حتى عندما كان يقضي إجازته في أميركا لم يتوقف نيكولا ساركوزي عن العمل. فقد دأب الرئيس الفرنسي متقد النشاط على إطلاق تصريحاته الساخنة وبياناته الصحافية حول كل القضايا التي تخص وطنه, حيث لم يترك شيئا إلا وعلق عليه, بما في ذلك موت أحد عازفي موسيقى الجاز الفرنسيين وعطل أصاب إحدى أراضي المعارض الفرنسية.
هذه الديناميكية التي يتمتع بها ساركوزي بدأت تؤتي ثمارها في فرنسا, حيث طفقت تظهر جليا ثقة المستثمرين في بيئة العمل وانخفضت معدلات البطالة إلى أقل مستوياتها منذ 25 عاما. بل أنه قد كثر الحديث أيضا في الخارج عن بزوغ فجر عصر نهضة فرنسية جديدة, لاسيما في ألمانيا, حيث بدأت تظهر حالة من التوتر بسبب صعود النجم الفرنسي بشكل يهدد الألمان.
أما بقية دول العالم فتراقب ما يجري على الساحة الفرنسية باهتمام بالغ؛ فالمستثمرون الأجانب, لاسيما الأميركيون والبريطانيون منهم, والذين ابتعدوا عن البلاد بسبب سياسة الحكومة السابقة التي لم تكن تفضل الرأسمالية الأنجلو ساكسونية, قد أسعدتهم بشدة تصريحات ساركوزي حول سياسة السوق المفتوحة.
فهل ستتحدى فرنسا السيطرة الألمانية على الاتحاد الأوروبي؟ فالاقتصاد الفرنسي بدأ ينهض بشكل ملحوظ. تقول نينا ميتز, رئيسة مؤسسة »فاينانشيال دايناميكس« للاستشارات في عالم الأعمال: »بالتأكيد هناك تغير في المشاعر. هناك شعور بأن كل شيء ممكن. وهناك شعور بأنه يجري التعامل مع الأشياء بشكل مختلف. هناك نشاط كبير يشعر به الجميع«.
لقد وعد ساركوزي بإعادة البلاد لحركة نشاط كبيرة بعد توقف دام لأكثر من عقد من الزمن تحت قيادة شيراك. لقد أعطى ساركوزي الانطباع بأنه موجود في كل مكان. ففي أحد أيام الجمع طار إلى باريس لحضور جنازة أحد الكاردينالات. وبعدها بيوم عاد إلى أميركا لينضم إلى زوجته سيسيليا في حفل غداء جمعه بالرئيس الأميركي جورج بوش وزوجته لورا.
غير أن هذا النشاط غير مقتصر على الساحة الخارجية فحسب. فقد تمت الدعوة إلى جلسة برلمانية لتمرير باقة من القوانين من شأنها تقليص الضرائب على هؤلاء الذين يدفعون رسوم رهان عقاري ويعملون لساعات إضافية, الأمر الذي يقلص الحد الأقصى للضرائب التي يدفعها الفرد بمعدل 50% من دخله ويمنح استقلالية أكبر للجامعات.
كما ينص التشريع على حتمية قيام النقابات واتحادات العمال بتوفير حد أدنى من خدمات النقل أثناء تنظيم الإضرابات. كما ستتحدد بدلات البطالة بقدر ما يبذله الفرد من جهد في البحث عن وظيفة. كل هذه الخطوات تقع ضمن إجراءات إصلاحية أوسع, على حد قول ساركوزي, تهدف إلى استعادة شهية فرنسا على العمل والإنتاج.
من الواضح أن الشعب يثق فيه بشدة. تقول مصادر من غرفة التجارة الفرنسية البريطانية: »مع وصول ساركوزي إلى سدة السلطة, تولد هناك شعور بأن فرنسا بدأت تنفتح على الغرب«.
وبدأت ملامح اعتماد ساركوزي على الانفتاح على الغرب عندما عين كريستين ليجارد, وهي محامية تلقت تعليمها في الولايات المتحدة الأميركية, كوزيرة للمالية في حكومته.
فهي تتفق مع ساركوزي في امتعاضه لنظام ال35 ساعة عمل أسبوعيا ودعت مؤخرا لزيادة إنتاجية الموظفين, وقالت: »إن فرنسا بلد يفكر. لا توجد أيديولوجية واحدة إلا وحولناها إلى نظرية. يكفى ما قمنا به من تفكير. فلنشمر عن سواعدنا ونبدأ العمل«.
وقد بدا أن تلك الكلمات قد حققت المطلوب منها, فقد ارتفع مؤشر العمل وانخفض مؤشر البطالة إلى أدنى مستوياته في 25 عاما. وتشير التوقعات إلى ارتفاع معدل النمو إلى 2.25% أي بزيادة 2% عن العام الماضي. ويأمل ساركوزي أن يرتفع معدل النمو إلى أكثر من ذلك بكثير.
وقد تسببت هذه الطاقة الجديدة الظاهرة في الاقتصاد الفرنسي والتي يرجع فيها الفضل إلى ساركوزي ــ تسببت في مواجهة مع ألمانيا, لاسيما عندما بدا أن فرنسا هي صاحبة الفضل في إطلاق سراح الممرضات البلغاريات وذلك بعد خمسة شهور متواصلة قضاها الاتحاد الأوروبي في مفاوضات مكثفة حول القضية. بل أن الأمر الذي أثار حفيظة الألمان بشكل أكبر كان قرار ساركوزي ببيع أسلحة وطاقة نووية إلى ليبيا من دون علم برلين.
وما زاد الطين بلة كانت الحملة التي يقودها ساركوزي منذ فترة لإخضاع البنك المركزي الأوروبي إلى سيطرة سياسية بغية مساعدة الصادرات الفرنسية على مواجهة المشكلات التي يفرضها ارتفاع قيمة اليورو بشكل كبير. وقد قالت مجلة »دير شبيغل« الألمانية مؤخرا إن »ساركوزي بدأ بالفعل إثارة أعصاب الألمان«.
يقول روبريخت بولينز, وهو عضو في حزب الديمقراطيين المسيحيين, الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل: »فيما يتعلق بالسياسة الخارجية, ينبغي أن يكون هناك اتفاق بين الشركاء الأوروبيين. وحتى في حال أن يستغرق الأمر وقتا, فإن فرنسا ينبغي لها أن تعزز من السياسات الأمنية والخارجية الأوروبية«.
البعض في برلين يشك في أن ساركوزي يريد الإطاحة بميركل باعتبارها أكثر زعماء أوروبا نفوذا. فقد شعر الدبلوماسيون الألمان برعب كبير عندما ناقشت فرنسا مع كل شركائها الرئيسيين باستثناء ألمانيا قرار ترشيح دومينيك شتراوس كان لرئاسة صندوق النقد الدولي . وقال أحد مستشاري ميركل: »الشظايا تتطاير«.
ويعترف منتقدو ساركوزي على المستوى الداخلي بأدائه المتميز وأسلوبه الرفيع في اختيار ملابسه. فقد وضعته مجلة »فانيتي فير« على قائمة أفضل رجال الأعمال أناقة ولكنها طرحت العديد من التساؤلات حول قدرته على تحقيق نتائج إيجابية لفرنسا.
غير أن الخريف المقبل سيحدد بشكل كبير قدرة ساركوزي على إحداث ثورة داخل المجتمع الفرنسي وذلك لأنه يتوقع أثناء تلك الفترة حدوث احتجاجات ومظاهرات على ما يقوم به من إصلاحات جذرية في البلاد.
ترجمة: حاتم حسين عن »صنداي تايمز«
بقلم: ماثيو كامبل