أعيد فتح النقاش حول منظومة الدفاع الصاروخية، الدائر منذ نحو خمسين عاما مضت، وذلك نتيجة تركيب عناصر دفاعية صاروخية أميركية في كل من جمهورية التشيك وبولندا، بينما عادت للظهور مؤشرات جديدة لكنها معروفة على الحرب الباردة وذلك في اللحظات التي تتحدى فيها روسيا الحاجة إلى القيام بتلك الخطوة، التي تؤكد أن الهدف منها يكمن في إحراز تفوق على القوى الاستراتيجية الروسية وليس مواجهة التهديدات الإيرانية ، كما تدعي حكومة الولايات المتحدة.

بيد أنه يضاف إلى ذلك الاتهام أن الكرملين عرض كذلك مبادرة جريئة تهدف إلى قيام تعاون غير مسبوق بين الناتو وروسيا لمواجهة التهديد النووي الإيراني. لكن جانب النقاش المرتبط بالحرب الباردة يعود إلى موضوع يؤرق الخبراء الاستراتيجيين منذ ظهور الأسلحة النووية، ذلك الموضوع يتعلق بمدى صحة الطرح الذي يقول إنه انطلاقا من التبعات الكارثية للحرب النووية يمكن وضع استراتيجية عسكرية تمكن المجتمع من البقاء على قيد الحياة.

أثناء الحرب الباردة، سعت العقيدة الاستراتيجية الأميركية التي كانت سائدة آنذاك إلى ردع الخصم عن طريق تقويض إمكانية التصفية المتبادلة. بيد انه عندما أكدت التقديرات أن عدد ضحايا استراتيجية التدمير المتبادل يصل إلى عشرات الملايين من البشر، تراجعت الحكومات أمام المستلزمات التي كان صاغها مخططوها.

لقد ولد ظهور الصواريخ البالستية في ستينات القرن الماضي ضغوطا فيما يتعلق بمسألة الدفاع أمام خطر جديد. لكن على صعيد الممارسة، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فقط يملكان القدرة العسكرية لتطوير ما كان يمكن مقارنته بإسقاط ما يعادل قذيفة واحدة من الفضاء والولايات المتحدة وحدها كانت تملك المقدرة الصناعية لإنتاجها بالمعنى الشمولي.

وفي العقود اللاحقة، شهدت الساحة الدولية تغيرا كبيرا أجبر الأطراف المعنية على إعادة التفكير بقراراتها السابقة. ففي المقام الأول، قضى تفكك الاتحاد السوفييتي في المستقبل القريب على الأساس النظري لعقيدة استراتيجية التدمير المتبادل.

في المقام الثاني، جعل التقدم التقني منظومة الدفاع الصاروخية تأخذ أبعادا واقعية أكثر بكثير. وفي المقام الثالث، ولد انتشار أسلحة الدمار الشامل وتقنية الصواريخ أخطارا لا سابق لها على صعيد احتمال حدوث عمليات إطلاق عرضية أو من جانب إحدى الدول المارقة. كما دخل إلى دائرة الجدل موضوع آخر ذو طابع أخلاقي يتعلق بالإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن لرئيس ما أن يوضح، بعد أي هجوم نووي مهما كان محدودا، لماذا اختار ترك الناس من دون حماية مع أنه في وضع معقول يؤهله من الناحية التقنية التخفيف من عواقب ذلك الهجوم أو الحيلولة دون وقوعه.

تلك الاعتبارات أقنعت حكومة بوش بالانسحاب من معاهدة حظر انتشار الصواريخ البالستية في عام 2002 للشروع في بناء نظام شامل للدفاع الصاروخي مهمته مواجهة الهجمات المحدودة عموما وتلك القادمة من الدول المارقة على وجه الخصوص. وبدأت المنشآت تظهر أولا في ألاسكا وتلحق بالنظام بعض محطات الرادار الموجودة في أماكن أخرى. أما نصب رادار في جمهورية التشيك وعدد محدود من أنظمة الاعتراض في بولندا فسيشكل أولى المنشآت خارج الولايات المتحدة المصممة بصورة واضحة من أجل الدفاع الصاروخي.

أما ردة الفعل من الجانب الروسي ، الذي وافق على الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الصواريخ البالستية في عام 2002، من دون أي جدال تقريبا، فلقد كانت فورية على المنشآت في جمهورية التشيك وبولندا. وهذا يجب ألا يدهش أحدا. ذلك أن موسكو كانت تعطي دائما إشارات على اهتمام كبير في الدفاع الصاروخي. وعمليا، فإن الاتحاد السوفييتي كان المبادر إلى تركيب منظومة دفاع صاروخية في محيط موسكو في منتصف الستينات من القرن الماضي.

الحوار الحالي بين روسيا والولايات المتحدة يعيد ، بالتالي،التأكيد في جانب منه على قاعدة تقليدية. بيد أن مستلزماته تذهب إلى ما هو أبعد من الاعتبارات الاستراتيجية. ففي سلوك الرئيس فلاديمير بوتين هناك استياء ضمني عميق من تقدم المؤسسة العسكرية للناتو نحو الحدود الروسية من دون احترام ما تعتبره موسكو ضمانات بألا يحدث ذلك وخصوصا فيما يتعلق بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

تعكس تكتيكات موسكو خطابها. فلقد أطلقت حملة دبلوماسية مكثفة مكرسة للضغط على حلف الناتو والولايات المتحدة كي تزيلان منشأة منظومة الدفاع الصاروخية في وسط أوروبا. وتراجعت عن وعودها السابقة الخاصة بأن أي من الصواريخ الروسية لن يوجه إلى الأراضي التي يسيطر عليها الناتو.

لكن ثمة عناصر تتطلب موقفا بناء بصورة أكبر. فلقد قدم الرئيس بوتين اقتراحا يتمتع بأهمية كبيرة على المدى البعيد وهو ربط منشآت الرادار الخاص بتعقب الصواريخ والموجودة حالياً في أذربيجان أو تلك المخطط إنشاؤها في جنوب روسيا مع نظام الدفاع الصاروخي للناتو والولايات المتحدة الموجه ضد إيران. وبينما يعتبر المقترح غير مقبول بصيغته الحالية، إلا أنه يضم رؤية لكيفية تنفيذ مصالح استراتيجية موازية يمكن أن تشكل سابقة من أجل التغلب على تحديات كونية أخرى.

تقف كل من روسيا والولايات المتحدة أمام نظام عالمي ناشئ تهديداته وآفاقه تسمو على ما بوسع دولة ما ــ مهما كان حجم قوتها ــ معالجتها بمفردها. فانتشار أسلحة الدمار الشامل والحركات المتشددة والبيئة والاقتصاد العالمي، كل ذلك يفرض ضرورة العمل التعاوني.

يبدو ذلك مفهوما على المستوى الرؤساء ووزراء الخارجية، وهو المستوى الذي عادة ما تكون فيه العلاقات ودية وتتسم بمحاولات جدية للتعاون. بيد أن في البيئة العامة، يبدو أنه يظهر من جديد موقف يذكر بأيام الحرب الباردة. ويجب عدم السماح لهذا التوجه بأن يفرض نفسه. خاصة وأن الولايات المتحدة وروسيا لم تعودا تتنافسان على الزعامة العالمية. إن عمليات الانتشار العسكرية للطرفين لم تعد موجهة لبعضهما البعض لأن كلاً منهما يواجه المخاطر التي يواجهها الطرف الآخر.

الكثير من الأميركيين يدركون أن العديد من المشكلات الدولية يمكن حلها على أكمل وجه، وربما فقط، من خلال التعاون الروسي ــ الأميركي. وبالمنطق نفسه، يدرك القادة الروس أن بلادهم لن تكسب أي شيء من المنافسة العالمية مع الولايات المتحدة.

وبالطبع، فإن كلا الطرفين لديهما مصالح قومية ليست متطابقة بالضرورة. فأميركا بحاجة إلى إظهار حساسية أكبر اتجاه التعقيدات الروسية. ويتعين على موسكو أن تدرك أن مسألة أخذها كأمر مسلم به قد جرى استيعابها وأن التهديدات ليست الطريقة الملائمة لتحقيق أي معنى لهدف مشترك.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن »كلارين«

بقلم: هنري كيسنجر