من ميزات هذا الكتاب الذي نعرض له هنا هو أنه يصدر أولا بقلم كاتب خبير في شؤون المخابرات وقد أمضى 20 سنة مندوبا لأكبر صحيفة أميركية (نيويورك تايمز) في هذه الدوائر المعنية بداهة بأنشطة المعلومات والتجسس والعمليات السرية وتقديرات الموقف وتحليلات الأوضاع في مختلف أقطار العالم.
وميزته ثانيا أنه لا يقوم على مجرد رصد، أو حتى تقييم المعلومات التاريخية أو الآنية بقدر ما يستند إلى قدر ضخم حقا من التوثيق والإحالة إلى المستندات التي كُشف عنها النقاب مؤخرا فضلا عن أحاديث ومقابلات أجراها الكاتب مع عدد من الشخصيات التي كان لها أدوارها الفاعلة والمؤثرة، وأحيانا المفصلية في تاريخ الوكالة المركزية. وميزته ثالثا أن الكاتب يعمد إلى إصدار أحكامه من منطلق الموضوعية ـ القاسية أحيانا، ولكنها بعيدة باستمرار عن الانبهار المتولد عن الصور المزوقة شبه الأسطورية التي نشرتها دوائر السينما والتلفاز بشأن المخابرات الأميركية وعملياتها.
يسلط المؤلف الضوء في هذا الكتاب على الأخطاء التي ارتكبتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ويكشف أسرار العمليات السرية القذرة التي نفذتها في بلدان مختلفة من العالم بهدف التأثير في سياسات تلك البلدان خدمة للمصالح الأميركية.في صيف عام 1971، تسامع العالم بأول زيارة رسمية يقوم بها مسؤول أميركي كبير إلى دولة الصين الشعبية التي طالما ناصبتها أميركا العداء منذ ثورتها الشيوعية في عام 1949. في العاصمة الصينية بكين جرى لقاء مشهود بين الأميركي الزائر هنري كيسنجر وزير خارجية واشنطن وبين شوين لاي وزير خارجية الصين في ذلك الزمان، الذي بادر ضيفه: متحدثا عن العمليات التخريبية والمخططات السرية التي تدبرها وتنفذها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه) على مستوى العالم كله. على الفور رد عليه كيسنجر مؤكدا أنه بهذا يبالغ في تقدير كفاءة وقدرات المخابرات الأميركية.
قال الزعيم الصيني طبقا لمحضر هذا الاجتماع: على أي حال، فكلما وقع شيء في العالم انصرف الذهن على الفور إلى المخابرات الأميركية. واختتم هنري كيسنجر هذا الجانب من الحوار قائلا: هذا صحيح، وهو إطراء يسعدهم بغير شك، ولكنهم لا يستحقونه.
من طهران إلى بغداد
ولا شك أن كيسنجر لم ينس هذا الحوار الذي دار في أقصى الشرق من آسيا ? وذلك حين وقعت أحداث حاسمة في منطقة غربي آسيا ذاتها، ممثلة بالتحديد في الثورة الإيرانية عام 1979 مع ما تبع اندلاع الثورة من احتجاز عدد من الرهائن الأميركيين بسفارة واشنطن في طهران، يومها أعلنت الأوساط الأميركية أنها «فوجئت» بأحداث الثورة الإيرانية بكل تداعياتها، وظل هذا الدرس من المفاجآت التي ترادف السلبيات ماثلة في الأذهان إلى أن جاءت أحداث العراق مع السنوات الأولى من القرن الجديد، فإذا بالاستخبارات الأميركية تؤكد حيازة نظام بغداد السابق لأسلحة الدمار الشامل.
وإذا بالأحداث تتبرع من جديد بدحض هذا التصور وكشف مجافاته للواقع الحقيقي، إلى أن جاء ربيع عام 2007 الحالي حين نشر رئيس المخابرات المركزية السابق «جورج تينيت» كتابه في محاولة لتبرئة ذمة الوكالة وذمته شخصيا من أخطاء تلفيق المعلومات التي سبقت عملية غزو أرض الرافدين.
البداية في عهد ترومان
في غمار هذه الملابسات ـ السلبية بكل المقاييس يصدر الكتاب الذي نتناوله في هذه السلسلة السداسية من حلقات العرض والنقد والمناقشة والتحليل. ويصدر في مناسبة انقضاء 60 عاماً على إنشاء وكالة المخابرات المركزية الأميركية في عهد الرئيس الأسبق هاري ترومان، ويصدر أيضا ليحاول وضع حقائق كما يراها المؤلف في نصابها بعيدا عن هالات المبالغة وسحابات التهويل شبه الأسطورية أحيانا ? التي طالما أحاطت بسمعة الوكالة المركزية وقدراتها وعملائها وأساليبها.
نحن إذن أمام كتاب جاد وحافل بكميات ضخمة من المعلومات (703 من الصفحات) ويحمل عنوانا مسبوك البلاغة ومنسوبا إلى الرئيس الأسبق إيزنهاور الذي أشار إلى أن الوكالة المركزية، التي أرادت من خلالها القيادة الأميركية أن تعرف أسرار العالم، وأحوال شعوبه الظاهرة والمستنيرة لكنها فشلت في هذه المهمة كما رآها الجنرال أيزنهاور، وكل ما قدمته إلى قيادتها لم يكن سوى هذه الكومة من هباء منثور، أو على حد تعبير أيزنهاور: تركة من رماد.
التقييم النقدي
يصدر الكتاب أيضا في إطار تقليد إيجابي لا بد من الاعتراف به من جانبنا منسوبا إلى الأعراف الثقافية ? والرسمية في الولايات المتحدة، وهو قوانين الكشف عن الوثائق الرسمية بمعنى الإفراج عن معلومات وبيانات محفوظة ومودعة في أضابير ملفات «سري للغاية» على مدى سنوات سبقت من أسرار الدولة العليا.
هكذا نشر معهد أرشيف الأمن القومي ملفا سريا للمخابرات الأميركية من 700 صفحة يكشف عن نشاطاتها السرية )وبعضها في حكم غير المشروع( على مدى عامي 1950 و1970، هذا عدا عن صفحات أخرى تزيد على 1800 صفحة ما بين معلومات مطبوعة أو مسجلة على شرائط لمسؤولين وصحفيين وعملاء سريين ومنها ما يتعلق بمؤامرات دُبرت لاغتيال زعماء لدول أجنبية بعضها نجح بالفعل لومومبا زعيم الكونغو وبعضها كان فشله ذريعا بقدر ما كان مدويا )فيديل كاسترو زعيم كوبا.
في السياق نفسه، يكتب «إيفان توماس» وهو من كبار محرري مجلة «نيوزويك» في معرض تحليله النقدي لكتابنا موضحا ضروب الفشل الذي طالما مُنيت به الوكالة المركزية ومعددا حالات هذا الفشل وربما كان أولها أنها فوجئت شأن أي طرف عادي بتفجير وحيازة روسيا الشيوعية (أيام ستالين) قنبلتها الذرية الأولى عام 1949.
ولم تكن تعرف عن غزو القوى الشيوعية لكوريا الجنوبية مما أشعل نيران الحرب الكورية مع مطالع الخمسينات، ولا كان لديها معلومات كافية عن الانتفاضات التي اندلعت في معارضة نظم الحكم الموالية لموسكو داخل الستار الحديدي في أوروبا الشرقية منذ منتصف الخمسينات إلى أواخر الستينات (من انتفاضة إيمري ناجي في المجر عام 1956 إلى ربيع براغ بقيادة دوبتشيك في عام 1968.
ولا استطاعت أن تتوقع أو تستبق حادثة نصب الصواريخ النووية الروسية في خليج الخنازير بجزيرة كوبا عام 1962 رغم أن هذا الحَدَث كان يهدد باشتعال الحرب العالمية الثالثة، هذا ناهيك كما يضيف الكاتب إيفان توماس أيضا ? بعدم معرفة المخابرات الأميركية باندلاع الحرب العربية الإسرائيلية (في خريف عام 1973 ولا الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 إلى غير ذلك من ضروب ضآلة المعلومات أو سوء التقدير.
أخطاء الوكالة المركزية
من ناحية أخرى يشير كاتب أميركي آخر هو مايكل بسكلوس (نيويورك تايمز في 2007712 إلى أهمية الجهود البحثية الدؤوبة التي اضطلع بها مؤلف كتابنا من أجل إعداد هذا الكتاب، ولم يكن صدفة أن يصف هذا الناقد فحوى الكتاب بأنه يعرض الخطوات الخطأ التي اتخذتها وكالة الاستخبارات الأميركية من الماضي إلى الوقت الحاضر، مؤكدا أن هذا النقص في كفاءة الوكالة أدى إلى إلحاق الخطر بالأمن القومي للولايات المتحدة.
أما ناشر الكتاب فهو يشيد بمؤلفه الذي حصل على جائزة بولتزر الأميركية الرفيعة في مجال الكتابة والممارسة الصحفية. وبهذه القدرات من التميز والتفوق عكف مؤلفنا على التحضير لكتابه الذي نقلب صفحاته حاليا بعد أن قرأ ? كما يؤكد الناشر في مستهل الصفحات أكثر من 50 ألف وثيقة جاءت أساسا من أرشيفات الوكالة المركزية نفسها، فضلا عن إجراء مئات من المقابلات مع قدامى عناصر المخضرمين من العاملين في إدارات الوكالة المركزية على اختلافها في الداخل والخارج، بمن فيهم عدد من كبار المسؤولين الأميركيين الذين تولوا منصب مدير وكالة المخابرات المركزية في ظل الحكومات المختلفة التي تعاقبت على البيت الرئاسي الأبيض في واشنطن.
يبقى أن نقول من ناحيتنا إن مثل هذه المؤلفات والكتابات ? أيا كان نصيبها من النقد الموجع أحيانا ? فهي تصدر عن مواقف نراها صحيحة بقدر ما إنها صحية، فكل ظاهرة إنسانية وكل كسب بشري وكل اجتهاد من جانب الفرد أو الأفراد أو المؤسسات لا بد وأن يخضع يوما ما لآليات النقد والتقييم والتحليل، بعيدا عن منطق التكريس أو التجميد أو قصائد المديح أو مجرد الهجاء.
وهذا عين ما يمارسه مؤلف كتابنا الذي تخصص في الكتابة عن مؤسسات الاستخبارات والمعلومات الأميركية على مدى 20 سنة وهو ما حمله إلى أقطار شتى في شرق العالم وفي غربه من أجل دراسة عمليات السي. آي. إيه. وجمع معلومات عنها بشكل مباشر، أو معلومات من الدرجة الأولى كما يقال في لغة الاستخبارات.
هذا الكتاب الضخم يتألف من ستة أبواب ويضم 50 فصلاً بالتمام والكمال. وقبل أن يخوض المؤلف ـ تيم فينر غمرات موضوعه حول قلعة الأسرار الأميركية فهو يحرص على تصدير مقدمة الكتاب بكلمة ذاعت عن الكاتب المسرحي الفرنسي راسين (1669م) يقول فيها: ليس هناك أسرار لا يكشفها الزمن.
أما الباب الأول ـ وهو يتناول نشأة وكالة المخابرات المركزية في عهد ترومان فيحرص مؤلفنا على تصديره بعبارة تقول: في البداية، لم نكن نعرف شيئا مع الإطلاق. وكان هذا لسان حال ترومان شخصيا حين وجد نفسه على غير توقع جالسا إلى مكتب الرئاسة الأولى في البيت الأبيض إثر وفاة سلفه فرانكلين روزفلت في 12 أبريل عام 1945.
مكتب الخدمات الاستراتيجية
كان روزفلت قد استحدث أول مؤسسة تتولى أعمال المعلومات والاستخبارات تحت اسم «مكتب الخدمات الاستراتيجية» وأسند قيادته إلى الجنرال «ويليام دونوفان» الذي كان متخصصا في هذا المجال خلال أيام الحرب العالمية الثانية وقبل أن يشرع المكتب في عملياته المستهدفة رحل روزفلت عن الحياة، وجاء نائبه ترومان الذي كان يصرّ على ألا يتعاطى مثل هذا المكتب ولا غيره عمليات «العباءة والخنجر» بمعنى العمليات السرية ـ القذرة أحيانا كما يسميها أهل المخابرات.
كان ترومان يريد مكتبا أو دائرة تكتفي بتزويد رئيس الدولة بمعلومات (علنية) أو نشرات يومية للتوعية والإعلام حول ما يجري في العالم، ولهذا فقد أسرّ ترومان لواحد من أقرب أصدقائه مضيفا القول: لم يكن غرضي قط أن يعمل المكتب ولا غيره كمؤسسة للتجسس.
وهنا يعلق المؤلف بسطر موجز واحد يقول فيه: لكن رؤيته هذه تم تدميرها منذ اللحظة الأولى. ثم يستطرد المؤلف قائلا: منذ البداية كان الجنرال دونوفان يؤمن بأن الاستخبارات إذ تخوض حربا عالمية وشمولية، لا بد بدورها أن يكون نشاطها علميا وشموليا.
لكن الحاصل أن قادة القوات المسلحة الأميركيين كانوا يريدون بالفعل وكالة استخبارات ومعلومات لكن لخدمة دوائر الحرب في البنتاغون وليس لخدمة رئيس الدولة في البيت الأبيض. مع ذلك فقد كُتبت الحياة لهذه المؤسسة الوليدة كي تمارس أعمال الاستخبارات والجاسوسية، خاصة وقد بدأت نذر المنافسة مع السوفييت ومن ثم العداء لموسكو بعد انقضاء الحرب العالمية تلوح في الآفاق.
مرحلة الإنشاء
وسط حطام العاصمة الألمانية برلين التي دمرتها غارات الحلفاء، انقسمت المدينة الكبرى إلى شرق يسيطر عليه السوفييت وغرب يسيطر عليه الأميركيون. هنا أنشأت الاستخبارات الأميركية - كما يقول الكتاب ـ أول مقر لها، وكانت دارا فاخرة عاشت رغم الدمار، وكانت أيضا من اختيار أحد ضباط مكتب الخدمات الاستراتيجية يساعده ضابط شاب وقتها برتبة ملازم. كان ذلك في الفترة 19461945 وكان اسم الضابط الكبير هو «ألان دالاس» واسم مساعده الملازم الشاب «ريتشارد هيلمز».
وقد شاء القدر أن يتولى كل منهما فيما بعد منصب مدير وكالة المخابرات المركزية: الأول عند منتصف الخمسينات وهي المرحلة التي تصادمت فيها أقدار السياسة الأميركية ومخابراتها مع حركة التحرير والقومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، وسط ملابسات تمويل مشروع السد العالي، ومن قبله كانت محاولات إنشاء حلف بغداد وإدخال المنطقة العربية ضمن مناطق النفوذ الغربي، ومن بعده تأميم قناة السويس وتجربة الوحدة المصرية السورية.
وعن فترة الإنشاء والنشاط الأولى للمخابرات المركزية يقول ريتشارد هيلمز في حديث إلى مؤلف كتابنا: في البداية لم نكن نعرف شيئا على الإطلاق بالنسبة للجانب الآخر (السوفييتي) لا من حيث نواياهم ولا إمكاناتهم، كان قصارى ما يمكننا فعله هو أن نفرح كثيرا إذا ما تمكّنا من الحصول على خارطة أو على دليل هواتف من عندهم، وفيما عدا ذلك كنا نعمل وسط ظلام كامل.
صراع في واشنطن
كان هذا يدور على مسرح الأحداث والصراعات في أوروبا، أما في واشنطن فكان ثمة صراع من نوع آخر: كان صراعا محتدما حول من يتولى عمليات التجسس لحساب أميركا بعد انتهاء الحرب وتهيؤ واشنطن للاضطلاع بدور قيادي جديد في عالم الخمسينات من القرن العشرين.
والطريف ـ كما يوضح المؤلف ـ أن الصراع على «الفوز بكعكة التجسس» الأميركية وقتها كانت أطرافه هي هيئة الأركان في الجيش في إطار طموحها إلى مؤسسة استخبارات ومعلومات تنشط لحسابها، وبين إدجار هوفر مدير المباحث الفيدرالية الذي كان يطمح إلى توسيع أنشطته للتجسس حول العالم. ثم كان هناك سلاح البحرية الأميركي كطرف في الصراع، الذي ضم أيضا وزارة الخارجية مطالبة بنصيبها، والأغرب أن دخل الحلبة مدير مصلحة البريد الأميركية طامحا إلى أن تضم مصلحته أو وزارته وكالة للاستخبارات!
مسرح هزلي
عندما حسم الرئيس ترومان الأمر بإنشاء وكالة استخبارات عهد بإدارتها إلى الأميرال سيدني سوير، واستدعاه يوم 24 يناير عام 1946 إلى مأدبة غداء ضمت أركان الدولة ? العسكريين بالذات، وأوكل إليه بالمنصب مشفوعا بتعليقات ساخرة من جانب رئيس الدولة شخصيا يقول فيها: قررنا تنصيبك زعيما لعصابة البصاصين من أهل العباءة والخنجر، رئيسا لعملية التجسس المركزية. كان المشهد ? كما يقول الأميرال ليهي الذي حضر اللقاء، أقرب إلى مسرحيات الفودفيل الهزلية التي عرفتها ملاهي باريس الساذجة في ذلك الزمان.
والأغرب أن هناك من سأل الأميرال سوير نفسه بعد طقوس التعيين، عما يريد أن يفعله في تلك اللحظات، فأجاب المدير الجديد ـ أول مدير لوكالة المخابرات المركزية الأميركية: أريد أن أعود إلى البيت!
ومع السنوات الأخيرة من الأربعينات. شهد العالم بدايات الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب. وسط هذه الملابسات بدأت التحذيرات من أن تسقط اليونان وربما تركيا تحت حكم شيوعي، ومعها ارتفعت حمّى الحديث عما وصفوه أيامها بأنه «الخطر الأحمر» في إشارة إلى عقائد الشيوعيين.
هذا هو الإطار الذي أعلنت فيه واشنطن أولى مبادراتها العالمية الشهيرة بتاريخ 12 مارس 1947 وعنوانها مبدأ ترومان. أما مضمونها، فيمكن أن نستشفه من واقع الخطاب الذي وجهه الرئيس الأميركي في ذلك اليوم إلى العالم وجاء فيه: لقد تعين علينا أن نوجه مئات الملايين من الدولارات إلى اليونان لإنقاذها من تهديد الأنشطة الإرهابية. وبغير المساعدات الأميركية فقد تعم الفوضى وتنتقل إلى كل أنحاء الشرق الأوسط.
كان ترومان يلقي خطابه المذكور أمام الكونغرس، ثم وصل في أواخر الخطاب إلى الجملة التي قال فيها: أي هجوم يشنه أعداء أميركا على أي دولة في العالم سوف يعتبر هجوما على الولايات المتحدة (نفسها).
في تلك اللحظة ـ يقول كتابنا ـ وقف أعضاء الكونغرس تحية وإكبارا.
في سبيل التكييف القانوني لأنشطة الوكالة المستحدثة صدر قانون الأمن القومي في 2671947 وأنشئ أيضا بموجبه مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض ثم خرجت الوكالة المركزية إلى الوجود الفعلي في 18 سبتمبر من العام المذكور، ولكن يلاحظ المؤلف أنها جاءت مولودا يعاني عددا من العيوب أو التشوهات:
** أولا كان لها منافسون كثيرون في البنتاغون ووزارة الخارجية
** ثانيا افتقرت إلى تمويل ثابت ومعتمد رسميا من البرلمان.
** ثالثا كانت أنشطتها سرية ومكتومة ومستترة وهو ما يتعارض بشكل عام مع الروح الديمقراطية لجوهر الثقافة الأميركية التي تعودت على العلن والمكاشفة والبوح والإفصاح. في هذا الصدد يحيل المؤلف إلى ما كتبه وزير خارجية أميركا وقتها ? «دين اتشيسون»: راودتني مشاعر عميقة من الشك والتشاؤم إزاء وكالة المخابرات وحذرت الرئيس بأن الأمر سيئول في نهاية المطاف إلى أنه لن يعرف لا هو ـ ولا أحد غيره ـ ماذا تفعل هذه الوكالة دع عنك قدرته على مراقبتها أو السيطرة عليها.
لكن العجلة قدر لها أن تدور، فقد قامت الوكالة المركزية، وتهيأت لممارسة أهم أنشطتها وهو التجسس وتجنيد العملاء السريين وتدبير وتنفيذ عمليات العباءة والخنجر، وكانت البداية في عام 1948 من حيث الزمان وفي برلين الألمانية المحتلة من حيث المكان. أما من حيث العنصر البشري فقد تولى هذه العمليات، تخطيطا وإدارة ـ واحد من أوائل من تفانوا في خدمة المخابرات الأميركية:
اسمه فرانك ويزنر، يصفه المؤلف بأنه كان وسيما في شبابه، ولم تكن خدمته تتعدى السنوات الثلاث أمضاها جاسوسا خلال فترة الحرب وخاصة في مجال الرموز والشيفرة. ورغم وسامته وسني الأربعين التي لم يتجاوزها وقتها، إلا أنه بدأ يميل إلى البدانة، إذ كان متعطشا باستمرار إلى احتساء الخمور.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


