يختتم تشومسكي كتابه بالحديث عن ميل القيادة الأميركية للمواجهة من أجل تحقيق مصالحها بدلاً من التعاون، ويدلل على ذلك بموقف واشنطن من الملف النووي الإيراني وتهديداتها المستمرة بالتصعيد العسكري رغم الفشل الذي تواجهه حالياً في حربها في العراق.

ويشير إلى أن وسائل الإعلام الأميركية والغربية تحرص على إبراز التصريحات الإيرانية المتشددة وتتجاهل تلك التي تدعو إلى التهدئة والتفاوض كوسيلة لحل الخلافات العالقة بين الطرفين. ويعيب على المفكرين الأميركيين الذين يروجون لمذهب «الاستثنائية» الأميركية من منظور أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في التاريخ التي تملك هدفاً سامياً يتمثل في نشر مبادئ الحرية والديمقراطية في العالم، فهو يرى أن الهدف الحقيقي من وراء الغزوات والحروب التي شنتها واشنطن هو تحقيق مصالح فئة ضيقة بالسيطرة على مصادر الطاقة وحجبها عن الخصوم الذين ينافسون الولايات المتحدة في السيطرة على العالم.في الشرق الأوسط الغني بالطاقة هناك دولتان فقط رفضتا الخضوع للمطالب الأساسية لواشنطن: إيران وسوريا. ووفقاً لذلك فإن كلتيهما عدوتان وإيران هي الأهم.

ومثلما كانت القاعدة خلال الحرب الباردة فإن اللجوء إلى العنف يتم تبريره دائماً على أنه رد فعل للتأثير الضار للعدو الرئيسي، وغالباً بذرائع واهية. ومما لا يدعو إلى الدهشة أنه في الوقت الذي يرسل فيه بوش مزيداً من القوات إلى العراق، تطغى على السطح روايات حول التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للعراق ـ وهي البلد الذي بخلاف ذلك يخلو من أي تدخل أجنبي على أساس الافتراض الضمني أن واشنطن تحكم العالم.

في ظل عقلية الحرب الباردة التي تسود في واشنطن يتم تصوير طهران على أنها قمة ما يدعى «الهلال الشيعي» الذي يمتد من إيران إلى مناطق نفوذ حزب الله في لبنان مخترقاً جنوب العراق وسوريا. ومرة أخرى بشكل لا يدعو إلى الدهشة، فإن «الجيشان» في العراق وتصعيد التهديدات والاتهامات ضد إيران يصاحبه رغبة ممتعضة لحضور مؤتمر للقوى الإقليمي تقتصر فيه الأجندة على العراق ـ أي على نطاق أضيق، تحقيق الأهداف الأميركية في العراق.

يفترض بهذه المبادرة الصغيرة تجاه الدبلوماسية أن ترمي إلى تهدئة المخاوف المتنامية والغضب اللذين أثارتهما العدائية المتزايدة لواشنطن مع انتشار القوات في مواقع لمهاجمة العراق والاستفزازات المتكررة والتهديدات.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن القضية الأساسية في الشرق الأوسط كانت وستبقى السيطرة الفعلية على مصادر الطاقة التي لا تضاهى في هذه المنطقة من العالم. إن الوصول مسألة ثانوية، فحالما يصبح النفط في البحر يمكن أن يذهب إلى أي مكان، والسيطرة كما يفهم هي أداة الهيمنة العالمية. وبحسب المفهوم الأميركي، فإن النفوذ الإيراني في المنطقة يتحدى السيطرة الأميركية.

وبسبب الطبيعة الجغرافية فإن معظم مصادر النفط الرئيسية تقع إلى حد كبير في المناطق الشيعية من الشرق الأوسط: جنوب العراق وإيران إضافة إلى بعض احتياطيات الغاز الطبيعي. وأسوأ كابوس لواشنطن هو ترك التحالف الشيعي يسيطر على معظم النفط في العالم بشكل مستقل عن الولايات المتحدة.

ومثل ذلك الاتحاد إذا ظهر يمكن أن ينضم إلى شبكة أمن الطاقة الآسيوية ومنظمة شنغهاي للتعاون ومقرها في الصين. وإيران التي تشغل فعلياً منصب مراقب ستدخل كعضو في المنظمة المذكورة. وذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورننغ التي تصدر في هونغ كونغ في يونيو 2006 أن «الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خطف الأضواء في الاجتماع السنوي لمنظمة شنغهاي للتعاون بدعوة المجموعة للاتحاد ضد البلدان الأخرى حيث إن بلاده تواجه الانتقادات بشأن برنامجها النووي».

في غضون ذلك أكدت حركة عدم الانحياز على «حق إيران المطلق» في متابعة هذه البرامج، ودعت المنظمة (التي تضم دول آسيا الوسطى) «الولايات المتحدة لتحديد موعد نهائي للانسحاب من جميع المنشآت العسكرية من جميع الدول الأعضاء».

وإذا نفذ مخططو واشنطن ذلك فإنهم يكونون قد قوضوا بشكل خطير من مركز الولايات المتحدة القوي في العالم.

بالنسبة لواشنطن فإن إساءة طهران الرئيسية هي تحديها الذي يعود إلى الإطاحة بالشاه في عام 1979 وأزمة الرهائن في السفارة الأميركية. إن الدور الأميركي الكئيب في إيران في السنوات السابقة قد استثني من التاريخ، وانتقاماً من التحدي الإيراني تحولت واشنطن بسرعة إلى دعم صدام حسين في عدوانه على إيران الذي ترك الآلاف من القتلى ودمر البلاد. ثم جاءت العقوبات القاتلة وفي ظل إدارة بوش، رفض الجهود الدبلوماسية الإيرانية وتصاعد التهديدات بالهجوم المباشر.

وفي يوليو 2006 قامت إسرائيل بغزو لبنان وهو الغزو الخامس منذ عام 1978. ومثلما في السابق كان الدعم الأميركي للعدوان عاملاً حاسماً وانهارت الذرائع فوراً لدى التحقق من الوقائع وكانت العواقب بالنسبة للشعب اللبناني قاسية. ومن بين الأسباب للغزو الأميركي ـ الإسرائيلي هو أن صواريخ حزب الله يمكن أن تشكل عائقاً أمام الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي المحتمل على إيران.

ورغم عرض القوى هذا فمن المستبعد كما أعتقد أن تقوم إدارة بوش بمهاجمة إيران، كما أن العالم يعارض ذلك بقوة، حيث يفضل 75 في المائة من الأميركيين الدبلوماسية على التهديدات العسكرية ضد إيران، وكما أشرنا سابقاً يتفق الأميركيون والإيرانيون إلى حد كبير على القضايا النووية. وكشفت الاستطلاعات التي أجرتها عن مستقبل خال من الرعب انه «رغم الخلافات التاريخية العميقة بين الشيعة والسنة في المنطقة، إلا أن النسبة الكبرى من السكان في بلدان المنطقة تفضل قبول إيران مسلحة نووياً على أي عمل عسكري أميركي». ويبدو أن المجتمع العسكري والاستخباراتي الأميركي يعارض القيام بهجوم.

إيران لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد هجوم أميركي ولكنها تستطيع الاستجابة بطرق أخرى من بينها التحريض على المزيد من الفوضى في العراق. وبعض التحذيرات أخطر بكثير من بينها ما كتبه المؤرخ العسكري البريطاني الذي يتمتع باحترام كبير، كوريللي بارنيت قائلا: «إن أي هجوم على إيران سيطلق بشكل فاعل حرباً عالمية ثالثة».

لقد تركت إدارة بوش الكوارث في كل مكان تقريباً ظهرت فيه، من نيو أورليانز ما بعد إعصار كاترينا إلى العراق. وفي يأسها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه يمكن أن تخاطر الإدارة بالقيام بكوارث أعظم.

وفي غضون ذلك يمكن أن تسعى واشنطن إلى زعزعة استقرار إيران من الداخل. فالمزيج العرقي في إيران معقد، فالغالبية العظمى من السكان ليسوا فرساً. وهناك نزاعات انفصالية ومن المحتمل أن تحاول واشنطن إثارتها- في خوزخستان على الخليج مثلاً حيث يتركز نفط إيران وهي منطقة معظمها من العرب وليس الفرس.

الضغوط الاقتصادية

ويخدم تصعيد التهديدات في الضغط على الآخرين للانضمام إلى جهود الولايات المتحدة لخنق إيران اقتصادياً بنجاح متوقع في أوروبا. والعاقبة الأخرى المتوقعة المقصودة ضمنياً هي تحريض القيادة الإيرانية لتكون قاسية وقمعية أكثر ما يمكن وإثارة الفوضى وربما المقاومة، وفي الوقت ذاته تقليل شأن جهود الإصلاحيين في إيران الذين يحتجون بمرارة على أساليب واشنطن. ومن الضروري أيضاً إظهار الصورة الشريرة للقيادة، ففي الغرب تحتل أية تصريحات جريئة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد العناوين الرئيسية فوراً وتتم ترجمتها بشكل مخادع.

تميل وسائل الإعلام الأميركية إلى تجاهل تصريحات القيادة الإيرانية خصوصاً إذا كانت تدعو إلى التهدئة. فعلى سبيل المثال تتداول وسائل الإعلام على نطاق واسع تصريحات أحمدي نجاد المتعلقة بوجوب محو إسرائيل من الخريطة ـ ولكن تجدها تلتزم الصمت المطبق عندما يقول خامئني إن إيران «تشاطر البلدان العربية وجهات نظر مشتركة بشأن أهم القضايا الإسلامية ـ العربية وعلى الأخص قضية فلسطين»، حيث يظهر من هذا الموقف أن إيران تقبل موقف الجامعة العربية: «التطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل من حيث الإجماع الدولي على حل الدولتين الذي تستمر الولايات المتحدة وإسرائيل بمقاومته، منفردتين على الأغلب.

إن الغزو الأميركي للعراق أعطى المبرر فعلياً إلى إيران لكي تطور رادعاً نووياً، فقد كتب المؤرخ العسكري الإسرائيلي مارتن فان كريفيلد أنه بعد الغزو الأميركي للعراق، «لو لم يحاول الإيرانيون بناء أسلحة نووية، فسوف يكونون مجانين». لقد كانت رسالة الغزو الواضحة تماماً أن الولايات المتحدة سوف تهاجم بتصميم طالما أن الهدف لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

وإيران الآن محاطة بالقوات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق وتركيا والخليج وبالقرب منها تقع باكستان المسلحة نووياً، وكذلك إسرائيل النووية التي تعتبر القوة الإقليمية الأكبر بفضل الدعم الأميركي.

وكما ناقشنا سابقاً فإن الجهود الإيرانية للتفاوض بشأن القضايا العالقة رفضتها واشنطن، ويبدو أنه قد تم التقليل من شأن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وإيران برفض واشنطن سحب تهديداتها بالهجوم. والمصلحة الحقيقية في منع تطوير الأسلحة النووية في إيران ـ وتصعيد التوتر الحربي في المنطقة ـ سيقود واشنطن إلى تطبيق صفقة الاتحاد الأوروبي وهي الموافقة على إجراء المفاوضات الهادفة والانضمام إلى الآخرين للتحرك صوب دمج إيران في النظام الاقتصادي الدولي، انسجاماً مع مواقف الرأي العام في الولايات المتحدة وإيران والدول المجاورة وفعلياً باقي العالم.

الروح العظيمة للقوة

إنها مهمة تحدي تلك التي تنطوي على اختيار أفكار قليلة من نطاق واسع من العمل والحياة المدهشة لإدوارد سعيد. وسوف التزم بفكرتين منها: ثقافة الإمبراطورية، ومسؤولية المفكرين أو أولئك من ندعوهم «مفكرين» إذا امتلكوا الامتياز والموارد لدخول الحلبة العامة.

إن عبارة «مسؤولية المفكرين» تخفي غموضاً وراءها، فهي تظلل الفرق بين «ما يجب أن يكون» و «ما هو كائن بالفعل». ومن حيث عبارة «يجب» فإن مسؤوليتهم يجب أن تكون تماماً مثل مسؤولية أي كائن بشري محترم رغم أنها أكبر. فالامتياز يمنح الفرصة، والفرصة تمنح المسؤولية الأخلاقية.

إننا ندين بحق المفكرين المطيعين للدول الوحشية والعنيفة بسبب «تبعيتهم التقليدية لأولئك الذين في السلطة». وإنني استعير العبارة التي قالها هانز مورجينتاو مؤسس نظرية العلاقات الدولية.

غير أن مورجينتاو لم يكن يشير على أية حال إلى طبقة الرؤساء للعدو الاستبدادي ولكن إلى المفكرين الغربيين الذين تعتبر جريمتهم أكبر بكثير لأنهم لا يستطيعون تلمس الخوف ولكن فقط الجبن والتبعية للسلطة. لقد كان يصف ما هو «كائن» وليس ما «يجب» أن يكون.

لقد كتب تاريخ المفكرين المفكرون أنفسهم فليس من المدهش إذاً أن تم وصفهم كمدافعين عن الحق والعدالة، وكأشخاص متمسكين بأعلى القيم يواجهون السلطة والشر بشجاعة ونزاهة مثيرتين للإعجاب. غير أن السجل الحقيقي يكشف صورة مختلفة إلى حد ما.

يعود نمط «التبعية التقليدية» إلى الفترة الأولى من التاريخ المسجل. لقد كان الإنسان هو من «افسد شباب أثينا» بـ «آلهة مزيفة» شربت السم، وليس أولئك الذين عبدوا الآلهة الحقيقية للنظام العقائدي. إن جزءاً كبيراً من الكتاب المقدس مخصص للشعوب التي أدانت جرائم الدولة والممارسات غير الأخلاقية.

كان هنالك أيضاً مفكرون يتمتعون باحترام كبير في الأزمان القديمة: المتملقون لدى البلاط. إن الكتب السماوية من «الأتقياء الزائفين الذين يأتون بملابس النعجة ولكنهم من الداخل ذئاب جشعة. وسوف تعرفهم من ثمارهم».

إن العقائد التي تدعم أصالة سلطة الدولة منيعة تقريباً، على الرغم من الأخطاء والإخفاقات في بعض الأحيان التي يسمح النقاد لأنفسهم بإدانتها. والحقيقة السائدة عبر عنها الرئيس الأميركي جون آدمز قبل قرنين من الزمن: «إن السلطة تعتقد دائماً أنها تمتلك روحاً عظيمة ووجهات نظر واسعة تتعدى حدود فهم الضعيف». وهذا هو الجذر العميق للمزيج من الوحشية والغرور الذي تبتلى به العقلية الإمبريالية- وإلى حد ما جميع هياكل السلطة والهيمنة.

يمكننا أن نضيف أن احترام الروح العظيمة هو الوضع الطبيعي للنخبة المفكرة التي تضيف باستمرار أنها يجب أن تحتفظ بروافع السلطة، أو على الأقل أن تكون قريبة منها.

إن واحداً من التعبيرات الشائعة لوجهة النظر السائدة هذه هو أن هنالك فئتين من المفكرين: «المفكرون التكنوقراط والذين توجههم السياسة» ـ مسؤولون، متزنون، بناؤون- و«المفكرون الذين توجههم القيم»، وهم تجمّع شرير يشكلون تهديداً للديمقراطية لأنهم «يكرسون أنفسهم للحط من قدر القيادة وتحدي السلطة ونزع القناع عن المؤسسات الراسخة».

استشهد بدراسة أجرتها عام 1975 ترايلاتريل كوميشين- وتضم ليبراليين من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وكانوا يتأملون في «أزمة الديمقراطية» التي تطورت في ستينات القرن الماضي عندما سعت قطاعات سلبية ولا مبالية من السكان تدعى «المصالح الخاصة»، إلى الدخول إلى الحلبة السياسية لتحقيق اهتماماتهم.

أزمة الديمقراطية

لقد خلقت هذه المبادرات غير اللائقة ما دعته الدراسة «أزمة الديمقراطية»، والتي يتعرض فيها الأداء المناسب للدولة إلى تهديد «الديمقراطية المفرطة». وللتغلب على هذه الأزمة ينبغي إعادة مجموعة المصالح الخاصة إلى وظيفتها المناسبة كمراقب سلبي بحيث يتمكن «المفكرون التكنوقراط» والذين توجههم القيم من أداء عملهم البناء.

ومجموعة المصالح الخاصة هم النساء والشباب والمسنون والعمال والمزارعون والأقليات والغالبية العظمى من السكان- أي باختصار الشعب. هنالك مجموعة خاصة واحدة لم تذكر في الدراسة وهي قطاع الشركات. غير أن ذلك منطقي، فقطاع الشركات يمثل «المصلحة الوطنية» ومن الطبيعي ألا يكون هنالك شك بأن سلطة الدولة تحمي المصلحة الوطنية.

إن ردود الفعل إزاء هذا الاتجاه المتحضر والديمقراطي وضعت بصماتها على هذه الحقبة المعاصرة. وبالنسبة لأولئك الذين يريدون أن يفهموا ما الذي يمكن أن ينطوي عليه المستقبل، فمن الأهمية بمكان أن نلقي نظرة فاحصة على المبادئ الراسخة منذ أمد التي تعزز قرارات وأفعال القوي ـ وفي عالمنا الحالي، الولايات المتحدة بشكل أساسي.

رغم أنها واحدة فقط من بين ثلاثة مراكز قوى رئيسية في الاقتصاد ومعظم الأبعاد الأخرى، إلا أنها تتفوق على أية قوى أخرى في التاريخ بهيمنتها العسكرية التي تتوسع بسرعة ويمكنها أن تعتمد عموماً على دعم أوروبا واليابان، ثاني أكبر اقتصاد صناعي .

مذهب الاستثنائية

ثمة مذهب واضح يطغى على الملامح العامة للسياسة الخارجية الأميركية، وهو يسود في الصحافة الغربية وغالبية الأوساط العلمية وحتى بين نقاد السياسات. والفكرة الرئيسية لهذا المذهب هي «الاستثنائية الأميركية»: وهي الفكرة القائلة بأن الولايات المتحدة تختلف تماماً عن أية قوة عظمى أخرى ماضية أو حاضرة، لأنها تملك «هدفاً أسمى» هو «ترسيخ العدالة والحرية في أميركا»، وبالتأكيد في شتى أرجاء العالم حيث إن «الحلبة التي ينبغي على الولايات المتحدة فيها أن تدافع عن هدفها وتعززه أصبحت على امتداد العالم».

إن نسخة هذه الفكرة التي استشهدت بها للتو مشوقة تحديداً بسبب مصدرها: هانز مورجنتاو. بيد أن هذا الاقتباس يعود إلى سنوات كيندي قبل اندلاع حرب فيتنام بوحشيتها الكاملة. لقد جاء الاقتباس السابق من عام 1970 عندما انتقل إلى مرحلة أخطر في تفكيره.

وأيدت شخصيات تتسم بذكاء أعلى ونزاهة أخلاقية حالة «الاستثنائية» هذه. لنأخذ في الاعتبار مقال جون ستيوارت ميل الكلاسيكي، «بضع كلمات حول عدم التدخل».

لقد أثار ميل السؤال حول ما إذا كان على بريطانيا التدخل في العالم البشع أو التزام شؤونها الخاصة وتدع البربريين ينفذون أعمالهم الوحشية. وجاء استنتاجه مبهماً ومعقداً وهو أن على بريطانيا التدخل، ولو أنها بذلك سوف تتحمل «الذم» والإساءة من الأوروبيين الذين سوف «يبحثون عن حوافز أساسية»، لأنهم لن يفهموا أن انجلترا هي «الحداثة في العالم»، قوة خيّرة لا تسعى إلى شيء لذاتها وتعمل فقط لمنفعة الآخرين.

ورغم أن انجلترا تتحمل تكلفة التدخل بعيداً عن الأنانية، إلا أنها تشارك منافع عملها مع الآخرين بالتساوي.تبدو الاستثنائية وثيقة الصلة بالعالمية. وأعتقد أنه لو كنا نملك سجلات منذ عهد جنكيز خان، فلربما وجدنا الأمر ذاته.

وهذا المبدأ العامل موضح بكثرة عبر التاريخ: تتطابق السياسة مع المثاليات المعبر عنها إذا كانت تتطابق مع المصالح فقط. ولا يشير المصطلح «مصالح» إلى مصالح السكان بل إلى «المصلحة الوطنية» ـ مصالح مراكز القوة التي تهيمن على المجتمع.

في مقالهما بعنوان «من يؤثر على السياسة الخارجية الأميركية؟» المنشور عام 2005 في مجلة أميركيان بوليتيكل ساينس ريفيو، وجد لورانس جاكوب وبنجامين بيج، على نحو لا يدعو إلى الدهشة، أن التأثير الرئيسي هو ل«مؤسسات الأعمال الموجهة دولياً»، رغم أن هنالك تأثيراً ثانوياً من جانب «الخبراء» الذين كما يشيران «يمكن أن يتأثروا بدورهم بقطاع العمل».

في المقابل، فإن تأثير الرأي العام «بسيط أو ليس له أي تأثير على المسؤولين الحكوميين».إن المرء يبحث عبثاً عن دليل للفهم والقدرات المتفوقة لأولئك الذين لديهم تأثير رئيسي على السياسة، بعيداً عن حماية مصالحهم الخاصة.

إن الروح العظيمة للقوة تمتد إلى ما وراء حدود الدول إلى كل مجالات الحياة من العائلات إلى الشؤون الدولية. وخلال ذلك فإن كل شكل من أشكال السلطة والهيمنة يحمل عبء الإثبات القاسي. إنها لا تضفي الشرعية على ذاتها، وعندما لا تستطيع أن تتحمل العبء كما هو الحال، يجب إزالتها، وكانت تلك هي الفكرة الموجهة للحركات الفوضوية من أصولها الحديثة التي تبنت العديد من مبادئ الليبرالية الكلاسيكية.

أحد أكثر التطورات الحديثة عافية في أوروبا بحسب اعتقادي، إلى جانب الترتيبات الوحدوية والسيولة المتزايدة هو أن الاتحاد الأوروبي يعمل على تقويض سلطة الدولة إلى جانب إحيائه للثقافات واللغات التقليدية وجلب درجة من الاستقلال الإقليمي، وهذه التطورات تقود البعض إلى تصور أوروبا المستقبل من دون مركزية سلطة الدولة.

إن الوصول إلى توازن في القوة بين المواطنة والهدف المشترك من جهة، والاستقلال العام والتنوع الثقافي من جهة أخرى، ليس بالمسألة البسيطة وتمتد الأسئلة حول السيطرة الديمقراطية للمؤسسات إلى مجالات أخرى من الحياة أيضاً. وينبغي أن تكون تلك الأسئلة على رأس أجندة الشعوب التي لا تتعبد عند معبد الروح العظيمة للقوة، الشعوب التي تسعى إلى إنقاذ العالم من القوى المدمرة التي تهدد البقاء فعلياً الآن والتي تعتقد أنه يمكن تصور مجتمع أكثر حضارة، بل وبناؤه على أرض الواقع.

ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني