يواصل تشومسكي في هذه الحلقة من الكتاب حديثه عن الديمقراطية في الولايات المتحدة ويقارنها بنظيرتها في أصغر وأفقر الدول في أميركا اللاتينية وهي بوليفيا ليخلص إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية الحقة التي تخدم مصالح الشرائح العريضة من الشعب وليس فقط مصالح الفئة النخبوية التي تستحوذ على المال ووسائل القوة الأخرى كالإعلام غير متوفرة في الولايات المتحدة، وأن ما يجري في الانتخابات النيابية والرئاسية ما هو إلا خداع لجمهور الناخبين تماماً كما يتم خداع المستهلكين عبر الترويج المكثف لبضاعة رخيصة.
ويشير المؤلف إلى أن ثقة الأميركيين بالمؤسسات تشهد تراجعاً نتيجة لوجود فجوة بين الرأي العام والسياسات العامة للدولة ويدلل على ذلك بالموقف من الحرب في العراق، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن الشعب الأميركي يؤيد بغالبيته انسحاباً أميركياً من العراق بينما لا تزال القيادة السياسية تصر على أن الانسحاب في هذه الفترة سيجر الويلات على الشعب العراقي وسيمس بالمصالح الحيوية لواشنطن.
ثم يعرج تشومسكي على المشكلات التي تعاني منها بلدان أميركا اللاتينية ويشير إلى التحولات السياسية التي تشهدها القارة وخاصة باتجاه تحقيق مزيد من الاستقلال السياسي والاقتصادي بعيداً عن الهيمنة الأميركية.
بعد خمسة قرون من الغزو الأوروبي تعيد أميركا الجنوبية تأكيد استقلالها، ومن فنزويلا إلى الأرجنتين ينهض قسم كبير من المنطقة للإطاحة بإرث الهيمنة الخارجية للقرون الماضية، والأشكال الاجتماعية القاسية والمدمرة التي ساعدت على تأسيسها.
إن آليات السيطرة الإمبريالية ــ العنف والحرب الاقتصادية اللتين بالكاد أن تكونا ذكرى بعيدة في أميركا اللاتينية- بدأت تفقد فعاليتها وهي إشارة على التحول نحو الاستقلال. إن واشنطن مضطرة الآن إلى تحمل حكومات كانت في الماضي ستستدعي التدخل أو الانتقام. وعبر المنطقة بأكملها ثمة مجموعة من الحركات الشعبية التي تقدم الأساس لديمقراطية ذات معنى. ويصبح السكان المحليون، كما لو أنهم أعادوا اكتشاف إرثهم للفترة ما قبل الكولونيالية، أكثر فعالية وتأثيراً، على الأخص في بوليفيا والإكوادور.
وهذه التطورات نتجت جزئياً عن ظاهرة تمت ملاحظتها منذ بضع سنوات من قبل المختصين ومنظمات الاستطلاع في أميركا اللاتينية: حيث ان الحكومات المنتخبة أصبحت ديمقراطية على نحو رسمي أكثر، حيث عبر المواطنون عن التحرر المتزايد من الوهم إزاء الطريقة التي تعمل بها الديمقراطية و»غياب الأيمان« بالمؤسسات الديمقراطية. لقد سعوا إلى بناء أنظمة ديمقراطية اعتماداً على المشاركة الشعبية وليس الهيمنة المنتخبة والخارجية.
والتفسير المقنع لتراجع الإيمان بالمؤسسات الديمقراطية القائمة قدمه العالم السياسي الأرجنتيني، أتيليو بورون الذي لاحظ أن الموجة الجديدة من الدمقرطة في أميركا اللاتينية تزامنت مع »الإصلاحات« الاقتصادية المفروضة خارجياً التي تقلل من شأن الديمقراطية الفاعلة: الليبرالية الجديدة »إجماع واشنطن«، والذي فعلياً يعمل كل عنصر من عناصره على التقليل من شأن الديمقراطية والذي قاد أيضاً إلى كارثة اقتصادية في أميركا اللاتينية، مثلما في مناطق أخرى التي اتبعت القوانين بصرامة.
إن مفهومي الديمقراطية والتنمية مرتبطان من نواحٍ عديدة. إحداها هو أن لديهما عدواً مشتركاً: فقدان السيادة. ففي عالم الدول القومية، يبدو صحيحاً من حيث التحديد أن تراجع السيادة يستتبعه تراجع الديمقراطية، وتراجع في القدرة على تسيير السياسة الاجتماعية والاقتصادية. وهذا بدوره يؤذي التنمية وهو استنتاج أكدته قرون من التاريخ الاقتصادي.
ونفس السجل التاريخي يكشف أن فقدان السيادة يؤدي بشكل متسق إلى فرض التحرير، وبالطبع لمصلحة أولئك الذين لديهم السلطة لفرض هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي. في السنوات الأخيرة، يدعى النظام المفروض عموماً »الليبرالية الجديدة«. وهذا ليس بمصطلح جديد للغاية: فالنظام الاجتماعي الاقتصادي ليس جديداً، وليس ليبرالياً، على الأقل كما تم إدراك المفهوم من قبل الليبراليين الكلاسيكيين.
في الولايات المتحدة، كان الايمان بالمؤسسات يتراجع بثبات ولأسباب جيدة. فقد انفتحت فجوة ضخمة بين الرأي العام والسياسة العامة بالكاد جاء ذكرها رغم أن الناس لا يمكنهم إلا أن يدركوا أن اختياراتهم للسياسية ليس لها اعتبار.
مقارنة في الديمقراطية
إنه أمر بناء لدى مقارنة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أغنى بلد في العالم وأفقر بلد في العالم في أميركا الجنوبية ــ بوليفيا.
كما ذكر آنفاً، في نوفمبر 2004 كان أمام الناخبين الأميركيين الاختيار بين مرشحين من أعلى مستويات النخبة المميزة. كانت برامجهما متشابهة وتتسق مع احتياجات دوائرهما الانتخابية الأساسية: الثروة والامتيازات. وكشفت استطلاعات الرأي العام أنه بشأن مجموعة من القضايا الرئيسية، فإن كلا الحزبين يخضعان لحق السكان العام، إدارة بوش بشكل جذري.
ولهذه الأسباب جزئياً تمت إزالة القضايا من الأجندة الانتخابية. وقلة من الناخبين فقط عرفت موقف المرشحين حول القضايا الأساسية. فالمرشحان يتم تغليفهما وبيعهما كمعجون الأسنان والسيارات والعقاقير حديثة الطراز، ومن قبل نفس الصناعات المخصصة للوهم والخداع. في المقابل، لنأخذ في الاعتبار بوليفيا وانتخابات إيفو موراليس في ديسمبر 2005.
كان الناخبون لديهم فكرة عن القضايا، والقضايا الحقيقية للغاية والمهمة مثل السيطرة المحلية على الغاز الطبيعي والمصادر الأخرى والتي تمتلك دعماً شعبياً ساحقاً. وكانت حقوق السكان الأصليين وحقوق المرأة وحقوق الأراضي والمياه جميعها على الأجندة السياسية من بين العديد من القضايا المهمة الأخرى التي كانت محور الصراع المستمر من قبل المنظمات الشعبية. واختار السكان شخصاً من بين صفوفهم وليس ممثلاً عن قطاعات ضيقة من الامتيازات. وكانت هنالك مشاركة حقيقية وليس فقط دفع الرافعة مرة واحدة كل بضع سنوات.
إن المقارنة، وليست هي الوحيدة، تثير بعض الأسئلة حول المكان الذي يحتاج برامج »لتعزيز الديمقراطية«. وفي سياق هذه التطورات يمكن أن تصل أميركا اللاتينية إلى تسوية بشأن بعض مشاكلها الداخلية الصعبة. فالمنطقة سيئة السمعة فيما يتعلق بجشع طبقاتها الغنية وابتعادها عن المسؤولية الاجتماعية.
إن الدراسات المقارنة للتنمية الاقتصادية في أميركا اللاتينية وشرق آسيا تتكشف بهذا الخصوص. فأميركا اللاتينية الأقرب إلى أسوأ سجل في العالم فيما يتعلق بعدم المساواة، في حين أن شرق آسيا هي الأفضل. والأمر ذاته ينطبق على التعليم، والصحة، والرفاه الاجتماعي عموماً. تتركز واردات أميركا اللاتينية باتجاه الاستهلاك من قبل الأغنياء؛ بينما في شرق آسيا باتجاه الاستثمار المنتج. وقارب هروب رأس المال من أميركا اللاتينية حجم الديون ــ مشيراً إلى طريقة للتغلب على هذا العبء الثقيل. وأما في شرق آسيا، فقد تمت السيطرة على هروب رأس المال بقوة.
كانت اقتصادات أميركا اللاتينية أكثر انفتاحاً أمام الاستثمار الأجنبي مقارنة بآسيا. ومنذ خمسينات القرن الماضي، سيطرت الشركات متعددة الجنسيات على الحصص الأكبر من الإنتاج الصناعي في أميركا اللاتينية مقارنة بقصص النجاح الشرق آسيوية، وفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية. وذكر البنك الدولي أن الاستثمار الأجنبي والخصخصة اتجها إلى أن يحلا محل تدفقات رأس المال الأخرى في أميركا اللاتينية، لتنقل بذلك السيطرة، وترسل الأرباح إلى الخارج على النقيض من شرق آسيا.
في تلك الأثناء فإن البرامج الاجتماعية الاقتصادية التي تجري في أميركا اللاتينية تعكس الأنماط التي يعود أثرها إلى الغزو الأسباني ــ مع ارتباط نخبة أميركا اللاتينية واقتصاداتها بالقوى الإمبريالية ولكن ليس مع بعضها البعض.
بالطبع، فإن هذا التغير لا يلقى الترحيب بدرجة كبيرة في واشنطن للأسباب التقليدية: توقعت الولايات المتحدة الاعتماد على أميركا اللاتينية كقاعدة آمنة للموارد والأسواق والفرص الاستثمارية. وكما أكد المخططون منذ فترة طويلة، إذا خرج نصف الكرة الأرضية هذا عن نطاق السيطرة فكيف تستطيع الولايات المتحدة أن تأمل في مقاومة التحدي في مكان آخر؟
البدائل أمام الأميركيتين
في شهر ديسمبر 2006، أشارت صدفة ميلاد ووفاة إلى حدوث تحول في أميركا الجنوبية، والعالم أجمع. فالدكتاتور التشيلي السابق أوغيستو بينوشيه توفي في الوقت الذي كان فيه زعماء بلدان أميركا الجنوبية يختتمون اجتماع قمة لمدة يومين في كوشابامبا في بوليفيا استضافه الرئيس البوليفي إيفو موراليس حيث مثل المشاركون والأجندة النقيض لبينوشيه وحقبته من النازية الجديدة لدول الأمن القومي ــ بدعم، وأحياناً بتثبيت من سيد نصف الكرة الأرضية - وقد ناقش المجتمعون آفة الإرهاب والتعذيب والوحشية العامة التي تنتشر من الأرجنتين إلى أميركا الوسطى.
في إعلان كوشابامبا اتفق رؤساء ومبعوثو اثني عشر بلداً على دراسة فكرة تشكيل تجمع قاري على غرار الاتحاد الأوروبي. يشير الإعلان إلى مرحلة أخرى في الخطوات الأخيرة باتجاه التكامل الإقليمي في أميركا الجنوبية، بعد 500 عام من الغزو الأوروبي. وقد تقدم شبه القارة من فنزويلا إلى الأرجنتين مثالاً إلى العالم حول كيفية خلق مستقبل بديل من إرث الإمبراطورية والإرهاب.
لقد هيمنت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على المنطقة بأسلوبين رئيسيين: العنف والخنق الاقتصادي. وبشكل عام تماماً، فإن الشؤون الدولية تشابه إلى حد ما عصابات المافيا. فالعراب لا يأخذ الأمور ببساطة عندما يغضب حتى ولو من صاحب متجر صغير- كما تعرف أميركا اللاتينية ذلك جيداً. لقد تم سحق المحاولات السابقة للاستقلال، والسبب جزئياً غياب التعاون الإقليمي، وبدون هذا التعاون لا يمكن معالجة التهديدات كل على حدة.
بالنسبة للولايات المتحدة فإن العدو الحقيقي كان دوماً القومية المستقلة وتحديداً عندما تهدد بأن تصبح »نموذجاً معدياً«، باستعارة وصف هنري كيسنجر للاشتراكية الديمقراطية في تشيلي- شفيت من العدوى بتاريخ 9/11 1973 بطريقة جاء وصفها سابقاً. وبين الزعماء الذين حضروا كوشابامبا الرئيسة التشيلية ميشيل باشيليت. ومثلما كان الليندي فهي اشتراكية وطبيبة وهي أيضاً منفية سابقاً وسجينة سياسية، وكان والدها جنرالاً توفي في السجن بعد تعذيبه.
وفي كوشابامبا احتفل موراليس والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز بمشروع استثماري مشترك وهو مشروع لفصل الغاز في بوليفيا. ومثل ذلك التعاون يعزز دور المنطقة كلاعب رئيسي في الطاقة العالمية. وفنزويلا هي البلد الوحيد فعلياً من بلدان أميركا اللاتينية العضو في أوبك، حيث انها ثبت لغاية الآن أنها تضم أكبر احتياطيات النفط خارج منطقة الشرق الأوسط. وتتمثل تصورات شافيز بتأسيس نظام بتروأميركا، وهو نظام طاقة متكامل على غرار النظام الذي تحاول الصين إنشاءه في آسيا.
واقترح رئيس الإكوادور الجديد رفائيل كوريا ارتباطاً تجارياً يتعلق بالأرض ــ والنهر من الغابة المطرية لنهر الأمازون البرازيلي إلى ساحل الهادئ الخاص بالإكوادور ــ نظير أميركي جنوبي لقناة بنما. وتشمل التطورات الواعدة الأخرى مشروع تيليسو وهو محاولة لكسر الاحتكار الغربي لوسائل الإعلام ودعا الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا زملاءه الرؤساء إلى تجاوز الخلافات التاريخية وتوحيد القارة مهما كانت المهمة صعبة.
إن التكامل شرط مسبق للاستقلال الحقيقي. فالتاريخ الاستعماري ــ إسبانيا وبريطانيا والقوى الأوروبية الأخرى والولايات المتحدة- لم يعمل فقط على تقسيم البلدان عن بعضها البعض إنما أيضاً ترك انقساماً داخلياً حاداً في داخل البلاد، بين النخبة الصغيرة الثرية والعدد الكبير من السكان الفقراء.
كما أن عامل الارتباط بالعرق وثيق إلى حد ما. نموذجياً، فإن النخبة الغنية كانت من البيض، الأوروبيين، الذين أصبحوا غربيين، والفقراء هم السكان المحليون، والهنود، والسود، وذوو الأعراق المختلطة. والنخبة التي اغلبها من البيض كانت على صلة قليلة متبادلة مع البلدان الأخرى في المنطقة. فقد تم توجيههم إلى الغرب وليس إلى مجتمعاتهم الخاصة في الجنوب.
وبسبب التطورات الجديدة في أميركا الجنوبية اضطرت الولايات المتحدة إلى تعديل سياستها، فالحكومات التي تلقى الآن دعم الولايات المتحدة ــ مثل البرازيل في ظل حكم لولا- ربما تم الإطاحة بها في السابق كما تمت الإطاحة بالرئيس البرازيلي جواو غولارت في انقلاب بدعم أميركي في عام 1964. والضوابط الاقتصادية الرئيسية في السنوات الأخيرة تأتي من صندوق النقد الدولي والذي يعتبر فعلياً فرعاً من وزارة الخزينة الأميركية.
وكانت الأرجنتين الطفل المتبنى لصندوق النقد الدولي ــ حتى انهيار عام 2001. واستعادت الأرجنتين عافيتها، ولكن بعد أن انتهكت قوانين صندوق النقد الدولي، برفضها دفع ديونها وشراء ما تبقى من الدين ــ بمساعدة جزئية من فنزويلا، في شكل آخر من أشكال التعاون.
لقد تحركت البرازيل بطريقتها الخاصة في نفس الاتجاه لتحرير نفسها من صندوق النقد الدولي، وكانت بوليفيا تلميذاً مطيعاً لصندوق النقد الدولي لنحو خمسة وعشرين عاماً وانتهى بها الأمر بدخل للفرد أدنى من بداية طاعتها. وتتخلص بوليفيا الآن من صندوق النقد الدولي أيضاً، ومرة أخرى بدعم فنزويلي.
في أميركا الجنوبية، اضطرت الولايات المتحدة إلى ترويض نفسها لحكومات يسار الوسط وانتقلت إلى التمييز بين الأشخاص الطيبين والأشخاص السيئين، فالرئيس البرازيلي لولا هو شخص جيد بينما الرئيسان شافيز وموراليس هما السيئان.
وللإبقاء على خط حزب واشنطن على أية حال، من الضروري تأكيد بعض الحقائق. على سبيل المثال حقيقة أن أول عمل قام به الرئيس لولا عندما تم إعادة انتخابه في أكتوبر 2006 هو الطيران إلى كاراكاس لدعم الحملة الانتخابية للرئيس شافيز. وايضاً دشن لولا مشروعاً برازيلياً في فنزويلا، وهو جسر فوق نهر أورينوكو، وناقش مشاريع أخرى مشتركة.
وفي ديسمبر 2006، واصلت مجموعة ميركوسور، الاتحاد التجاري الأميركي الجنوبي، الحوار حول وحدة أميركا الجنوبية في اجتماعها نصف السنوي في البرازيل حيث افتتح لولا برلمان ميركوسور في أشارة أخرى مفعمة بالأمل على التخلص من شياطين الماضي.
إن العوائق أمام التكامل الثنائي- بين البلدان وفي داخلها- مرعبة، ولكن الخطوات التي يتم اتخاذها تعد، ليس أقله بسبب الدور الديناميكي للحركات الشعبية الشاملة، بوضع الأساس للديمقراطية الحقيقية والتغيير الاجتماعي اللازم بشكل ملح.
الوضع في العراق
في الغرب، فإن بعضاً من أهم المعلومات حول العراق إما يتم تجاهلها أو عدم الحديث عنها. وما لم يتم أخذها في الحسبان، فلن تكون المقترحات بشأن السياسات الأميركية في العراق طبيعية ولا سليمة استراتيجياً.
فعلى سبيل المثال فإن أكثر القصص الإخبارية الحديثة التي لا تحظى بالاهتمام من أرض العراق المعذبة كانت تتعلق بأكثر الاستطلاعات تنويراً في بغداد والأنبار والنجف حول الغزو وعواقبه. »نحو 90% من العراقيين يشعرون أن الوضع في البلاد كان أفضل قبل الغزو بقيادة أميركا مقارنة بالوقت الحاضر«، حسبما قالت يونايتد برس إنترناشيونال حول الاستطلاع الذي أجراه في نوفمبر 2006 المركز العراقي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية ومقره بغداد.
»قرابة نصف المستطلعين فضلوا انسحاباً فورياً للقوات التي تقودها الولايات المتحدة«، كما ذكرت صحيفة ديلي ستار في بيروت لبنان. وفضل 20% انسحاباً على مراحل يبدأ مباشرة. (هناك استطلاع آخر لوزارة الخارجية الأميركية، تم تجاهله أيضاً، وجد أن ثلثي سكان بغداد يريدون انسحاباً فورياً).
وبشكل عام ،على أية حال، فإن الرأي العام ــ في العراق أو الولايات المتحدة أو أي مكان آخر لا يعتبر ذا صلة بصناع السياسة ما لم يكن هنالك احتمال في أن يعيق خياراتهم المفضلة. وما هذه إلا مزيد من المؤشرات حول الاحتقار العميق للديمقراطية من جانب المخططين ومعاونيهم، والمستوى المصاحب لسيل الكلام المنمق حول حب الديمقراطية والمهمات المسيحية لتعزيزها.
تظهر الاستطلاعات الأميركية معارضة الأغلبية للحرب ولكنها تلقى اهتماماً محدوداً ونادراً ما تدخل في تخطيط السياسة أو حتى انتقادات التخطيط. وابرز انتقاد تم إبداؤه مؤخراً كان تقرير بيكر ــ هاميلتون لمجموعة دراسة العراق التي زعم على نطاق واسع أنها انتقاد تصحيحي قيّم لسياسات إدارة جورج دبليو بوش، التي رفضت التقرير فوراً ووضعته في غياهب النسيان. وأحد الملامح المميزة للتقرير هو غياب الاهتمام بإرادة الشعب العراقي.
يذكر التقرير بعض الاستطلاعات حول شعور العراقيين، ولكن فقط فيما يتعلق بسلامة القوات الأميركية، والافتراض الضمني للتقرير بأن السياسة يجب أن تكون مصممة بحسب مصالح الحكومة الأميركية وليس بحسب مصلحة العراقيين أو الأميركيين، ومع ذلك تم تجاهله أيضاً.
لا يحقق التقرير في هذا المصالح الإرشادية أو في سبب غزو الولايات المتحدة، أو لماذا تخشى السيادة، أو إلى حد ما عراق ديمقراطي رغم أنه ليس من الصعب إيجاد الأجوبة. إن السبب الحقيقي للغزو بالتأكيد أن لدى العراق ثاني أكبر احتياطيات النفط في العالم، واستغلاله رخيص، وفي قلب المصادر الكبرى للنفط في العالم.
إن القضية ليست إمكانية الوصول إلى هذه المصادر إنما السيطرة عليها. وكما أشار نائب الرئيس ديك تشيني في مايو 2006 فإن السيطرة على مصادر الطاقة توفر »أدوات الترهيب أو الابتزاز« في أيدي الآخرين.
كما دفنت في الدراسة التوصية المتوقعة بالسماح لسيطرة الشركات (مما يعنى في الغالب الشركات الأميركية والبريطانية) على مصادر الطاقة في العراق. وفي العبارة الأكثر تهذيباً في الدراسة »على الولايات المتحدة أن تعمل على أن يعيد الزعماء العراقيون تنظيم صناعة النفط الوطنية بصفتها مشروعاً تجارياً من أجل تعزيز الكفاءة، والشفافية، والمحاسبة«.
وبسبب عدم رغبتها المنتظمة لمناقشة مثل تلك المسائل المطلقة، فإن مجموعة الدراسة غير قادرة على مواجهة واقع اختيارات السياسة الأميركية في مواجهة الكارثة التي أوجدها الغزو، فإن المناقشة حصلت فعلياً.
إن التركيز الرئيسي لتقرير بيكر ــ هاميلتون هو انسحاب القوات الأميركية من العراق: بتحديد أكثر، انسحابها من المعركة المباشرة رغم أن المقترحات قد أحيطت بالعديد من المؤهلات والتهرب. وفي التقرير بضع كلمات تحث الرئيس على الإعلان بأن الولايات المتحدة لا تعتزم أن يكون لها وجود عسكري دائم في العراق، ولكن دون دعوة لإنهاء بناء القواعد العسكرية، لذا فإن مثل ذلك الإعلان من غير المحتمل أن يؤخذ مأخذ الجد من جانب العراقيين.
يبدو أن التقرير يفترض (سهواً) أن اللوجستيات وهي عصب الجيش العصري يجب أن تبقى تحت السيطرة الأميركية وأن وحدات القتال يجب أن تبقى »لحماية القوة« ــ بما فيها حماية قوات القتال الأميركية المتغلغلة في الوحدات العراقية- في بلد يعتبر فيه 60% من السكان وعدد آخر إضافي في وسط العراق حيث تنتشر القوات الأميركية فعلياً، الجنود في وحداتهم على سبيل المثال، هدفاً مشروعاً.
كما لا يتضمن التقرير أية مناقشة لحقيقة أن الولايات المتحدة سوف تحتفظ بالطبع بالسيطرة الكلية على المجال الجوي وبناء عليه يمكنها أن تحاول اللجوء إلى الأساليب التي استخدمتها في المراحل اللاحقة من حروب الهند الصينية فيما كانت القوات تنسحب، وهو توقع مشؤوم تمت مناقشته في مقال في غاية الأهمية كتبه اثنان من أخصائيي كمبوديا البارزين، تايلور أوين وبن كيرنان (مدير مشروع الإبادة في جامعة ييل) بعنوان »القنابل فوق كمبوديا«.
وكان من المعروف جيداً أن تخفيض عدد القوات من جنوب فيتنام صاحبه تسارع في القصف بلا رحمة، تحديداً على شمال لاوس وكمبوديا. ولكنهما يقدمان أنباء جديدة مخيفة حول حجمها وعواقبها.
تكشف البيانات الجديدة أن قصف كمبوديا كان أكبر بخمسة أضعاف من المستوى غير المعقول الذي ورد ذكره سابقاً مما يعني أن قصف المناطق الريفية الكمبودية تجاوز إجمالي القصف الذي أوقعته قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. وتعزز المادة الجديدة بشكل أساسي التقديرات السابقة لتأثير القصف.
وبكلمات المؤلفين، »دفعت الإصابات بين المدنيين الشعب الغاضب إلى أحضان المتمردين الذين كانوا يتمتعون بتأييد قليل نسبياً إلى أن بدأ القصف، وأطلق العنان للارتفاع السريع للخمير الحمر وفي النهاية إلى الإبادة الجماعية في كمبوديا«. ونقل أوامر نيكسون للقصف هنري كيسنجر بكلمات تقول »أي شيء يطير، وعلى أي شيء يتحرك« ــ إحدى أكثر الدعوات صراحة للإبادة الجماعية في أرشيف أية دولة.
وجاء ذكر أوامر كيسنجر في صحيفة نيويورك تايمز (إليزابيث بيكر، »تسجيلات كيسنجر تصف الأزمة، الحرب والصور المرعبة للإساءة«، 27 مايو 2004)، ولم تثر أي رد فعل ظاهر. وقوبلت الاكتشافات الجديدة بالصمت. وردود الفعل غير المقبولة تعطي دليلاً إضافياً على القلق الفعلي إزاء الكمبوديين من جانب أولئك الأشخاص في الغرب الذين يستغلون مأزقهم لمكاسب شخصية وفي خدمة السلطة بينما تجري مذابح الخمير الحمر، دون أية إشارة لما ينبغي فعله تجاههم ــ على النقيض تماماً لرد فعلهم إزاء مذابح مشابهة نحتمل مسؤوليتها الأساسية، ونستطيع بناء عليه أن نوقفها إذا اخترنا ذلك.
بالكاد يستطيع المرء أن يرفض ببساطة مخاوف أوين ــ كيرنان حول ما يمكن أن يتكشف في العراق في ضوء السوابق الأخيرة كتلك. يخشى بعض المراقبين أن يؤدي الانسحاب الأميركي من العراق إلى حرب أهلية شاملة وإلى تدهور البلاد. أما فيما يتعلق بالآثار المترتبة على الانسحاب، فيحق لنا أن نصدر أحكامنا الشخصية وجمعيها بلا اطلاع ومريبة كتلك الخاصة بالاستخبارات الأميركية. غير أنه ليست لهذه الأحكام أية أهمية، وما يهم حقيقة هو ماذا يعتقد العراقيون أو بالأحرى هذا ما يجب أن يكون له أهمية.
إذا اعتبرت النتائج المتفقة للعديد من الاستطلاعات غير كافية فإن مسألة الانسحاب يمكن أن تخضع حتى لاستفتاء شعبي يجرى في ظل مراقبة دولية لتقليص القوة القسرية لقوات الاحتلال وعملائها العراقيين.
والآن، وعلى النقيض من تقرير بيكر ــ هاميلتون (والرأي العام العراقي والأميركي) فإن خطة واشنطن هي »الهيجان« ــ لإدخال مزيد من القوات في العراق. قلة من المحللين العسكريين أو المتخصصين في الشرق الأوسط يتوقعون أن تنجح تلك الأساليب ولكن من الواضح أن ذلك ليس هو القضية الأساسية ما لم نتفق على أن السؤال الوحيد الذي يمكن طرحه هو ما إذا كان العدوان الأميركي سينجح في تحقيق أهدافه. ولا أحد ينبغي أن يقلل من شأن قوة الهدف الماثل منذ زمن للسياسة الخارجية الأميركية بإبقاء سيطرتها على الموارد المهمة لهذه المنطقة. إن السيادة العراقية الحقيقية لن تحتملها القوة المحتلة بسهولة، ولن تتحمل الدول المجاورة أيضاً حالة التدهور في العراق، أو نشوب حرب إقليمية في أعقاب ذلك.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني