عندما تصل إلى القاعدة البريطانية الواقعة في قلب ولاية هيلمند الأفغانية، تفاجأ بالجهود الكبيرة التي يبذلها الجيش البريطاني هناك، حيث ترى الطائرات المروحية تقلع وتهبط والقوات تتحرك بسرعة في أداء مهامها والمستشفيات الميدانية في حالة تأهب دائم لاستقبال المصابين في الوقت الذي تتحرك فيه قواتنا في ظل أجواء حرارة ملتهبة.

إن قواتنا تؤدي بشكل بطولي في كل بيئات القتال هناك. وكمية المؤن والمعدات العسكرية المستخدمة تدلل على قوة وشراسة المعارك التي تخوضها تلك القوات. وقد قُتل 55 جنديا بريطانيا على الساحة في أفغانستان، وعلى الرغم من ذلك، لا يزال العديد من الجنود الذين تحدثت إليهم يشعرون بأنهم يخوضون معركة منسية من قبل الجميع.

نحن بحاجة إلى الاستيقاظ وإدراك ما يجري على الساحة في أفغانستان. فمنع عودة أفغانستان إلى سيطرة طالبان مرة أخرى هو أمر شديد الحيوية لأمن بريطانيا القومي.فبسبب المعركة التي دارت خلال العام الماضي، فإن البساط العسكري قد سُحب من تحت أقدام حركة طالبان. وعلى الرغم من ذلك فإن قادتنا العسكريين هم أول من يقولون إن القوة العسكرية وحدها لن توجد الاستقرار هناك. فإذا واصلنا العمل بالوتيرة الحالية، فإننا يمكننا الانتصار في حرب أفغانستان، ولكننا سنخسر في الوقت ذاته ذلك البلد.

منذ عام مضى، حذر الجنرال ديفيد ريتشاردز، الذي كان وقتها القائد البريطاني المسؤول عن قوة إيساف التابعة للناتو في أفغانستان - حذر من مغبة الفشل في أفغانستان. ومن أجل تجنب هذا الفشل فإنه يتعين علينا القيام ببعض التعديلات والتصويبات بشكل فوري. أولا، يجب أن نكون واقعيين حيال الهدف الذي نسعى وراء تحقيقه وحيال الإطار الزمني الذي نتحرك من خلاله.

فكما قال سفيرنا هناك، فإن المعركة في أفغانستان هي أقرب إلى الماراثون وليست مجرد سباق سرعة. نحن بحاجة إلى تجنب إعطاء انطباع بأننا يمكننا فرض أفكار غربية كاملة متعلقة بالديمقراطية والليبرالية بالقوة في مجتمع هو تقليدي بالدرجة الأولى. يتعين علينا العمل على جذور المجتمع الأفغاني.

ثانيا، نحن بحاجة إلى تعزيز حلول الأمن الداخلي. فحتى الآن يسهل على طالبان العودة مرة أخرى لمواقعها بمجرد مغادرة قوة الأمن تلك المواقع. نحن بحاجة إلى إعطاء أولوية قصوى إلى تدريب الجيش الأفغاني وقوات الشرطة التي أضحت سمعتها في الحضيض على عكس الجيش. وينبغي لنا أيضا البحث في كيفية إقناع قادة العشائر والقبائل بمد يد المساعدة في عمليات تعزيز الأمن الداخلي.

ثالثا، نحن بحاجة إلى تغيير الطريقة التي تسير بها الجهود الدولية التي بدورها تتسبب في شيوع الفوضى وتفتقر إلى أبسط متطلبات مواجهة عمليات التمرد وتحقيق الاستقرار، وهو مطلب وحدة الهدف ووحدة القيادة.

فعلى المستوى العسكري، هناك ست سلاسل من القيادة على الأقل في أفغانستان؛ فإيساف وقوات عملية «الحرية المطلقة» الأميركية تعملان بالتوازي مع بعضهما البعض، حيث تركز الأولى على تحقيق الاستقرار والسلام على المدى البعيد وتعمل الأخرى على مواجهة تنظيم القاعدة والشبكات الإرهابية الأخرى. وهناك ضرورة ملحة لدمج القوتين مع بعضهما البعض.

فالناتو بدوره يحتاج إلى رفع مستوى مساهمته. فهو يعاني مشكلات بيروقراطية كبيرة إلى جانب غياب عنصر التنظيم. كما أن نقص الطائرات المروحية لديه يتسبب في إعاقة كثير من العمليات. وفي حال ألا يستطيع الناتو توفير المزيد من الطائرات المروحية، وهو الأمر الذي سيثير الدهشة في ضوء وجود مئات الطائرات التي يملكها أعضاء التحالف على الورق، فلماذا لا يتعاقد التحالف على طائرات هليكوبتر من أجل أغراض الشحن؟ أو يلجأ إلى إطلاق المروحيات العسكرية للقيام بمهام عاجلة على الخطوط الأمامية؟

والأمور ليست أفضل حالا على الجانب المدني. فهناك على الأقل 100 وكالة في أفغانستان لديها رؤوس أموال تصل قيمتها إلى 100 مليون دولار مخصصة للأغراض المدنية في أفغانستان. وليست لدى أحد سلطة التنسيق بين تلك الجهود الضخمة. لقد آن الأوان لتعيين مسؤول كبير ذي إمكانات عالية يضطلع بدور القيادة تماما كما فعل بادي أشداون في البوسنة والهرسك.

لقد أثرتُ هذه النقطة أثناء وجودي في كابول منذ عام. والآن أصبح وجود مثل هذا الشخص أمرا حيويا وملحا للغاية. ومثل هذا الشخص يجب أن تكون لديه سلطة التحكم في رؤوس الأموال الكبرى، كما ينبغي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي التنسيق فيما بينهما على الأرض.

أخيرا، يجب علينا النظر في مد فترة عمل القادة الكبار حتى يتسنى لهم الاستفادة بشكل كامل من العلاقات التي بنوها مع قادة العشائر والقبائل وكبار مسؤولي الجيش الأفغاني. وعلى العكس من ذلك، قد تكون هناك حاجة إلى تقليص فترة عمل القوات المقاتلة إلى 4 أشهر بدلا من 6 أشهر كي نقترب أكثر من نظام المناوبة الذي طبقناه بنجاح في أيرلندا الشمالية.

وهنا في الداخل فإن الشعب له حق الحصول على فهم أفضل لمدى التزام الحكومة في أفغانستان. فحجم المهمة هناك كبير وله مخاطره ومن الواضح أنها ستستمر لسنوات كثيرة. علينا أن نتجنب في أفغانستان ارتكاب الأخطاء نفسها التي ارتكبناها في العراق، وأهمها غياب وجود خطة سلسة للعمل.

وحتى الآن ليس من الواضح ما إذا كانت لدينا بالفعل خطة عمل واضحة للعمل في أفغانستان أم لا. فمن أجل مصلحة قواتنا التي تؤدي بشكل رائع ومن أجل أمن بريطانيا القومي ومن أجل أفغانستان وجيرانها، فإن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون يحتاج إلى اطلاع الشعب على التحديات التي نواجهها هناك ويعرض عليهم الخطة اللازمة للتعامل مع هذه التحديات.

ترجمة: حاتم حسين- عن «اندبندنت»