يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عما تسميه واشنطن «النوايا الحسنة»، فيقول على لسان مؤرخين بارزين إن الولايات المتحدة كانت وما زالت تمارس إرهاب الدولة وتدعم الأنظمة الديكتاتورية باسم الديمقراطية والحرية والعدالة والحقيقة هي أن السياسة الخارجية الأميركية يتجاذبها اتجاهان متناقضان:
الأول مثالي يعتمد على النوايا النبيلة والآخر واقعي متزن يقول بأن على الأميركيين أن يدركوا حدود نواياهم الحسنة. ولكن الولايات المتحدة في الواقع تشبه الدول القوية الأخرى، في الماضي والحاضر، التي ترعى مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية مستخدمة لغة دعائية حافلة بالخطب الرنانة التي تتباهى فيها بإخلاصها الاستثنائي لأسمى القيم.تصور الأنظمة المذهبية عموماً ولأغراض دعائية عدوها الراهن على أنه الشيطان بحد ذاته. إن الوصف دقيق في بعض الأحيان ولكن بالكاد أن تكون الجرائم مصدر الدعوة لتطبيق تدابير قوية ضد بعض الأهداف التي تقف في طريق الخطط الحالية.التوضيح الحديث على ذلك يتمثل في صدام حسين ـ هدف غير قادر على الدفاع عن نفسه وصف بأنه تهديد خطير لبقائنا ومسؤول عن 11سبتمبر وعلى وشك أن يهاجمنا.
في عام 1982 أسقطت إدارة ريغان صدام من لائحة الدول التي تدعم الإرهاب بحيث يمكن أن يبدأ التدفق العسكري والمساعدات الأخرى إلى هذا الطاغية القاتل. واستمر ذلك بعد فترة طويلة من أسوأ فظائع صدام ونهاية الحرب مع إيران، وتضمن الوسائل لتطوير أسلحة الدمار الشامل.
وهذا السجل الذي بالكاد أن يكون مبهماً يندرج تحت «الاتفاق الضمني العام بأنها 'لن تذكر' تلك الحقيقة بعينها،» بحسب عبارة أورويل. من الضروري خلق انطباعات مضللة ليس فقط حول «الشيطان الأكبر» الحالي إنما أيضاً حول نبالة المرء الفريدة. وتحديداً يجب تصوير العدوان والرعب على أنهما دفاع عن النفس وتكريس للرؤى الملهمة.
لقد قال إمبراطور اليابان هيروهيتو لدى إعلانه الاستسلام في أغسطس1945 لشعبه، أعلنا الحرب على أميركا وبريطانيا بسبب رغبتنا المخلصة في ضمان حفاظ اليابان على ذاتها واستقرار شرق آسيا، وكان التعدي على سيادة البلدان الأخرى أو المباشرة في توسعة إقليمية بعيدين كل البعد عن تفكيرنا.
يفيض تاريخ الجرائم الدولية بمشاعر مماثلة، بما فيها تلك التي من أدنى الأعماق. ففي عام 1935، مع احتشاد سحب النازية المظلمة، كتب أغلن مارتين هيديجر يقول بأن على ألمانيا الآن استباق «خطر ظلام العالم» خلف حدود الأمة. ومع إعادة إحياء «طاقاتها الروحية الجديدة» في ظل الحكم النازي فإن ألمانيا قادرة أخيراً على «تولي مهمتها التاريخية» المتمثلة في إنقاذ العالم من «الإبادة» من قبل «الجماهير غير المبالية» في كل مكان وبشكل رئيسي في أميركا وروسيا.
حتى الأفراد الذين يملكون أعلى درجات الذكاء والاستقامة الأخلاقية يستسلمون لهذا المرض. ففي ذروة جرائم بريطانيا في الهند والصين التي كان له بها علم وثيق كتب جون ستيوارت ميل مقاله الكلاسيكي عن التدخل الإنساني حاثاً بريطانيا على تولي المشروع بنشاط - رغم أنها سوف «يتم التنديد بها» من جانب الأوروبيين الرجعيين الذين لا يمكنهم أن يفهموا أن انجلترا «هي الحداثة في العالم» وإنها بلد تعمل «لخدمة الآخرين» فقط بعيداً عن الأنانية وتتحمل تكاليف جلب السلام والعدالة إلى العالم.
يبدو أن استثنائية الفضيلة قريبة من العالمية فبالنسبة للولايات المتحدة فإن الفكرة الثابتة هي الإخلاص في إحلال الديمقراطية والاستقلال في العالم الذي يعاني.
النوايا الحسنة
الرواية المعتمدة في الأوساط العلمانية والإعلامية هي أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تتأرجح بين اتجاهين متناقضين، أحدهما يدعى مثالية ويلسون التي تعتمد على النوايا النبيلة والأخر هو الواقعية المتزنة التي تقول إننا يجب أن ندرك حدود نوايانا الحسنة. هذان هما الخياران الوحيدان.
بغض النظر عن البلاغة الدائرة فإن الأمر يتطلب الانضباط لعدم الاعتراف بعناصر الحقيقة في ملاحظة المؤرخ آرنو ماير بأنه منذ عام 1947، كانت أميركا منفذاً رئيسياً «لإرهاب الدولة» وأعمال أخرى «دموية» تسبب ضرراً هائلاً، «ودائماً باسم الديمقراطية والحرية والعدالة».
بالنسبة للولايات المتحدة فإن العدو القديم كان القومية المستقلة، وتحديداً عندما تهدد بأن تصبح «فيروساً» يمكن أن ينشر العدوى، باستعارة إشارة هنري كيسنجر إلى الاشتراكية الديمقراطية في تشيلي بعد انتخاب سلفادور الليندي رئيساً في عام 1970. لذا ينبغي اجتثاث الفيروس كما حصل في 11سبتمبر 1973، وهو تاريخ غالباً ما يُطلق عليه «11سبتمبر الأول» في أميركا اللاتينية.
سنوات من القهر
في ذلك التاريخ، وبعد سنوات من القهر الأميركي هاجمت قوات الجنرال أوغيستو بينوشيه القصر الرئاسي التشيلي. مات الليندي، منتحراً بشكل واضح دون أن يكون مستعداً للاستسلام للإهانة التي قضت على أقدم ديمقراطية في أميركا وأكثرها قوة، وأقام بينوشيه نظاماً وحشياً. عدد الوفيات الرسمي لأول 11سبتمبر هو 3200 شخص، والعدد الفعلي يقدر عادة بنحو ضعف ذلك الرقم. ومن حيث حصيلة الفرد الواحد فإن ذلك يرقى إلى 50 - 100 ألف قتيل في الولايات المتحدة. إن ضحايا التعذيب البشع تم تقديرهم لاحقاً بنحو 30 ألفاً، ويعادل ذلك نحو 700 ألف شخص في الولايات المتحدة من نصيب الفرد.
لقد دعمت واشنطن بقوة نظام بينوشيه ولم يكن دورها بسيطاً في انتصاره المبدئي. وسرعان ما انتقل بينوشيه إلى دمج دكتاتوريات أميركا اللاتينية العسكرية الأخرى التي تدعمها الولايات المتحدة في شبكة إرهابية دولية تدعى «عملية النسر» التي عاثت فساداً في أميركا اللاتينية.
إنه مثال واحد من العديد جداً من الأمثلة المماثلة حول «تعزيز الديمقراطية» في نصف الكرة الأرضية وفي أماكن أخرى.يتم الآن توجيهنا للاعتقاد بأن مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق هي إحلال الديمقراطية هناك.
«إن المسلمين لا «يكرهون حريتنا» إنما يكرهون سياساتنا»، حسبما يستخلص تقرير أعده في سبتمبر 2004 مجلس العلوم الدفاعية، وهو هيئة استشارية للبنتاغون مضيفاً أنه «عندما تتحدث الدبلوماسية العامة الأميركية حول إحلال الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية ينظر إلى ذلك على أنه ليس أكثر من مجرد نفاق يخدم المصلحة الذاتية». وكما ينظر المسلمون إلى الأمر، يستمر التقرير، فإن الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق لم يؤدِ إلى الديمقراطية هناك بل فقط إلى المزيد من الفوضى والمعاناة.
فصل الأعاصير
وفي مقال للفاينانشيال تايمز في يوليو (2005) ذاكراً تقرير مجلس العلوم الدفاعية قال ديفيد غاردنر: «في معظم الحالات، يعتقد العرب بشكل معقول أن أسامة بن لادن هو الذي حطم الوضع الراهن وليس جورج دبليو بوش، لأن هجمات 11سبتمبر جعلت من المستحيل بالنسبة للغرب وعملائه الاستمرار في تجاهل وضع سياسي احتضن الغضب الأعمى ضدهم» ـ وهو حكم قد يبرهن أنه مفرط في التفاؤل.
ولا يجب أن يكون الأمر مفاجئاً بأن الولايات المتحدة تشبه إلى حد كبير الدول القوية الأخرى، الماضية والحاضرة، تتابع مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في قطاعات مهيمنة بمصاحبة الخطب البلاغية متباهية بإخلاصها الاستثنائي لأعلى القيم.وعلى خلفية الكارثة التي تتكشف في العراق، فإن مطلق الثقة في النوايا الحسنة تعمل فقط على تأخير التصحيح اللازم بشكل كبير للمنهج والسياسة.
في الوقت الذي يحاول فيه الناجون من إعصار كاترينا إعادة لمّ شتات حياتهم يبدو من الواضح أكثر أن عاصفة كانت تتجمع منذ فترة طويلة تتكون من السياسات السيئة التوجيه والأولويات التي سبقت المأساة.
في تقرير أعد قبل 11سبتمبر، أدرجت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية حدوث إعصار كبير في نيو أورليانز كواحدة من أكثر ثلاث كوارث احتمالاً أن تضرب الولايات المتحدة. والكارثتان الأخريان هما هجوم إرهابي في نيويورك وهزة أرضية في سان فرانسيسكو.
أصبحت نيو أورليانز أولوية لدى وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية منذ يناير 2005 عندما عاد مدير الوكالة المغادر حالياً مايكل براون من جولة على الدمار الذي أحدثه تسونامي في آسيا. «كانت نيو أورليانز تتصدر قائمة الكوارث التي كنا نتحدث عنها»، حسبما قال أيريك إل تولبيرت وهو مسؤول سابق لدى وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية لصحيفة نيويورك تايمز. «لقد كانت نيو أورليانز هاجسنا بسبب المخاطر.» قبل عام من ضرب إعصار كاترينا أجرت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية تدريباً ناجحا لمحاكاة الإعصار في نيو أورليانز، لكن خطط وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية المتقنة لم تنّفذ.
لعبت الحرب دوراً في الفشل، إذ أن قوات الحرس الوطني التي قد تم إرسالها إلى العراق «أخذت الكثير من المعدات اللازمة معها بما في ذلك العشرات من المركبات التي تسير في الماء المرتفع المنسوب، وناقلات الجنود، وشاحنات لإعادة التعبئة بالوقود والمولدات التي ستكون لازمة في حال وقوع كارثة طبيعية كبرى في الولاية» حسبما قالت صحيفة وول ستريت جورنال. «وقال أحد كبار قادة الجيش إن الوحدة رفضت التزام الفرقة الرابعة من الوحدة الجبلية العاشرة في فورت بولك لأن الوحدة التي تضم عدة آلاف من الجنود كانت في غمرة استعداداتها للانتشار في أفغانستان».
تفوقت المناورات البيروقراطية على مخاطر الكارثة الطبيعية وقال مسؤول سابق في وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية لصحيفة شيكاغو تربيون إن قدرات الوكالة «قد تم تهميشها بفاعلية» في ظل رئاسة بوش عندما تم ضم الوكالة إلى دائرة الأمن الوطني بموارد أقل وطبقات إضافية من البيروقراطية، «هجرة للعقول» عندما غادر الموظفون المحبطون، وتم تكليف شخص مقرب سياسياً من بوش وغير مؤهل تماماً ليتولى المسؤولية.
فالوكالة التي كانت في الماضي «الوكالة الفيدرالية التي تحتل الطبقة الأولى»، أصبحت الآن لا تحتل «حتى المقعد الخلفي»، حسبما قال أيريك هولدمان، مدير إدارة الطوارئ في كينغ كاونتي بواشنطن، لصحيفة فاينانشيال تايمز. «إنها الآن في الصندوق الخلفي لسيارة دائرة الأمن الوطني».
أجبر تخفيض بوش للتمويل في عام 2004 سلاح الهندسة العسكري على تقليص عمل السيطرة على الفيضان بحدة، بما في ذلك الحاجة الماسة لتقوية أرصفة الموانئ التي تحمي نيو أورليانز. كما دعت ميزانية بوش لعام 2005 إلى تخفيض حاد آخر - وهي تخصص إدارة بوش شأنها شأن التخفيض الحاد المقترح على أمن النقل العام مباشرة قبل التفجيرات في شبكة المواصلات العام في لندن في يوليو 2005.
كان إهمال البيئة عاملاً آخر في هذه العاصفة المثالية فالأراضي الرطبة تساعد في تقليل قوة الأعاصير وحدوث العواصف، لكن ساندرا بوستل وهي خبيرة في سياسة المياه، كتبت في صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أن الأراضي الرطبة كانت «مفقودة إلى حد كبير عندما ضرب إعصار كاترينا» والسبب جزئياً هو «أن إدارة بوش في عام 2003 قضت بشكل فاعل على سياسة 'لا خسارة صافية' للأراضي الرطبة التي بدأت خلال إدارة بوش الأب».
إن الخسائر البشرية لإعصار كاترينا لا تحصى، على الأخص بين أفقر مواطني المنطقة ولكن العدد ذا العلاقة هو نسبة 28 في المائة من معدل الفقر في نيوأورليانز - أكثر من ضعف المعدل الوطني. وخلال إدارة بوش ارتفع معدل الفقر في الولايات المتحدة وضعفت شبكة أمن الرفاه المحدودة أكثر. لقد كانت التداعيات مذهلة حتى أن الإعلام من اليمين أصيب بالفزع من حجم الدمار الذي حدث على أساس طبقي وعرقي.
وبينما كانت وسائل الإعلام تظهر مشاهد حية للمأساة الإنسانية أوردت الصفحات الداخلية للصحف بأن الزعماء الجمهوريين لم يفوتوا الفرصة في «استغلال إجراءات الإنقاذ لساحل الخليج الذي دمره الإعصار لتحقيق نطاق أوسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية المحافظة»، حسبما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
تشمل تلك الأجندات التي تعزز التدابير تعليق القوانين التي تقتضي دفع الأجور السائدة من قبل المتعاقدين الفيدراليين وتقديم القسائم لأطفال المدارس المشردين ـ ضربة ماكرة أخرى لنظام المدارس العامة. وشملت رفع القيود البيئية «إعفاء ضريبة العقارات بالنسبة للوفيات في الولايات التي تأثرت بالعاصفة» ـ انتصار عظيم للسكان الفارين من الأحياء الفقيرة لنيوأورليانز ـ وبشكل عام يجعل من الواضح مرة أخرى أن الانتقاد لا يعرف حدوداً.
التصميم الذكي
ما كان مفقوداً في الفيضان القلق إزاء احتياجات المدن والخدمات الإنسانية. إن الأجندة الأوسع نطاقاً المتمثلة في تعزيز الهيمنة العالمية والتركيز المحلي على الثروة والسلطة تحتل الأسبقية.
إن صور المعاناة في العراق وفي أعقاب إعصار كاترينا لا يمكنها أن تجسد العواقب على نحو أكثر وضوحاً.
الرئيس جورج دبليو بوش يفضل تدريس كل من التطور «والتصميم الذكي» في المدارس «ليتمكن الناس من معرفة ما يدور حوله النقاش».
بالنسبة للمؤيدين فإن التصميم الذكي هو الفكرة بان العالم معقد جداً ليكون قد تطور دون دفعة من قوة على درجة أعلى من التطور أو بعملية الاختيار الطبيعي. بالنسبة للمعارضين فإن التصميم الذكي هو عملية خلق ـ التفسير الحرفي لكتاب التوراة ـ بمظهر رقيق أو ببساطة غبي يتمحور حول العبارة المشوقة بالمثل التي تقول «إنني لا افهم» كما كان ذلك صحيحاً دوماً في حقل العلوم قبل التوصل إلى إدراك من نوع ما. ووفقاً لذلك لا يمكن أن يكون هنالك «جدال».
إن تعليم التطور كان صعباً في الولايات المتحدة دائماً. والآن انبثقت حركة وطنية لتعزيز تعليم التصميم الذكي في المدارس. لقد طغت المسألة على نحو شهير في محكمة في دوفر ببنسلفانيا، حيث يطلب مجلس المدرسة من الطلاب سماع بيان حول التصميم الذكي في صف الأحياء - ومع إدراك أولياء الأمور لمبدأ الفصل بين الدولة - والكنيسة في الدستور الأميركي قاموا بمقاضاة المجلس.
لمصلحة العدالة ربما على كاتبي خطب الرئيس أخذه على محمل الجد عندما جعلوه يقول إن على المدارس أن تكون متفتحة الذهن وتعلّم جميع وجهات النظر. لغاية الآن على أية حال، لم يشتمل المنهاج على وجهة نظر وحيدة واضحة» للتصميم الشرير».بخلاف التصميم الذكي، والذي يبدو أن الدليل بشأنه صفر، يملك التصميم الشرير أطناناً من الدلائل التجريبية، أكثر بكثير من نظرية التطور لداروين بحسب بعض المعايير: قسوة العالم.
وأياً كان الأمر، فإن خلفية التطور الحالي - هي أن الجدل المثير حول التصميم الذكي هو الرفض واسع النطاق للعلم، وهي ظاهرة عميقة الجذور في التاريخ الأميركي استغلت على نحو ساخر لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة النطاق خلال ربع القرن الماضي. يثير التصميم الذكي أسئلة حول ما إذا كان من الذكاء إهمال الدليل العلمي حول مسائل فائقة الأهمية للأمة والعالم - مثل الاحتباس الحراري.
إن أي محافظ من الطراز القديم سوف يؤمن في قيمة مثاليات التنوير - العقلانية والتحليل ألانتقادي وحرية التعبير وحرية البحث - وسوف يحاول تكييفها للمجتمع المعاصر. إن الآباء المؤسسين، أطفال التنوير، أيدوا تلك المثاليات وعانوا من أجل صياغة دستور يناصر الحرية الدينية ولكنهم أيضاً عانوا من أجل فصل الكنيسة عن الدولة. والولايات المتحدة وعلى الرغم من المسيحية المصادفة لزعمائها، ليست دولة خاضعة لحكم رجال الدين. في وقتنا هذا، فإن عدائية بوش إزاء البحث العلمي تضع العالم في خطر. إذ أن تجاهل الكوارث البيئية سواء كنت تعتقد أن العالم يتطور منذ النشوء أو منذ الأزل فقط هو أمر خطير جدا.
أثناء التحضير لقمة مجموعة الثماني الكبرى في صيف2005 دعت الأكاديميات العلمية من جميع بلدان مجموعة الثماني (بمن فيهم الأكاديمية الوطنية للعلوم)، وانضمت إليها أكاديميات الصين والهند والبرازيل زعماء البلدان الغنية لاتخاذ إجراءات عاجلة لدرء الاحتباس الحراري. «إن الإدراك العلمي لتغير المناخ واضح الآن بشكل كافٍ لتبرير القيام بعمل فوري،» حسبما قال بيانهم. «من المهم أن تحدد جميع البلدان الخطوات الاقتصادية التي تستطيع أن تتخذها الآن للمساهمة بشكل أساسي وطويل الأجل في تخفيض كمية الانبعاثات العالمية من غازات الدفيئة».
في افتتاحيتها الرئيسية، تبنت صحيفة فاينانشيال تايمز هذه «الدعوة الصارخة» مع التعليق في الوقت ذاته بأن «هنالك على أية حال عائقاً وحيداً وهو للأسف موجود في البيت الأبيض حيث جورج دبليو بوش...يصر على أننا ما زلنا لا نعرف بشكل كافٍ عن هذه الظاهرة التي تغير العالم حرفياً.
إن رفض الدليل العلمي إزاء قضايا البقاء بحسب المنطق العلمي لبوش هو أمر روتيني. فقبل بضعة أشهر وفي المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية لتقدم العلوم لعام 2005 نشر باحثون بارزون أميركيون في مجال المناخ «أكثر دليل إقناعاً ظهر لغاية الآن» بان الأنشطة البشرية هي المسؤولة عن الاحتباس الحراري، وفقاً لما ذكرته صحيفة فاينانشيال تايمز. وتنبأوا بحدوث تأثيرات مناخية كبيرة بما فيها انخفاض حاد في مصادر المياه في مناطق تعتمد على الأنهر التي يغذيها الثلج والكتل الجليدية الذائبة.
وذكر باحثون بارزون آخرون في الجلسة نفسها دليلاً بأن طبقة الجليد الذائبة في القطب الشمالي وغرينلاند تسبب تغييرات في توازن ملوحة البحر وتهدد «بإغلاق حزام المحيط الناقل الذي ينقل الحرارة من المناطق الاستوائية باتجاه المناطق القطبية عبر تيارات مثل تيار الخليج.» ومثل تلك التغييرات قد تجلب انخفاضاً مهماً على درجات الحرارة إلى أوروبا الشمالية.
وكما هو الحال مع نداء الأكاديميات العلمية الوطنية لقمة مجموعة الثماني الكبرى، فإن نشر «أكثر دليل إقناعاً ظهر حتى الآن» تلقى اهتماماً ضئيلاً في الولايات المتحدة على الرغم من الاهتمام الذي أعطي في الأيام ذاتها لتطبيق بروتوكول كيوتو، مع رفض المشاركة من أهم حكومة على الإطلاق.
النقطة الفاصلة
من المهم التأكيد على كلمة «حكومة». فالتقرير العادي بأن الولايات المتحدة تقف منفردة على الأغلب في رفض بروتوكول كيوتو هو صحيح فقط إذا كانت «الولايات المتحدة» تستثني شعبها الذي يفضل بقوة اتفاق كيوتو (73 في المائة وفقاً لاستطلاع جرى في يوليو 2005 من قبل البرنامج حول المواقف إزاء السياسة الدولية).
ربما كلمة «شرير» فقط يمكنها وصف الفشل بالاعتراف، ناهيك عن معالجة، قضايا تغير المناخ العلمية بدرجة كبيرة. وبناء عليه فإن «الشفافية الأخلاقية» لإدارة بوش تمتد لتشمل موقفها المتعجرف إزاء مصير أحفادنا. «كيف تبقي فنزويلا مدافئ البيوت تحترق في ماساشوستس» هذا كان نص الإعلان الذي نشر على صفحة كاملة في كبرى الصحف الأميركية «من شركة البترول الفنزويلية وهي شركة النفط الفنزويلية التي تملكها الدولة، وشركة سيتجو للنفط، وهي فرعها المتمركز في هيوستن.
ويصف الإعلان برنامجاً شجعه الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز لبيع نفط التدفئة بأسعار مخفضة إلى المجتمعات متدنية الدخل في بوسطن وجنوب برونكس وفي كل مكان آخر في الولايات المتحدة - واحدة من أكثر الإيماءات سخرية على الإطلاق في الحوار ما بين أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية. هنالك خلفية للمسألة فقد تطورت الصفقة بعد أن أرسل مجموعة من النواب الأميركيين رسالة إلى تسع شركات نفط رئيسية يطلبون فيها التبرع من حصة من سجل أرباحها الأخير لمساعدة السكان الفقراء على تغطية فواتيرهم للتدفئة وجاء الرد الوحيد من سيتجو.
وفي الولايات المتحدة يبدو أن التعليق على الصفقة جاء على مضض في أحسن الأحوال قائلاً إن شافيز الذي اتهم إدارة بوش بمحاولة الإطاحة بحكومته كانت دوافعه لغايات سياسية - على العكس مثلاً من البرامج الإنسانية البحتة للوكالة الأميركية للإنماء الدولي. ويعتبر نفط التدفئة الذي قدمه شافيز من بين العديد من التحديات التي تتصاعد من أميركا اللاتينية تجاه مخططي واشنطن للاستراتيجية الكبرى. فالاحتجاجات الصاخبة خلال رحلة الرئيس بوش في نوفمبر 2005 إلى قمة الأميركتين في الأرجنتين توضح المعضلة.
نطاق السيطرة
من فنزويلا إلى الأرجنتين يخرج نصف الكرة الأرضية عن نطاق السيطرة مع اختراق حكومات يسار الوسط الطريق بأكملها، وحتى في أميركا الوسطى التي ما زالت تعاني من تداعيات «الحرب على الإرهاب» التي شنها الرئيس ريغان، بالكاد أن تكون الأمور هادئة.
وفي أميركا الجنوبية أصبح السكان المحليون أكثر نشاطاً وتأثيراً، على وجه الخصوص في بوليفيا والإكوادور وهما دولتان رئيسيتان في إنتاج الطاقة، فهم إما يعارضون إنتاج النفط والغاز أو يرغبون بأن يكون تحت السيطرة المحلية، حتى أن البعض منهم يدعو إلى «دولة هندية» في أميركا الجنوبية.
وفي الوقت ذاته يتعزز التكامل الاقتصادي الداخلي، ليغير بذلك العزل النسبي الذي يعود تاريخه إلى الغزو الإسباني. علاوة على ذلك فإن التفاعل الجنوبي - الجنوبي يتنامى مع وجود قوى رئيسية (البرازيل وجنوب أفريقيا والهند) في الصدارة، تحديداً في القضايا الاقتصادية. وتعمل أميركا اللاتينية كوحدة كاملة على زيادة التجارة والعلاقات الأخرى مع الاتحاد الأوروبي والصين مع وجود بعض العثرات، لكن مع احتمال التوسع خصوصاً للدول المصدرة للمواد الخام مثل البرازيل وتشيلي.
وعلى الأرجح أن فنزويلا شكلت علاقات مع الصين أوثق من أي بلد من بلدان أميركا اللاتينية وتخطط لبيع كميات متزايدة من النفط إلى الصين كجزء من جهودها لتقليص اعتمادها على الحكومة الأميركية المعادية. اكثر مشكلة شائكة تواجهها واشنطن في المنطقة هي فنزيلا التي توفر نحو 15 في المائة من واردات النفط الأميركية. والرئيس هوغو شافير الذي انتخب في عام 1998 يستعرض نوع الاستقلال الذي تترجمه الولايات المتحدة على أنه تحدٍ ـ كما هو الحال مع حليف شافيز، فيدل كاسترو.
ففي عام 2002 احتضنت واشنطن رؤية الرئيس بوش للديمقراطية بدعم انقلاب عسكري أطاح بحكومة شافيز لفترة وجيزة للغاية، وكان على إدارة بوش أن تتراجع على أية حال، بسبب المعارضة للانقلاب عبر أميركا اللاتينية، والتراجع السريع للانقلاب بسبب الانتفاضة الشعبية.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني

