يتناول المؤلف في هذه الحلقة المفاهيم الأميركية المشوهة حول الكثير من قضايا الصراع الدولي، وفي مقدمتها ما يوصف بالحرب العادلة حيث يعتبر الساسة الأميركيون أن حروبهم التي يخوضونها في العراق وأفغانستان حروب عادلة وهم لا يقدمون دلائل تدعم وصفهم هذا ويتجاهلون الحقائق التي يعرفها العالم أجمع.
ويوضح كذلك التناقض في الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني من حيث إن واشنطن دعمت سعي إيران لامتلاك التقنية النووية في عهد الشاه وهي الآن تهدد باستخدام القوة لمنع إيران حالياً من امتلاك تلك التقنية والتبرير الوحيد لذلك هو أن إيران الشاه كانت حليفة لأميركا. ويسوق مثالاً آخر على الازدواجية الأميركية من خلال عرضه لموقف واشنطن من الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006، وموقفها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي في فلسطين. بدافع من هذه الأوقات التي تتمثل في الغزوات والتهرب، فإن للنقاشات حول «الحرب العادلة» أصداء بين العلماء وحتى بين صنّاع السياسة.
في تلك الأثناء، تعزز الأفعال في العالم الحقيقي في أغلب الأحيان قول ثوسيديديس بأن «القوي يفعل ما يشاء، بينما على الضعيف أن يعاني ما يجب أن يعانيه» ـ الأمر الذي يعتبر ليس فقط غير عادل بدون نقاش، بل أيضاً وفي المرحلة الحالية من الحضارة الإنسانية، تهديداً فعلياً لبقاء الأنواع. ولدى تطبيقها فإن الإحياء المعاصر لنظرية الحرب العادلة يؤكد على نحو مناسب هذا القول. في تأملاته التي لاقت ثناءً كبيراً حول الحرب العادلة يصف مايكل والزر غزو أفغانستان بأنه «انتصار لنظرية الحرب العادلة» التي تقف جنباً إلى جنب مع حرب كوسوفو بكونها «حرباً عادلة». إنه لا يقدم أية حجج بل تأكيداً فقط. وفي هاتين الحالتين وعبر حججه كلها، فهو يعتمد بشكل مهم على عبارات مثل «يبدو لي مبرَرَاً بالكامل» أو «أنا اعتقد» أو «مما لا شك فيه».
إن الحقائق يتم تجاهلها حتى تلك الأوضح، لنأخذ أفغانستان على سبيل المثال، فعندما بدأ القصف في أكتوبر 2001 حذر الرئيس بوش الأفغان بأن القصف سوف يستمر إلى أن يقوموا بتسليم الأشخاص الذين تتهمهم واشنطن بالإرهاب. إن كلمة «تتهمهم» مهمة، حيث بعد ثمانية أشهر قال رئيس الإف بي آي روبرت إس مولير للمحررين والصحافيين في صحيفة الواشنطن بوست انه بعد ما يمكن اعتباره أكبر بحث مكثف في التاريخ، «نعتقد أن العقول المدبرة لهجوم 11 سبتمبر كانوا في أفغانستان، يحتلون مراكز عالية في قيادة القاعدة. أما المدبرون والآخرون ـ المديرون ـ فقد اجتمعوا معاً في ألمانيا وربما في مكان آخر».
ما لم يكن بعد واضحاً في يونيو 2002 لا يمكن أن يكون معروفاً بشكل قاطع في شهر أكتوبر اللاحق رغم أن قلة شكّوا ولو لمرة واحدة أن ذلك كان صحيحاً، وأنا شخصياً كذلك، إذا كان للأمر أهمية لأن التكهنات والدلائل هما أمران مختلفان. ويبدو من العدل القول ان الظروف - وهذا الأمر بالكاد يمسهم ـ تطرح سؤالاً حول ما إذا كان قصف الأفغان مثالاً شفافاً حول «الحرب العادلة».
وينطبق ذلك إلى حد كبير على قصف صربيا في عام 1999 كما تمت مناقشته بشكل مستفيض في مكان آخر. وبالتحديد، فمما لا شك فيه أن عمليات القتل واسعة النطاق والتفجيرات لم تكن السبب في القصف كما زعم باستمرار، إنما عواقبه وفي الحقيقة عواقبه المتوقعة، على عكس من التغيير المعتاد للتوقيت في وسائل الإعلام وأحياناً في دوائر العلماء. في خضم تلبيتها لنداء «الحرب العادلة» وفق منطق مواجهة الإرهاب أو أي منطق عقلاني آخر، فإن الولايات المتحدة تستثني نفسها من المبادئ الأساسية للنظام العالمي الذي لعبت الدور الرئيسي في صياغته وتشريعه.
بعد الحرب العالمية الثانية تم إحداث نظام جديد للقانون الدولي، وتم تصنيف أحكامه حول القوانين في ميثاق الأمم المتحدة، ومعاهدات جنيف، ومبادئ نورمبيرغ، وتبنتها الجمعية العمومية. يمنع ميثاق الأمم المتحدة التهديد بالقوة أو استخدامها ما لم يصرح بها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو بموجب المادة 51، في الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح إلى أن يتصرف مجلس الأمن. في عام 2004 استنتجت لجنة عالية المستوى من الأمم المتحدة ضمت من بين آخرين مستشار الأمن القومي السابق برينت سكوكروفت، بأن المادة 51 لا تحتاج إلى مزيد من التوسيع أو التقييد لنطاقها المفهوم منذ فترة طويلة...
وفي عالم يعج بالتهديدات المحتملة الواضحة فإن المخاطر التي يواجهها النظام العالمي وقانون عدم التدخل الذي يستمر الاعتماد عليه هو ببساطة رائع للغاية لقانونية العمل الوقائي أحادي الجانب، المتميز عن العمل المدعوم جماعياً، ليتم قبوله. إن استراتيجية الأمن القومي لسبتمبر 2002 التي تم تكرارها إلى حد كبير في مارس2006 تمنح الولايات المتحدة الحق بتنفيذ ما تدعوه «الحرب الاستباقية» التي تعني «الحرب الوقائية» وتنتهك بشكل مباشر ميثاق الأمم المتحدة وتعني القيام بالعدوان الواضح والصريح.
تعريف العدوان
تم تحديد مفهوم العدوان بوضوح كافٍ من قبل قاضي المحكمة العليا الأميركية روبرت جاكسون الذي كان المدعي العام الرئيسي للولايات المتحدة في نورمبيرغ. فقد تم التصريح بالمفهوم ثانية في قرار رسمي للجمعية العمومية للأمم المتحدة، «فالمعتدي» كما اقترح جاكسون لهيئة المحكمة هو أي دولة تكون البادئة بارتكاب أعمال مثل «غزو قواتها المسلحة بإعلان أو دون إعلان الحرب على أراضي دولة أخرى».
من الواضح أن ذلك ينطبق على غزو العراق. وتأتي في هذا السياق نفسه الكلمات البليغة للقاضي جاكسون في نورمبيرغ: «إذا اعتبرت أعمالا معينة من الانتهاكات والتهديدات جرائم فهي جرائم سواء ارتكبتها الولايات المتحدة أو ألمانيا، إذ اننا لسنا على استعداد لوضع قانون للسلوك الإجرامي ضد الآخرين ثم لا نقبله عندما يكون ضدنا». وقال في مجال آخر: «علينا ألا ننسى أن السجل الذي نحاكم على أساسه هؤلاء المتهمين هو السجل الذي سيحكم بواسطته التاريخ علينا غداً. إن تمرير الكأس المسمومة لهؤلاء المتهمين هو بمثابة وضعها على شفاهنا أيضاً».
دعونا نأخذ في الاعتبار بعض الحقائق البسيطة. الأولى هي أن الأفعال يتم تقييمها من حيث نطاق عواقبها المحتملة المعقولة. والثانية هي مبدأ العالمية: فنحن نطبق على أنفسنا نفس المعايير التي نطبقها على الآخرين، إن لم تكن معايير أشد صرامة. فبعيداً عن كونها مجرد حقائق بديهية، تشكل هذه المبادئ الأساس لنظرية الحرب العادلة، على الأقل أية نسخة منها تستحق أن تؤخذ جدياً. وليس للأسف النسخة التي قدمها المحامون البارزون.
الأسلحة النووية
إن إلحاح وقف انتشار الأسلحة النووية والتحرك صوب إزالتها يكاد يكون أهم من أي وقت مضى. فالفشل بالقيام بذلك قد يؤدي بدرجة كبيرة إلى عواقب وخيمة ومنها نهاية التجربة الإنسانية برمتها. وما يضاهي خطر الأزمة، الوسائل القائمة لتعطيلها. قبل عام 1979 عندما كان شاه إيران في السلطة، دعمت واشنطن بقوة البرامج النووية الإيرانية.
أما اليوم فمعيار الإدعاء هو أن إيران ليست بحاجة إلى القوة النووية وبناء عليه فلا بد وأنها تتابع برنامجا للأسلحة النووية سراً. «بالنسبة لدولة نفط رئيسية مثل إيران فإن الطاقة النووية هي تبديد للموارد،» هذا ما كتبه هنري كيسنجر في صحيفة واشنطن بوست عام 2005.
قبل ثلاثين عاماً على أية حال، وعندما كان كيسنجر وزيراً للخارجية في عهد الرئيس جيرالد فورد أكد أن «إدخال القوة النووية سوف يوفر الاحتياجات المتنامية لاقتصاد إيران ويحرر الاحتياطات النفطية المتبقية لتصديرها أو تحويلها إلى بتروكيماويات».
في عام 2005 سألت دافينا لينز من صحيفة الواشنطن بوست كيسنجر حاول تغيير رأيه. أجاب كيسنجر بصراحته المعهودة: «لقد كانت دولة حليفة» ـ وبناء عليه كانت لديهم حاجة حقيقية للطاقة النووية.
في عام 1976 قامت إدارة فورد «بتبني الخطط الإيرانية لبناء صناعة ضخمة للطاقة النووية ولكنها أيضاً عملت جاهدة لإتمام صفقة قيمتها عدة مليارات من الدولارات كانت ستعطي طهران السيطرة على كميات كبيرة من البلوتونيوم واليورانيوم المخصب ـ وهما عنصران أساسيان لبناء قنبلة نووية،» كتب لينزر.
إن كبار المخططين في إدارة بوش الابن الذين يشجبون الآن هذه البرامج كانوا عندئذ في مواقع أمنية قومية رئيسية: ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز.
مما لا شك فيه أن الإيرانيين ليسوا على استعداد كالغرب لرمي التاريخ في أكوام النفايات. إنهم يعرفون أن الولايات المتحدة إلى جانب حلفائها كانوا يعذبون الإيرانيين لأكثر من خمسين عاماً، منذ أن أطاح انقلاب عسكري أميركي ـ بريطاني بالحكومة البرلمانية ونصب الشاه الذي حكم بقبضة حديدية إلى أن قامت ثورة شعبية بطرده في 1979 بعد أن جمعّ سجلاً رهيباً من انتهاكات حقوق الإنسان التي تجاهلتها وسائل الإعلام الغربية، التي غضبت للغاية إزاء تلك الانتهاكات بعد أن تمت الإطاحة بالطاغية الذي دعمته واشنطن.
ثم دعمت إدارة ريغان غزو صدام حسين لإيران وزودته بالمساعدات العسكرية وغيرها والتي مكنته من ذبح مئات الآلاف من الإيرانيين (بالإضافة إلى الأكراد العراقيين). ثم جاءت العقوبات القاسية للرئيس بل كلينتون وتبعتها تهديدات بوش بالهجوم على إيران ـ وهذه بحد ذاتها خرق خطير لميثاق الأمم المتحدة. في شهر مايو 2006 وافقت إدارة بوش بشروط على الانضمام إلى حلفائها الأوروبيين للدخول في محادثات مباشرة مع إيران؛ ولكنها رفضت سحب التهديد بالهجوم، مما يجعل فعلياً أي عرض للمفاوضات يأتي تحت تهديد السلاح بدون معنى. والتاريخ الحديث يقدم سبباً آخر للشك في نوايا واشنطن.
ففي شهر مايو 2003، وفقاً لفلينت ليفيريت الذي كان في ذلك الوقت مسؤولاً رفيع المستوى في مجلس الأمن القومي لبوش، اقترحت الحكومة الإصلاحية لمحمد خاتمي «أجندة لعملية سياسية تعتزم الحل على أساس شامل لجميع الخلافات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران». وكان من ضمنها «أسلحة الدمار الشامل وحل الدولتين للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ومستقبل منظمة حزب الله اللبنانية والتعاون مع وكالة الضمانات النووية التابعة للأمم المتحدة،» كما ذكرت صحيفة الفاينانشيال تايمز في مايو 2006. إلا أن إدارة بوش رفضت العرض ووبخت الدبلوماسي السويسري الذي نقله.
بعد عام عقد الاتحاد الأوروبي وإيران صفقة تقوم إيران بموجبها بتعليق برنامج تخصيب اليورانيوم وفي المقابل تقدم أوروبا الضمانات بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهاجما إيران. يبدو واضحاً أن أوروبا تراجعت تحت الضغوطات الأميركية وجددت إيران عملياتها للتخصيب. وكما هو الحال في عروض عام 2003 والعروض الأخرى، ثمة طريقة واحدة لتحديد ما إذا كانت مبادرات إيران جدية أم لا وهي متابعتها. لا يسعنا إلا أن نستنتج من السجل أن الولايات المتحدة وحلفاءها يخشون أن يكونوا جديين.
فالبرامج النووية الإيرانية كما هو معروف تقع ضمن حقوقها بموجب المادة السادسة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تضمن للدول غير النووية الحق في إنتاج الوقود للطاقة النووية. وتجادل إدارة بوش بالقول بأن المادة السادسة يجب تعزيزها وأنا أعتقد أن ذلك منطقي.
في عام 2003 تم تقديم مقترح منطقي لهذه الغاية من قبل محمد البرادعي، رئيس وكالة الطاقة الذرية: بأن تخضع كافة عمليات إنتاج ومعالجة المواد التي يمكن أن تستخدم في الأسلحة إلى السيطرة الدولية، مع «تأكيدات بأن يستطيع المستخدمون الشرعيون المحتملون الحصول على إمداداتهم». وتلك يجب أن تكون الخطوة الأولى بحسب اقتراحه، نحو التطبيق الكامل لقرار الأمم المتحدة لعام 1993 الذي يدعو إلى معاهدة منع المواد الانشطارية. وما لم يتم تطبيق مثل هذا المقترح، فإن آفاق البقاء البشري طويل الأمد لا تبدو براقة.
وحتى هذا التاريخ، قبلت اقتراح البرادعي دولة وحيدة فقط بحسب علمي وهي إيران وذلك في فبراير2006 خلال مقابلة مع علي لاريجاني المفاوض الرئيسي حول الأسلحة النووية لإيران. ثمة طرق لتخفيف وربما إنهاء هذه الأزمات. أولها إلغاء التهديدات الأميركية والإسرائيلية الجديرة بالتصديق للغاية التي تحث إيران فعلياً على تطوير أسلحة نووية لتعمل كرادع. والخطوة الثانية هي الانضمام إلى باقي دول العالم في قبول معاهدة منع المواد الانشطارية تكون خاضعة للتفتيش، فضلاً عن مقترح البرادعي أو أي أمر مشابه.
والخطوة الثالثة هي الالتزام بالمادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تلزم الدول النووية ببذل جهود«النوايا الحسنة» لإزالة الأسلحة النووية وهي التزام قانوني مُلزم كما حددت المحكمة الدولية. ولم تلتزم أي من الدول النووية به ولكن الولايات المتحدة هي الرائدة إلى حد بعيد في انتهاكها.
حرب لبنان
وحتى الخطوات في هذه الاتجاهات سوف تخفف الأزمة المقبلة مع إيران، وفوق كل ذلك من المهم الالتفات إلى كلمات محمد البرادعي: «لا يوجد حل عسكري لهذه الحالة، ولا يمكن تصوره، والحل الدائم هو الحل عبر التفاوض». وهذا أمر ممكن. في لبنان، ثمة هدنة هشة لا تزال سارية ـ رغم أنه يوجد منذ عقود طويلة سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وخصومها في حلقة تعود بانتظام إلى الحرب والمذابح والبؤس البشري.
دعونا نصف الأزمة الحالية كما هي عليه: غزو أميركي - إسرائيلي للبنان بذريعة ساخرة لشرعيتها. وفي خلفية الأحداث كما في الماضي يكمن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. هذه ليست المرة الأولى التي تغزو فيها إسرائيل لبنان للقضاء على تهديد مزعوم ولم يكن هنالك في جميع الأحوال ذريعة ذات مصداقية. وكان ذلك صحيحاً بشكل واضح لأهم الغزوات الإسرائيلية المدعومة أميركياً للبنان، في عام 1982.
فالتقارير والتعليقات في الولايات المتحدة تصف عادة الغزو على أنه رد على الإرهاب الفلسطيني، ضرب الجليل بالصواريخ وما إلى ذلك. إنه تلفيق واضح، لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية تلتزم بشكل صارم بوقف إطلاق النار الذي جاء بمبادرة أميركية رغم الهجمات الإسرائيلية المتكررة والدموية غالبا في لبنان في محاولة لانتزاع عمل من نوع ما يتخذ ذريعة للغزو المخطط له.
لم يكن هناك سوى ردين بسيطين تم الاعتراف بهما ثم قامت إسرائيل بالغزو بناء على ذريعة مفتعلة في يونيو 1982 بدعم من إدارة ريغان. وفي داخل إسرائيل، وعلى أعلى المستويات العسكرية والسياسية تم وصف الغزو الذي قتل نحو 15 - 20 ألف شخص وترك معظم البلاد مدمرة على أنه حرب من أجل الضفة الغربية. لقد تم تنفيذه لإنهاء الدعوات المزعجة لمنظمة التحرير الفلسطينية بالتوصل إلى تسوية دبلوماسية.
لا انتقادات غربية
رغم الظروف العديدة المختلفة فإن حرب يوليو (2006) تقع في نمط مماثل وفي هذه الحالة كانت الذريعة أسر جنديين إسرائيليين في هجوم لحزب الله عبر الحدود. إن أقصى انتقاد غربي للغزو الأميركي الإسرائيلي المدمر هو أنه كان «غير متناسب»، غير أن رد الفعل كان سخرية بحتة. لعدة عقود كانت إسرائيل تخطف وتقتل المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان أو في أعالي البحار وتحتجزهم في إسرائيل لفترات طويلة، أحياناً كرهائن وأحياناً في غرف التعذيب السرية مثل المعسكر 1391.
لم تكن هنالك دعوات لغزو إسرائيل أو الولايات المتحدة التي تقدم الدعم اللازم لمثل تلك الأعمال. والأمر ذاته ينطبق على التصعيد الحاد للهجوم ضد غزة بعد أسر الجندي جلعاد شاليت في 25 يونيو 2006. لقد اعترفت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالصدمة العميقة إزاء هذه الجريمة البشعة، ومع التحفظات الاعتيادية حول كيفية احتمال عدم ملاءمتها قدمت دعمها إلى رد الفعل الإسرائيلي المتوحش - على سبيل المثال تدمير محطة الطاقة لحرمان السكان من الكهرباء والماء والمجاري الصحية، وإلقاء القنابل الصوتية العادية ليلاً لإخافة الأطفال، والزيادة الحادة في قتل المدنيين والمزيد من ذلك مما يجعل الدولة «لا يمكن تمييزها عن منظمة إرهابية» عندما تحول ضحاياها العاجزين إلى «حديقة ذابلة مدمرة يلفها الحزن والمعاناة».
لقد كانت خدعة رد الفعل أكثر شفافية من المعتاد في هذه الحالة، فقبل يوم من اختطاف الجندي الإسرائيلي أي في 24 يونيو 2006 اختطفت إسرائيل مدنيين في غزة، هما الأخوة معمر، وهي جريمة اخطر بكثير من أسر جندي، وقادتهما إلى إسرائيل منتهكة مواثيق جنيف. واختفى الاثنان في غياهب السجون الإسرائيلية المحتجز فيها قرابة ألف شخص دون أية تهم، وبناء عليه فهم مختطفون. لم يكن هنالك أي رد فعل في الغرب لعملية الاختطاف التي نفذتها إسرائيل في 24 يونيو، في الواقع بالكاد تلقت أي اهتمام.
فما الذي سيكسر الحلقة؟ إن الخطوط الأساسية لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني مألوفة ودعمها الإجماع الدولي العريض لمدة ثلاثين عاماً: تسوية الدولتين بناء على الحدود الدولية وربما مع بعض التغييرات البسيطة والمتبادلة.
لقد قبلت الدول العربية رسمياً هذا المقترح في 2002 وكذلك الفلسطينيون قبل ذلك بفترة طويلة. وأوضح زعيم حزب الله حسن نصر الله بقوله إنه على الرغم من أن هذا الحل ليس هو المفضل لحزب الله لكنهم لن يمزقوه. وأكد «الزعيم الأكبر» لإيران أية الله خامنئي مرة أخرى مؤخراً أن إيران أيضاً تدعم هذه التسوية. وأشارت حماس بوضوح أنها على استعداد للتفاوض من أجل تسوية في ظل هذه الشروط أيضاً. وتواصل الولايات المتحدة وإسرائيل عرقلة هذه التسوية السياسية كما فعلتا منذ ثلاثين سنة، باستثناء فترات وجيزة وغير منطقية من الاستثناءات. قد يكون الرفض مفضلاً في الوطن ولكن الضحايا لا يتمتعون بهذا الترف.
لا يتمثل الرفض الأميركي - الإسرائيلي بالكلمات فقط، إنما الأكثر أهمية أنه بالأفعال أيضاً، فمع الدعم الأميركي الحاسم كانت إسرائيل تتابع بشكل منظم برنامجها للضم وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية المتقلصة، ومحاصرة ما تبقى بالاستيلاء على وادي الأردن ـ برنامج «التقارب» الذي أطلق عبارة «الانسحاب الشجاع» في الولايات المتحدة.
ونتيجة لذلك يواجه الفلسطينيون الدمار الوطني، بينما يأتي الدعم الأكثر منطقية للفلسطينيين من حزب الله الذي تأسس رداً على غزو 1982. لقد اكتسب حزب الله مكانة مهمة بقيادته الجهود لإجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان في 2000. وعلى غرار الحركات الإسلامية الأخرى بما فيها حماس، اكتسب حزب الله الدعم الشعبي بتقديم الخدمات الاجتماعية إلى الفقراء.
بالنسبة للمخططين الأميركيين والإسرائيليين يستتبع ذلك وجوب إضعاف حزب الله أو تدميره ـ تماما كما توجب إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في عام 1982. لكن حزب الله متغلغل في المجتمع اللبناني بحيث لا يمكن القضاء عليه دون تدمير معظم لبنان أيضاً ـ وبناء عليه كان حجم الهجوم على سكان البلاد وبنيتها التحتية. وتمشياً مع النمط المألوف فإن العدوان يزيد بشكل حاد الدعم لحزب الله ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي إنما أيضاً في لبنان ذاتها.
ففي يوليو 2006، كشفت استطلاعات الرأي أن 87 في المئة من اللبنانيين يدعمون مقاومة حزب الله ضد الغزو بما فيهم 80 في المئة من المسيحيين والدروز. وحتى الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، بطريرك الكنيسة المارونية، والزعيم الروحي لمعظم القطاع المؤيد للغرب في لبنان، انضم إلى الزعماء السنة والشيعة في بيان يدين «العدوان» ويحيي «المقاومة، التي يقودها بشكل رئيسي حزب الله». ووجد الاستطلاع أيضاً أن 90 في المئة من اللبنانيين يعتبرون الولايات المتحدة «كمتآمر في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الشعب اللبناني».
نتائج مهمة
وعلق أحمد سعد غريب، العالم الأكاديمي البارز في لبنان حول حزب الله بان «هذه النتائج مهمة للغاية عند مقارنتها بنتائج استطلاع مماثل تم إجراؤه قبل خمسة أشهر فقط والذي أظهر أن نسبة 58 في المئة فقط من جميع اللبنانيين اعتقدوا أن لحزب الله الحق في البقاء مسلحاً وبناء عليه مواصلة نشاطه للمقاومة».
إن الديناميكيات مألوفة، فقد كتب رامي خوري، محرر صحيفة الديلي ستار اللبنانية بأن «اللبنانيين والفلسطينيين ردوا على الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والمتوحشة بشكل متزايد ضد كامل السكان المدنيين بخلق قيادات موازية أو بديلة يمكنها حمايتهم وتقديم الخدمات الأساسية لهم». مثل تلك القوى الشعبية ستكتسب القوة فقط وتصبح أكثر تشدداً إذا أصرت الولايات المتحدة وإسرائيل على هدم أية آمال للحقوق الوطنية الفلسطينية وعلى تدمير لبنان.
ليس سراً أن إسرائيل ساهمت في تدمير القومية العربية العلمانية وفي إيجاد حزب الله وحماس، تماماً مثلما عجل العنف الأميركي بصعود نجم الأصولية الإسلامية والحركات المتشددة. ومن شأن المغامرة الأخيرة أن تخلق أجيالاً جديدة من المتشددين الذين تلفهم المرارة والغضب، تماماً مثلما فعل غزو العراق.
علق الكاتب الإسرائيلي أوري أفنيري بأن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، قائد سلاح الجو سابقاً، «يرى العالم في الأسفل من خلال منظار القناص«. والأمر ذاته ينطبق على رامسفيلد - تشيني - رايس والمخططين الكبار الآخرين في إدارة بوش. وكما يكشف التاريخ فإن هذه النظرة إلى العالم شائعة بين أولئك الذين يمارسون وسائل العنف.
إن المسألة الجوهرية ـ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ـ يمكن التعامل معها بدبلوماسية إذا تخلت الولايات المتحدة وإسرائيل عن التزاماتهما الرافضة. كما أن المشاكل المعلقة الأخرى في المنطقة قابلة أيضاً للتفاوض والدبلوماسية. ولا يمكن ضمان نجاحها ولكن يمكننا أن نكون واثقين بشكل منطقي من أن النظر إلى العالم من خلال منظار القناص سيجلب مزيداً من البؤس والمعاناة ويجر الويلات على المنطقة بأسرها.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني



