من التأييد المطلق لإسرائيل إلى اتهامها باقتراف جرائم حرب وممارسة إرهاب دولة ضد الشعب الفلسطيني.
دوافع وأهداف التحالف
يتسع نطاق الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية التي وقفت وراء التحالف الاستراتيجي بين تركيا ــ إسرائيل على مدى العقود الماضية، ليمتد إلى آفاق عديدة حيوية تمس في المضمون الوجود والأمن التركي من جهة والوجود والأمن الإسرائيلي من جهة أخرى، على قدر العوامل والدوافع والأهداف المحركة للدولتين لعقد هذا التحالف، والتي يمكن تكثيفها كما يلي:
أولاً، بالنسبة لتركيا:
1- الصراع الداخلي في تركيا بين التيار الإسلامي والتيار العلماني ممثلاً في المؤسسة العسكرية والأحزاب العلمانية، فخلال مراحل هذا الصراع كافة سعت هذه المؤسسة العسكرية إلى تطوير العلاقات مع إسرائيل الحليف الاستراتيجي الأول لأميركا في الشرق الأوسط، باعتبار ذلك ضمن أمور أخرى وسيلة لتأكيد »الطابع العلماني الغربي« للدولة التركية، وفرض ذلك كأمر واقع يصعب على التيار الإسلامي تغييره أو تحديه، سواء كانت أحزاب هذا التيار في السلطة أو في المعارضة. وبالنظر إلى أن هذا الصراع ما زال قائماً على الرغم من إبعاد حزب »الرفاه« عن السلطة في 18/6/1997، فإنه يتوقع أن يظل هذا العامل مؤثراً في دفع تركيا مستقبلاً إلى مزيد من تطوير علاقاتها مع إسرائيل وأميركا.
2- المشكلات التركية الداخلية الأخرى، ولا سيما العنف بتعبيراته المختلفة (الكردي واليساري والإسلامي)، تشكل بدورها عاملاً مهماً لتطوير العلاقات مع إسرائيل، لتقدير الأوساط التركية المعنية بمكافحة الإرهاب إمكانية الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في التعامل مع هذه المشكلة، والتي تعود بالأساس من وجهة النظر التركية إلى عوامل خارجية، مثل الوضع في شمال العراق وادعاء ارتباطات سوريا بحزب العمال الكردي ـ سابقا ـ وإيران بالمنظمات الكردية والإسلامية التركية المتطرفة.
3- توترات العلاقات التركية ـ السورية السابقة بسبب قضايا عديدة، كالمياه وأمن الحدود والاسكندرون، شكلت عاملاً مهماً في تطوير علاقات تركيا بإسرائيل والتي يمكن في ضوئها تفسير ازدواجية الموقف التركي حتى وقت قريب إزاء عملية السلام والذي يتنازعه اتجاهان متناقضان.
4- أهداف تركية أخرى كانت وراء التعاون ـ التحالف مع إسرائيل، على الرغم من تحفظ بعض الإسرائيليين على تركيا وهي بصدد تعاونها مع إسرائيل، أو أنها تحاول الاستفادة من الدعم الأميركي عن طريق الأخيرة.
ثانياً، بالنسبة للدولة العبرية:
أما الدوافع والأهداف الإسرائيلية وراء التحالف أيضا، فهي واسعة نكثفها في ما يلي:
1- تقويض الأمن القومي العربي، خدمة للصهيونية ولتوجيهات حلف شمال الأطلسي والذي تمثل تركيا ركيزة أساسية من ركائزه.
2- منع أي توجه وحدوي عربي أو أي تقارب سوري عراقي يصب في المحصلة النهائية في قوة ومنعة الأمة العربية، وبالتالي وأد أي تدخل في شؤونها الداخلية سواء صهيونياً أو تركيا.
3- وضع حد للمد الإسلامي سواء داخل تركيا أو في دول الجوار الجغرافي، لما له من تأثير على السياستين التركية والصهيونية الغربية.
4- تركيع الأمة العربية ممثلة عبر سوريا والعراق ولبنان وفلسطين، وذلك بالضغط عليها للقبول بالأمر الواقع والتوقيع على معاهدة سلام مع إسرائيل وبشروط الأخيرة، من خلال الضغط على كلا القطرين خاصة فيما يتعلق بموضوع المياه وفتح جبهات أخرى لإشغال هذين القطرين عن الهدف الأساسي وهو الصراع مع الصهيونية.
5- خدمة الاستراتيجية الصهيونية بمراقبة وجمع المعلومات عن دول تهدد الأمن الإسرائيلي حسب تعبير الصهاينة، مثل سوريا وإيران وتنظيمات مثل حزب الله وحماس والجهاد وغيرها، ويشمل ذلك فتح المجال الجوي التركي وكذلك مراقبة الموانئ السورية على البحر المتوسط.
6- محاولة إدخال مشروعية الوجود الصهيوني في المنطقة، وذلك بتقويض النظام الإقليمي العربي وخلق نظام السوق الشرق أوسطية، والذي تدخل في عضويته أطراف الجوار الجغرافي للنظام العربي كتركيا وإيران إضافة »لإسرائيل«، وبالتالي تتحقق المشروعية الواقعية للوجود الصهيوني في فلسطين.
7- الاستمرار في تنفيذ السياسة الصهيونية الغربية من قبل تركيا، وذلك باستمرار تدخلها في شؤون العراق وسماحها للوجود الأميركي الصهيوني الغربي بمراقبة تحركات العراق، والعدوان عليه خاصة من قاعدة »انجرليك« وإبقاء العراق تحت رحمة الغرب وعدوانه السافر.
آفاق التحالف المستقبلية
ولكن، على أرضية هذا الزخم المهم من المعطيات والحقائق المتعلقة باستراتيجية التحالف التركي ـ الإسرائيلي على مدى العقود الماضية، قبل فوز حزب العدالة في الانتخابات ونجاحه في تشكيل الحكومة ودوافعها وأهدافها الكبيرة، وفي ضوء هذا الانقلاب السياسي الانتخابي بالغ الأهمية في الخريطة السياسية التركية، فان السؤال الكبير الذي طرح نفسه بقوة متزايدة وما يزال، هو: إلى أين تسير العلاقات التركية الإسرائيلية في ظل العهد التركي الإسلامي الجديد؟ وما هي آفاقها واحتمالاتها المختلفة؟!
وفق المؤشرات الصادرة عن حزب العدالة والتنمية فان هذا الحزب ـ النظام السياسي الجديد لا يعتزم، على الأقل في الأفق المنظور، اتخاذ خطوات دراماتيكية تفضي إلى تغير وانقلاب جذري في العلاقات التحالفية مع الدولة الإسرائيلية، نظراً لجملة المعطيات المشار إليها والمتعلقة بطبيعة موازين القوى الداخلية ودور المؤسسة العسكرية الأمنية المهيمنة على الدولة التركية، والمتحالفة تحالفاً استراتيجياً قوياً مع الولايات المتحدة والدولة الإسرائيلية.
غير أن كل ذلك لا يلغي الحقيقة الكبيرة الساطعة، وهي أن تركيا شهدت عهداً جديداً في نظامها السياسي واستراتيجياتها العسكرية والسياسية والإعلامية الخارجية، وعلى نحو خاص في مجال العلاقات التركية الإسرائيلية، وهذه التطورات كافية لأن تشعل كل الأضواء الحمراء.. وأن تدق كل نواقيس الخطر.. وأن تبعث كل القلق في أوساط المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
ذلك أن أي تغيير جذري في السياسة التركية العريقة في تحالفاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والدولة العبرية، من شأنه أن يخل بكافة المعادلات والموازين والخرائط والمخططات والسيناريوهات القائمة والمبيتة للمنطقة العربية والشرق أوسطية، بما يخل بالمصالح الأميركية ـ الإسرائيلية بشكل عام، وبمقومات الوجود والاستمرار والهيمنة الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة العرب على نحو خاص جدا...
ولكن، أين العرب من كل هذه التحولات والتطورات الملفتة في العلاقات التركية ــ الإسرائيلية وفي السياسات التركية الخارجية والأمنية وغيرها؟!
َمن مِنَ العرب يحسن استثمار الفرص التاريخية؟ ومَنْ مِنهم معني أو مهتم بمثل تلك التحولات؟!
المشهد العربي يشير إلى أن العرب في حالة فقدان للوزن والتوازن، وأنهم عاجزون أو لا يريدون، ليس فقط الهجوم، وإنما حتى الدفاع عن أنفسهم!! فمن يقوم من العرب باستثمار الفرصة وإعادة صياغة العلاقات العربية التركية ايجابيا، لصالح الأمن القومي العربي المفكك والمهدد بالضياع الاستراتيجي؟!
إعداد: نواف الزرو