يتناول المؤلف في هذه الحلقة من الكتاب موضوع الديمقراطية التي تنادي بها واشنطن ليل نهار ويذهب إلى تفنيد المزاعم الأميركية التي تقول بأنها تدعم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، حيث يدلل على ذلك برفض الولايات المتحدة وبريطانيا في البداية إجراء الانتخابات العراقية خوفاً من أن تؤدي إلى مطالبة شعبية قوية بانسحاب القوات الأجنبية من البلاد وإقامة حكومة مستقلة تقود إلى عراق ذي سيادة يسيطر على مصادر الطاقة.
وهو ما يعتبر كابوساً مرعباً بالنسبة لصناع القرار الأميركي. ويقدم تشومسكي مثالاً آخر على الموقف الأميركي المتناقض من الديمقراطية يتمثل في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها حماس، حيث رفضت واشنطن التعامل مع نتائج الانتخابات رغم اعتراف الجميع بأنها كانت نزيهة متهمة حماس بالتطرف في مواقفها السياسية رغم أن المؤلف يرى أن إسرائيل وأميركا أكثر وأشد تطرفاً من حماس. ثم يتطرق تشومسكي إلى موضوع التقارب بين آسيا وأميركا اللاتينية الذي تعتبره الولايات المتحدة خطراً يتهدد مصالحها وبخاصة فيما يتعلق بمصادر الطاقة في دول أميركا اللاتينية التي بدأت تخرج من تحت عباءة واشنطن مع انتخاب رؤساء جدد من اليسار يميلون إلى الاستقلالية في سياساتهم.أطلق الرئيس بوش على الانتخابات العراقية التي جرت في ديسمبر 2005 وصف «المعلم البارز في الطريق إلى الديمقراطية». إنها بالفعل معلم بارز ـ ولكن ليس من النوع الذي ترحب به واشنطن.
بغض النظر عن الإعلانات المعيارية للنوايا الحميدة من جانب الزعماء، لنراجع التاريخ. عندما غزا بوش ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير العراق، كان السبب المزعوم الذي تكرر باستمرار يمثل «سؤالاً واحداً»: هل سيزيل العراق أسلحته للدمار الشامل؟ وخلال بضعة أشهر تمت الإجابة على هذا السؤال بالطريقة الخطأ، ثم وبشكل سريع أصبح السبب الحقيقي للغزو «المهمة المسيحية» لبوش وهي إحلال الديمقراطية في العراق والشرق الأوسط.
بغض النظر عن التوقيت فإن عربة الدمقرطة تتصادم مع حقيقة أن الولايات المتحدة حاولت بكل الطرق الممكنة منع إجراء الانتخابات في العراق. لقد جاءت انتخابات ديسمبر 2005 بسبب المقاومة الجماهيرية غير العنيفة التي لم تستطع القوات الأميركية احتواءها. ثمة عدد قليل من المراقبين ذوي الكفاءة سيختلفون مع محرري صحيفة الفاينانشيال تايمز الذين كتبوا في مارس 2005 أن سبب إجراء الانتخابات كان إصرار أية الله علي السيستاني الذي رفض ثلاثة برامج قدمتها سلطات الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة لتأجيل أو إلغاء الانتخابات.
إن الانتخابات إذا ما أخذت جدياً تعني أنك تلتفت نوعاً ما إلى إرادة السكان. والسؤال الحاسم لأي جيش غاز هو: هل يريدوننا أن نكون هنا؟
لا يوجد نقص في المعلومات حول الإجابة على هذا السؤال. وأحد المصادر المهمة هو استطلاع وزارة الدفاع البريطانية في شهر أغسطس 2005 الذي قام به باحثو الجامعة العراقية وتم تسريبه إلى الصحافة البريطانية. وجد الاستطلاع أن 82 في المئة «يعارضون بقوة» وجود قوات التحالف وأقل من واحد في المئة يعتقدون أنهم مسؤولون عن أي تحسن في الإجراءات الأمنية.
ويقول المحللون من معهد بروكنغز في واشنطن أنه في نوفمبر 2005، فضلت نسبة 80 في المئة من العراقيين «انسحاباً قريب الأجل للقوات الأميركية». وتوافق على ذلك المصادر الأخرى بشكل عام.
ضرورة الانسحاب
وجد استطلاع آخر أجري في منتصف 2006 من قبل وزارة الخارجية وبرنامج مواقف السياسة الدولية أن ثلثي سكان بغداد يريدون أن تغادر القوات الأميركية فوراً، وفضلت الغالبية العظمى الانسحاب في غضون سنة أو أقل. ويعتقد 80 في المئة أن وجود القوات الأميركية يزيد العنف، وينظر 60 في المئة إلى الهجمات على القوات الأميركية على أنها مشروعة. والأرقام أعلى بكثير في وسط العراق حيث تنتشر القوات فعليا. والأرقام في تزايد بشكل ثابت.
لذا ينبغي على قوات التحالف أن تنسحب كما يريدهم السكان بدلاً من المحاولة بشكل يائس تأسيس نظام عميل بقوات عسكرية يمكنهم السيطرة عليها.
لكن بوش وبلير ما زالا يرفضان تحديد جدول زمني للانسحاب، ويلتزمان لغاية الآن بانسحابات رمزية ممكنة عندما تحقق أهدافهما.
ثمة سبب منطقي لعدم قدرة الولايات المتحدة على تحمل وجود سيادة عراقية، فما بالك بعراق ديمقراطي. وبالكاد يمكننا إثارة المسألة لأنها تتعارض مع المذهب الراسخ بقوة: من المفترض أن نعتقد أن الولايات المتحدة كانت ستغزو العراق حتى لو كان جزيرة في المحيط الهندي وكانت صادراته الرئيسية المخلل وليس البترول.
وكما هو واضح لأي شخص غير ملتزم بخط الحزب فإن السيطرة على العراق سوف تعزز نفوذ الولايات المتحدة بشكل هائل على مصادر الطاقة العالمية، وهي محرك حاسم في السيطرة على العالم.
الكابوس المخيف
لنفترض أن العراق أصبح ذا سيادة وديمقراطياً، وتصور السياسات التي من شأنه أن يتبعها. فسوف يكون للسكان الشيعة في الجنوب حيث يوجد معظم نفط العراق، نفوذ مهيمن. إنهم سيفضلون علاقات ودية مع إيران الشيعية، فالعلاقات وثيقة فعلياً. لقد تم تدريب لواء بدر، المليشيات التي تسيطر بدرجة كبيرة على الجنوب، في إيران، ورجال الدين المتنفذون بدرجة عالية لديهم علاقات منذ فترة طويلة مع إيران، بمن فيه أية الله علي السيستاني الذي نشأ هناك. والحكومة المؤقتة التي يهيمن عليها الشيعة بدأت فعلياً بتأسيس علاقات اقتصادية وربما عسكرية مع إيران.
قد تكون النتيجة تحالفاً شيعياً مترامياً يضم العراق وإيران ومناطق أخرى، يكون مستقلاً عن واشنطن، ويسيطر على جزء كبير من احتياطيات النفط في العالم.
ومن غير المستبعد أن كتلة مستقلة من هذا النوع قد تتبع قيادة إيران في تطوير مشاريع طاقة رئيسية بالاشتراك مع الصين والهند.
الحركة العمالية
قد تستسلم إيران بشأن أوروبا الغربية مفترضة أنها لن تكون مستعدة للعمل بشكل مستقل عن الولايات المتحدة. بينما الصين في المقابل لا يمكن إخافتها ولهذا السبب تخاف الولايات المتحدة من الصين بشدة.
إن الصين تؤسس فعلياً لعلاقات وثيقة مع إيران، علاقات عسكرية واقتصادية. وهنالك شبكة أمن طاقة آسيوية تعتمد على الصين وروسيا ولكن من المحتمل أنها ستضم الهند وكوريا وبلداناً أخرى. وإذا تحركت إيران في ذلك الاتجاه فقد تصبح عنصراً أساسياً في شبكة الطاقة تلك.
إن مثل تلك التطورات بما فيها عراق ذو سيادة يسيطر على مصادر الطاقة لديه ستكون بمثابة الكابوس المخيف لواشنطن.
وأيضاً، فإن الحركة العمالية تعيد تأسيس نفسها في العراق وهو تطور مهم للغاية. تصر واشنطن على إبقاء قوانين صدام المريرة المناهضة للعمال غير أن الحركة العمالية تواصل عملها المنظم على الرغم من تلك القوانين والظروف القاسية جداً. ويتعرض ناشطوها إلى القتل ولا أحد يعلم على يد من، ربما المتمردون وربما من جانب أعضاء حزب البعث سابقاً، وربما على يد جهات أخرى. ولكنهم مستمرون ويشكلون إحدى قوى العملية الديمقراطية الرئيسية التي لديها جذور عميقة في تاريخ العراق والتي قد تنتعش من جديد، مما يخيف أيضاً القوات المحتلة بدرجة كبيرة.
هنالك سؤال مهم يطرح وهو كيف سيرد الغربيون. هل سنكون إلى جانب القوات المحتلة نحاول منع الديمقراطية والسيادة؟ أم هل سنكون إلى جانب الشعب العراقي؟
انتصار حماس
إن انتصار حماس الانتخابي مقلق ولكنه للأسف مفهوم في ضوء التطورات الأخيرة.
من العدل وصف حماس بالعنصرية والعنف وأنها تشكل تهديداً للسلام والتسوية السياسية العادلة. ولكن من المفيد أن نتذكر أنه في المسائل المهمة لا تعتبر حماس بنفس درجة تطرف الولايات المتحدة وإسرائيل. فعلى سبيل المثال تقول حماس إنها توافق على هدنة طويلة الأجل بناء على الحدود المعترف بها دولياً قبل يونيو 1967.
وفي الوقت ذاته متابعة المفاوضات حول التسوية السياسية. إن الفكرة غريبة تماماً بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل اللتين ترفضان أية قيود على لجوئهما إلى العنف ورفض التفاوض والإصرار على أنه يجب أن تشمل أية نتيجة سياسية استيلاء إسرائيل على مناطق أساسية من الضفة الغربية (وربما مرتفعات الجولان المنسية).
فازت حماس بالجمع بين المقاومة العنيفة للاحتلال العسكري والتنظيم الاجتماعي الراسخ وتقديم الخدمة إلى الفقراء - برنامج وممارسة يفوزان بالأصوات أينما كان.بالنسبة لإدارة بوش على أية حال يمثل الانتصار عائقاً آخر في سياستها لإعاقة الديمقراطية التي تدعى رسمياً «تعزيز الديمقراطية» في اللغة الجديدة المبهمة المهيمنة.
إن موقف واشنطن إزاء الانتخابات في فلسطين كان ثابتاً. لقد كانت الانتخابات متوقفة حتى وفاة ياسر عرفات لأنه كان أمراً مسلماً به بأنه سيفوز. وعلى نحو غير مثير للجدل، لا يمكن السماح بالانتخابات إذا كان هنالك احتمال في أن يفوز المرشح الخطأ. لقد تم الترحيب بوفاة عرفات على أنه فرصة لتحقيق «رؤية» بوش لدولة فلسطينية ديمقراطية - انعكاس شاحب ومبهم للإجماع الدولي على أساس تسوية الدولتين التي منعتها الولايات المتحدة لثلاثين عاماً.
في تحليل في صحيفة نيويورك تايمز بعد موت عرفات مباشرة كانت افتتاحية ستيفن إيرلانجر بعبارة «نأمل أن تحل الديمقراطية محل أيقونة فلسطينية»، وموضحاً أن «حقبة ما بعد عرفات ستكون الاختبار الأخير للمادة الجوهرية للإيمان الأميركي: بأن الانتخابات توفر الشرعية حتى للمؤسسات الأضعف».
ونقرأ في الفقرة الأخيرة: «إن التناقض الفلسطيني غني على أية حال، ففي الماضي قاومت إدارة بوش إجراء انتخابات وطنية جديدة بين الفلسطينيين. وكانت الفكرة آنذاك هي أن الانتخابات سوف تجعل عرفات يبدو بصورة أفضل وتعطيه تفويضاً جديداً ويمكن أن تساعد في منح المصداقية والسلطة لحماس».
باختصار، فإن «المادة الجوهرية للإيمان» هي أن الانتخابات أمر جيد طالما أنها ستخرج بالنتيجة المناسبة.للمشكلة نظير آخر حديث. ففي العراق أجبرت المقاومة الجماهيرية غير العنيفة واشنطن ولندن على السماح بإجراء الانتخابات التي سعت البلدان إلى منعها بسلسلة من البرامج. كما أن الجهود اللاحقة للتقليل من شأن الانتخابات غير المرغوبة بتقديم مزايا أساسية لمرشح الإدارة المفضل، وطرد وسائل الإعلام المستقلة فشلت أيضاً.
تدخل أميركي
لجأت واشنطن إلى أساليب التدمير الاعتيادية في فلسطين أيضا، ففي يناير 2006 نشرت الواشنطن بوست خبراً مفاده أن الوكالة الأميركية للإنماء الدولي أصبحت «قناة مخفية» في محاولة «لزيادة شعبية السلطة الفلسطينية عشية الانتخابات الحاسمة التي يواجه فيها الحزب الحاكم تحدياً خطيراً من المجموعة الإسلامية المتشددة حماس».
وقالت صحيفة نيويورك تايمز: «أنفقت الولايات المتحدة 9,1 مليون دولار من المخصصات السنوية البالغة 400 مليون دولار لمساعدة الفلسطينيين في العشرات من المشاريع السريعة قبل الانتخابات لدعم صورة حزب فتح الحاكم أمام الناخبين وتعزيز قبضته في المنافسة مع الحزب العسكري حماس».
وكما جرت العادة، أكدت القنصلية الأميركية في القدس الشرقية للصحافة أن الجهود الخفية لتعزيز فتح كان المقصود منها فقط «تعزيز المؤسسات الديمقراطية ودعم الممثلين الديمقراطيين وليس فتح فقط».
وفي الولايات المتحدة أو في أي بلد غربي، فإن أي تلميح لمثل ذلك التدخل الأجنبي سوف يدمر أي مرشح، لكن العقلية الإمبريالية المتجذرة تجعل من هذه الإجراءات الروتينية لتدمير الانتخابات في أي مكان آخر أمراً مشروعاً. غير أن المحاولة باءت بالفشل مرة أخرى دون أي لبس.
على الحكومتين الأميركية والإسرائيلية التكيف الآن للتعامل بطريقة ما مع حزب إسلامي متشدد يقترب من رفضهم التقليدي للإجماع الدولي، رغم أن ذلك ليس بالكامل، على الأقل إذا كانت حماس تعني فعلاً الموافقة على هدنة على أساس حدود قبل عام 1967.
إن التزام حماس الرسمي «بتدمير إسرائيل» يضعها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، التي تعهدت رسمياً بألا تكون هناك «دولة فلسطينية أخرى» ما لم تتراجع حماس عن موقفها المتشدد الرافض الذي تبنته في السنوات القليلة الماضية، وتوافق على«دويلة» تضم الأجزاء المتبقية بعد أن تستولي إسرائيل على ما تريد في فلسطين.
وعلى سبيل الجدل، تخيل لو كانت الظروف على العكس من ذلك - توافق حماس على السماح لإسرائيل بالبقاء في كانتونات مشتتة غير قابلة للحياة، منفصلة فعلياً عن بعضها البعض وعن بعض المناطق الصغيرة من القدس، في حين تبني فلسطين مستوطنات ضخمة ومشاريع بنية تحتية للاستيلاء على الأرض والموارد وتجعل التنقل للإسرائيليين مستحيلاً فعليا، حتى لسيارات الإسعاف. وتوافق حماس على تسمية هذه الأجزاء «دولة».
إذا تم تقديم مقترحات بهذا الشكل الفقير من «الدولة»، فسوف نرتعب - بحق- وربما نحذر من إعادة إحياء النازية وندعو إلى توجيه التهم ضد حماس في المحكمة الدولية للتحريض على الإبادة الجماعية، انتهاكاً لميثاق الإبادة الجماعية. ولكن بوجود مثل تلك المقترحات سيكون موقف حماس أشبه بموقف الولايات المتحدة وإسرائيل.
بعد بضعة أيام من ظهور هذا المقال قدمت النخبة الأميركية (وانضمت إليها أوروبا) عرضاً دراماتيكياً لكرهها الغريزي للديمقراطية (ما لم تظهر النتيجة كما ترغب - «خط الاستمرارية القوي» الذي أسسه ثوماس كاروثرز). فقد قررت دعم برنامج إسرائيل المتمثل بالعقاب القاسي للغاية للفلسطينيين لأنهم صوتوا «بطريقة خاطئة» في انتخابات حرة. وكما جرت العادة، فلا يمكن لرأي النخبة أن يكتشف ماذا يستتبع ذلك بوضوح.
إن التوقعات بأن تتحرك أوروبا وآسيا نحو استقلال أكبر أزعج المخططين الأميركيين منذ الحرب العالمية الثانية، وازدادت المخاوف فقط عندما استمر «النظام ثلاثي الأقطاب» - أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا - بالتطور.ويوماً بعد يوم تصبح أميركا اللاتينية أيضا أكثر استقلالاً. والآن حيث أن آسيا والأميركتين تعززان روابطها بينما تستنفذ القوة العظمى المهيمنة الشاذة ذاتها في مغامرات خاطئة في الشرق الأوسط.
التكامل الإقليمي
إن التكامل الإقليمي في آسيا وأميركا اللاتينية قضية حاسمة ومتزايدة الأهمية بحيث انه من منظور واشنطن يشير إلى عالم متحدٍ يخرج عن نطاق السيطرة. وتبقى الطاقة بالطبع عاملاً محدداً - موضع جدال - في كل مكان.
ترفض الصين، على النقيض من أوروبا أن تخيفها واشنطن وهو سبب رئيسي للخوف من الصين من جانب المخططين الأميركيين. إن من شأن ذلك أن يمثل معضلة: إن الخطوات نحو المواجهة يحول دونها اعتماد الشركات الأميركية على الصين كقاعدة للتصدير وسوق متنامية فضلاً عن الاحتياطيات المالية للصين التي قيل أنها تقارب اليابان في الحجم.
في يناير 2006 زار ملك السعودية عبد الله بن عبدالعزيز بكين حيث تم التوقيع على مذكرة تفاهم صينية - سعودية تدعو إلى «زيادة التعاون والاستثمار بين البلدين في النفط والغاز الطبيعي والاستثمار» كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
فعلياً يذهب قسم كبير من نفط إيران إلى الصين وتزود الصين إيران بالأسلحة ومن المفترض أن كلتا الدولتين تعتبران عائقاً أمام المخططات الأميركية.
كما أن أمام الهند خيارات، فيمكن أن تختار الهند أن تكون عميلاً للولايات المتحدة أو يمكن أن تختار الانضمام إلى الكتلة الآسيوية الأكثر استقلالاً التي تتبلور، مع روابط متزايدة مع منتجي النفط في الشرق الأوسط. يشير سيداث فارادارجان نائب التحرير في صحيفة هيندو إلى أنه «إذا كان القرن الحادي والعشرين سيكون «قرناً آسيوياً» فإن سلبية آسيا في قطاع الطاقة يجب أن تنتهي».
والسبيل إلى ذلك هو التعاون الهندي - الصينيي، ففي يناير 2006 تم توقيع اتفاقية في بكين «لفتح الطريق أمام الهند والصين للتعاون ليس فقط في التقنية أنما أيضاً في استكشاف وإنتاج الهيدروكربون، وهي شراكة يمكن أن تغير حتمياً معادلات أساسية في نفط العالم وقطاع الغاز الطبيعي،» كما يشير فارادارجان.
الخطوة الإضافية التي يتم التمعن فيها فعلياً هي تداول سوق النفط الآسيوي باليورو. فالتأثير على النظام المالي الدولي وتوازن القوة العالمي يمكن أن يكون مهماً.
ليس من المدهش إذاً أن الرئيس بوش زار الهند مؤخراً لمحاولة إبقائها ضمن الحظيرة، وعرض التعاون النووي ومغريات أخرى.
الاستراتيجية الفنزويلية
في تلك الأثناء، تنتشر في أميركا اللاتينية حكومات يسار الوسط من فنزويلا إلى الأرجنتين. وأصبح السكان المحليون أكثر فاعلية وتأثيراً على الأخص في بوليفيا والإكوادور حيث يريدون إما أن تكون السيطرة على النفط والغاز محلية أو في بعض الحالات يعارضون الإنتاج في الأساس. من الواضح أن العديد من السكان المحليين لا يرون سبباً لإزعاج أو تدمير حياتهم ومجتمعاتهم وثقافاتهم لكي يستطيع سكان نيويورك ركوب سياراتهم الرياضية في شبكة المرور.
شكلت فنزويلا، مصدرة النفط البارزة في نصف الكرة الأرضية العلاقات الأوثق على الأرجح مع الصين من أية دولة لاتينية أخرى وتخطط لبيع كميات متزايدة من النفط إلى الصين كجزء من جهودها لتقليل اعتمادها على الحكومة الأميركية العدائية بشكل صريح.
لقد انضمت فنزويلا إلى مجموعة بلدان ميركوسور، اتحاد الجمارك الجنوبي الأميركي وهي خطوة وصفها رئيس الأرجنتين نيستار كريشنر بأنها «معلم بارز» في تطور هذا الاتحاد التجاري وتم الترحيب بها بصفتها «فصلاً جديداً في تكاملنا» من قبل الرئيس البرازيلي لويز إناسيو لولا دا سيلفا.
قامت فنزويلا فضلاً عن تزويد الأرجنتين بنفط الوقود، بشراء قرابة ثلث ديون الأرجنتين عام 2005، أحد عناصر الجهود التي تمتد عبر المنطقة لتحرير البلدان من سيطرة صندوق النقد الدولي بعد عقدين من الامتثال الكارثي للقواعد التي فرضتها المؤسسات المالية التي تهيمن عليها أميركا.
وطرأ مزيد من التقدم على الخطوات نحو تكامل أميركي جنوبي في ديسمبر 2005 مع انتخاب إيفو موراليس في بوليفيا، أول رئيس من السكان الأصليين في البلاد. وتحرك موراليس بسرعة للتوصل إلى سلسلة من الاتفاقات بشان الطاقة مع فنزويلا. وذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز أن هذه الخطوات «متوقعة للتأكيد على الإصلاحات الجذرية المقبلة في قطاعي الاقتصاد والطاقة في البلاد» بوجود احتياطياتها الضخمة من الغاز، الثانية بعد فنزويلا في أميركا الجنوبية.
العلاقات مع كوبا
وتصبح العلاقات بين كوبا - وفنزويلا أوثق حيث تعتمد كل منهما على أفضليتها المقارنة. ففنزويلا تقدم النفط متدني التكلفة بينما في المقابل تنظم كوبا برامج محو الأمية والبرامج الصحية بإرسالها الآلاف من المهنيين ذوي المهارة العالية والمعلمين والأطباء الذين يعملون في أكثر المناطق فقراً وإهمالاً، كما يفعلون في أي مكان آخر في العالم الثالث.
يتم الترحيب بالمساعدات الطبية الكوبية في كل مكان آخر أيضاً.
وإحدى أفظع المآسي التي حدثت في السنوات الأخيرة كان الزلزال الذي ضرب باكستان في أكتوبر 2005. فبالإضافة إلى العدد الضخم من الوفيات، توجب على عدد غير معروف من الناجين مواجهة طقس الشتاء القاسي بتوفر القليل من المأوى أو الغذاء أو المساعدة الطبية. «قدمت كوبا اكبر عدد طارئ من الأطباء والمسعفين إلى باكستان» ودفعت كافة التكاليف (ربما بتمويل فنزويلي)، يكتب جون شيريان في الصحيفة الهندية فرونتلاين، مستشهداً بما كتبته صحيفة دون، وهي صحيفة باكستانية يومية رائدة.
وعبر الرئيس الباكستاني برويز مشرف عن «امتنانه العميق» لفيدل كاسترو حول «معنويات وتعاطف الفرق الطبية الكوبية- التي قيل أنها تألفت من أكثر من ألف موظف متدرب، 44 في المئة منهم نساء بقين للعمل في القرى الجبلية النائية، «يعشن في خيم في الطقس المتجمد وفي ظل ثقافة غريبة» بعد أن انسحبت فرق المساعدات الغربية.
وتخدم الحركات الشعبية المتنامية، بشكل رئيسي في الجنوب ولكن أيضاً بمشاركة متزايدة في البلدان الصناعية الغنية كقواعد للكثير من هذه التطورات نحو استقلال أكبر واهتمام لاحتياجات الغالبية العظمى من السكان.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني


