يسلط تشومسكي في هذه الحلقة الضوء على مجموعة من القضايا المهمة يأتي في مقدمتها الحرب على العراق، حيث يذكر الأسباب والدوافع الرئيسية لخوض تلك الحرب وهي السيطرة الأميركية على منابع النفط في العالم وضرب مصالح منافسيها من الأوروبيين والآسيويين، وهذه الدوافع جعلت أصحاب القرار الأميركيين يعطون الأولوية لخوض الحرب في العراق على المضي قدماً في الحرب على الإرهاب التي كانت قد بدأت في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ثم ينتقل المؤلف إلى قضية أخرى مهمة وهي الخطر من انتشار الأسلحة النووية الذي إن حدث فإنه يهدد بفناء البشرية جمعاء، وهنا يشير إلى المفارقة التي تصنعها الولايات المتحدة بممارستها الضغوط على الدول التي تعتزم امتلاك القدرة النووية بينما تقوم هي بتطوير أسلحة وقنابل نووية جديدة تمكنها من تحقيق التفوق النوعي في أي مواجهة عسكرية ممكنة مع احتفاظها بحقها بالمبادرة بهجوم نووي على أي عدو يهدد مصالحها وأمنها.يسود في الولايات المتحدة جدل حول التأمين الاجتماعي، وقد فاز فعلياً مساعدو بوش في حسم هذا الجدل على الأقل في الأجل القصير. فقد نجح بوش وكارل روف في إقناع معظم سكان الولايات المتحدة بمن فيهم أكثر من ثلثي طلبة الجامعات، بأنه توجد مشكلة خطيرة في التأمين الاجتماعي مما يفتح الطريق أمام التفكير في برنامج الإدارة المتمثل في فتح حسابات خاصة بدلاً من الاعتماد على نظام التقاعد الحكومي.
لقد ارتعب الناس وسبب ذلك إلى حد كبير الخطر الوشيك الحدوث من جانب صدام حسين وأسلحته للدمار الشامل.إن الضغوطات على السياسيين في ازدياد، في وقت كان يأمل فيه الزعماء في مجلس النواب الأميركي في وضع مسودة لتشريع التأمين الاجتماعي بحلول يونيو 2005.
ومن أجل وضع منظور ما، ربما تجدر الإشارة إلى أن التأمين الاجتماعي يعتبر واحداً من أقل أنظمة التقاعد الحكومي سخاء بين البلدان المتقدمة، وفقاً لتقرير جديد صدر عن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي.
تريد إدارة بوش أن «تصلح» التأمين الاجتماعي ـ مما يعني تفكيكه. لقد لفقت حملة دعائية حكومية ضخمة عبر وسائل الإعلام حول وجود «أزمة مالية» ليست موجودة. وإذا برزت مشكلة من نوع ما في المستقبل البعيد، فيمكن التغلب عليها بإجراءات تافهة، مثل رفع السقف الأعلى على ضريبة الرواتب التنازلية.
تقول الرواية الرسمية أن جيل طفرة الإنجاب (مواليد فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية) سوف يلقون عبئاً أكبر على النظام لأن أعداد الأشخاص العاملين نسبة إلى المسنين سوف تتراجع، وهذا صحيح.
ولكن ماذا حدث لجيل طفرة الإنجاب عندما كانت نسبتهم صفر إلى 20؟ ألم يكن الناس العاملون يهتمون بهم؟ وكان المجتمع آنذاك أفقر بكثير.
لقد سببت التركيبة الديمغرافية في ستينات القرن العشرين مشكلة لكنها بالكاد كانت أزمة. وقابل هذا الانتفاخ زيادة كبيرة في النفقات على المدارس والمرافق الأخرى للأطفال ولم تكن المشكلة ضخمة عندما كانت نسبة جيل طفرة الإنجاب صفر إلى 20 فلماذا هي مشكلة إذاً عندما أصبحت نسبتهم 70 إلى 90؟
إن الرقم ذا العلاقة هو ما يطلق عليه نسبة اعتمادية الأشخاص العاملين إلى السكان حيث وصلت النسبة إلى أدنى مستوى في عام 1965 ولن تصل إلى ذلك المستوى مرة أخرى حتى عام 2080، وفقاً لأرقام إدارة التأمين الاجتماعي. إن التوقعات المسبقة حتى هذه الفترة لا معنى لها.
علاوة على ذلك، فإن أي مشكلة مالية يمكن أن تبرز فيما يتعلق بالعناية بمسنّي «الطفرة» تم الدفع مقابلها بالزيادة على ضريبة الرواتب لعام 1983 والمصممة لهذا الغرض. وبحلول الوقت الذي يموت فيه آخر شخص من جيل «الطفرة» سيكون المجتمع أغنى بكثير، مع إنتاج كل عامل ثروة أكبر.
بعبارة أخرى، لقد تجاوزنا فعلياً الأزمة وأي أمر يأتي سيكون بمثابة نوع من التعديل فقط.
وفي الوقت ذاته، ثمة أزمة مالية حقيقية للغاية تحوم في الأفق: وهي تحديداً العناية الطبية. ففي الولايات المتحدة يوجد أحد أكثر الأنظمة غير الفعالة في العالم الصناعي حيث أن تكاليف الفرد أعلى بكثير من غيرها من البلدان ومن بين أسوا النتائج الصحية. إن النظام مخصخص وهذا أحد أسباب عدم كفاءته بدرجة كبيرة.
لكن «إصلاح» العناية الطبية ليس على الأجندة. لذا فإننا نواجه تناقضاً واضحاً: فالأزمة المالية الحقيقية والخطيرة جداً ليست أزمة، ولا أزمة تقتضي عملاً جذرياً للتقليل من شأن نظام فعال يبدو سليماً تماماً.
سوف يبحث المراقبون العقلانيون عن فروق بين نظامي التأمين الاجتماعي والعناية الطبية ربما توضح هذا التناقض.
إن الأسباب بسيطة. بإمكانك أن تسعى إلى نظام صحي في ظل سيطرة شركات التأمين والشركات الدوائية. وهذا النظام منيع حتى لو كان يسبب مشاكل مالية هائلة إضافة إلى التكلفة البشرية.
والتأمين الاجتماعي ذو قيمة صغيرة بالنسبة للأغنياء ولكنه مهم لبقاء الناس العاملين والفقراء ومن يعيلونهم والمعاقين. وبصفته برنامجاً حكومياً فإن تكاليفه الإدارية متدنية للغاية لدرجة أنه لا يقدم شيئاً للمؤسسات المالية، وهو يفيد «السكان المهمين» فقط وليس «المواطنين الأساسيين،» باستعارة المصطلح اللاذع لثورستين فيبلين.
بينما النظام الطبي في المقابل، ينجح بشكل جيد جداً للناس الذين لهم أهمية في نظام يتم خلاله تقسيم العناية الطبية بفاعلية بحسب الثروة وتدفق الأرباح الهائلة إلى القوة الخاصة مقابل إدارة غير فاعلة بدرجة كبيرة. بالإمكان تلقين السكان المهمين دروساً حول المسؤولية.
لقد سن الكونغرس الأميركي مؤخراً إصلاحاً يتعلق بالإفلاس يشدد القبضة على السكان المهمين، إذ أن نحو نصف الإفلاسات الأميركية تنتج عن الفواتير الطبية.
إن الرأي العام والسياسة الرسمية لا ينسجمان، فمثلما كان الحال في الماضي يفضل معظم الأميركيين التأمين الصحي الوطني. وفي استطلاع أجرته الواشنطن بوست ومحطة أيه بي سي نيوز في عام 2003 اعتبر 80 في المئة من المستطلعين العناية الصحية الشاملة «أكثر أهمية من تخفيض الضرائب».
يعتمد التأمين الاجتماعي على مبدأ بالغ الخطورة: عليك أن تهتم فيما إذا كانت الأرملة المقعدة في الطرف الآخر من المدينة لديها طعام تأكله.
إن «إصلاحيي» التأمين الاجتماعي يفضلون أن يركزوا على زيادة استهلاكك من السلع إلى أقصى درجة، وإخضاع نفسك للسلطة. إنها الحياة. فالعناية بالناس الآخرين، وتولي المسؤوليات المجتمعية لأمور مثل الصحة والتقاعد ـ إنها مجرد أمور مدمرة بعمق.
الأجندة الخفية لحرب العراق
في خطابه بتاريخ 28 يونيو (2005) أكد الرئيس بوش أن غزو العراق تم كجزء من «حرب عالمية ضد الإرهاب» التي تشنها الولايات المتحدة. في الواقع، وكما كان متوقعاً، زاد الغزو من خطر الإرهاب وربما بدرجة كبيرة.
أنصاف الحقائق والمعلومات المضللة والأجندات الخفية ميزت جميعها البيانات الرسمية حول دوافع حرب الولايات المتحدة في العراق منذ البداية تماماً.
إن المفاجآت الأخيرة حول الاستعجال في الذهاب إلى الحرب في العراق تبرز بشكل أكثر وضوحاً تماماً وسط الفوضى التي تعم البلاد وتهدد المنطقة والعالم في الواقع.
في عام 2002 أعطت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لنفسيهما الحق في غزو العراق لأنه كان يطور أسلحة دمار شامل. وكانت تلك «المسألة الوحيدة» التي أكد عليها باستمرار بوش ورئيس الوزراء توني بلير ومساعدوهما. وكانت أيضاً الأساس الوحيد الذي تلقى بسببه بوش موافقة الكونغرس للجوء إلى القوة.
أُعطيت الإجابة على «المسألة الوحيدة» بعد فترة وجيزة من الغزو مستسلمة على مضض بأن: أسلحة الدمار الشاملة غير موجودة. ولأن لا شيء يفوتها، لفقت الحكومة ونظام الإعلام المذهبي نصوصاً جديدة ومبررات معدة مسبقاً للذهاب إلى الحرب.
استنتج جون برادوس محلل الأمن القومي والاستخبارتي بعد مراجعته الدقيقة والمكثفة للسجل الوثائقي في كتابه الذي صدر عام 2004 بعنوان «المخدوعون»: «لا يحب الأميركيون الاعتقاد بأنفسهم على أنهم معتدون، غير أن الاعتداء الفج هو ما حدث في العراق».
يصف برادوس «خطة بوش لإقناع أميركا والعالم بأن الحرب مع العراق كانت ضرورية وملحة» بأنها «دراسة حالة في عدم نزاهة الحكومة...اقتضت بيانات عامة تجافي الحقيقة بامتياز وتلاعبا فظيعا بالذكاء».
لقد عمقت مذكرة داوننغ ستريت التي نشرت في 1مايو (2005) في صحيفة صنداي تايمز اللندنية، إلى جانب وثائق سرية أخرى متاحة حديثاً من مستوى الخداع.
جاءت المذكرة من اجتماع مجلس وزارة الحرب الخاص ببلير في 23 يوليو 2002 الذي ذكر فيه السير ريتشارد يدرلوف رئيس المخابرات الخارجية البريطانية التأكيد سيء السمعة حالياً بأن «المخابرات والحقائق تتركز حول السياسة» للذهاب إلى الحرب في العراق.
تستشهد المذكرة أيضاً بقول وزير الدفاع البريطاني جيف هون بأن «الولايات المتحدة بدأت فعلياً بزيادة النشاط بشكل هائل ومفاجئ «للضغط على النظام العراقي».
وعلق الصحفي البريطاني مايكل سميث الذي فجر قصة المذكرة، على سياقها ومحتواها في سلسلة مقالات. ومن الواضح أن «زيادة النشاط الهائلة والمفاجئة» تضمنت حملة منسقة كان القصد منها استفزاز العراق للقيام بعمل ما يمكن تصويره بما دعته المذكرة «بحرب مبررة».
البداية الفعلية للحرب
بدأت الطائرات الحربية بإلقاء القنابل على جنوب العراق في مايو 2002 ـ عشرة أطنان في ذلك الشهر، وفقاً لأرقام حكومية بريطانية. وبدأت «زيادة هائلة ومفاجئة» منها في أواخر أغسطس (حتى شهر سبتمبر كان إجمالي حجمها 6,54 طناً).
كتب سميث قائلاً: «بعبارة أخرى بدأ كل من بوش وبلير حربهما ليس في شهر مارس 2003 كما اعتقد الجميع ولكن عند نهاية شهر أغسطس 2002، أي قبل ستة أسابيع من موافقة الكونغرس على العمل العسكري ضد العراق».
تم تقديم القصف على أنه عمل دفاعي لحماية طائرات التحالف في منطقة حظر الطيران. احتج العراق أمام الأمم المتحدة ولكنه لم يقع في مصيدة الانتقام.وبالنسبة للمخططين الأميركيين والبريطانيين، فإن غزو العراق كان أولوية قصوى للغاية أكثر من «الحرب على الإرهاب». وهذا هو القدر الذي كشفت عنه تقارير الوكالات الاستخباراتية للجانبين.
وفي عشية غزو قوات التحالف، كان هنالك تقرير سري لمجلس الاستخبارات القومي، مركز مجتمع الاستخبارات للتفكير الاستراتيجي، «توقع بأن غزو العراق الذي تقوده أميركا سوف يزيد الدعم للجماعات الإسلامية المتشددة وسوف ينتج عنه انقسام عميق في المجتمع العراقي الميال إلى صراع داخلي عنيف»، كما ذكر كل من دوغلاس جيهل وديفيد إيه سانجر في صحيفة نيويورك تايمز في سبتمبر 2004.
وفي ديسمبر 2004، ذكر جيهل بعد بضعة أسابيع أن مجلس الاستخبارات القومي حذر بأن «العراق والصراعات المحتملة الأخرى في المستقبل سوف تقدم التجنيد، وأسس التدريب، والمهارات الفينة، والمهارة اللغوية لطبقة جديدة من الإرهابيين الذين «تحولوا إلى مقاتلين محترفين وأصبح لهم العنف السياسي غاية بحد ذاتها».
إن استعداد المخططين في القمة للمجازفة بزيادة الإرهاب لا يشير بالطبع إلى أنهم يرحبون بمثل تلك النتائج. بل على العكس من ذلك، فهي ليست أولوية قصوى بالنسبة لهم ببساطة بالمقارنة مع الأهداف الأخرى مثل السيطرة على مصادر الطاقة الرئيسية في العالم.
بعد فترة قصيرة من غزو العراق، أشار زبجنيو بريجنسكي وهو أحد كبار المخططين والمحللين الأكثر ذكاء، وذلك في صحيفة ناشيونال انترست إلى أن سيطرة أميركا على الشرق الأوسط «تعطيها نفوذاً غير مباشر ولكنه مهم سياسياً على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية التي تعتمد أيضاً على مصدريّ الطاقة من المنطقة».
وإذا كان باستطاعة الولايات المتحدة الاحتفاظ بسيطرتها على العراق، الذي يضم ثاني اكبر احتياطات النفط المعروفة في العالم، وفي قلب موردي الطاقة الرئيسيين في العالم تماماً فسوف يعزز ذلك بشكل هام نفوذها الاستراتيجي ويؤثر على منافسيها الرئيسيين في العالم ثلاثي الأقطاب الذي كان يتشكل منذ 30 عاماً مضت: أميركا الشمالية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وأوروبا وشمال شرق آسيا المرتبط باقتصادات جنوب وجنوب شرق آسيا.
إنها حسابات منطقية، على افتراض أن البقاء البشري غير مهم على وجه الخصوص بالمقارنة مع النفوذ والثروة قصيري الأجل. وهذا ليس بأمر جديد. فهذه الأفكار تتردد أصداؤها عبر التاريخ. والفرق اليوم في عصر الأسلحة النووية هذا هو أن المخاطر أعلى بشكل هائل فقط.
ذكرى هيروشيما
إن ذكرى القنابل الذرية على كل من هيروشيما وناغازاكي التي حلت هذا الشهر تدفع فقط إلى التعبير الأكثر كآبة والأمل الأكثر توهجاً بألا يتكرر الرعب مرة أخرى.
في غضون الاثنتين وستين سنة اللاحقة، طاردت ذكرى هذه القنابل خيال العالم ولكن ليس لدرجة تمنع تطوير ونشر الأسلحة الأكثر فتكاً بصورة قاطعة من أسلحة الدمار الشامل.القلق ذو العلاقة الذي نوقش في الكتب الفنية قبل الحادي عشر من سبتمبر بفترة طويلة، هو أن الأسلحة النووية يمكن أن تقع عاجلاً أم آجلاً في أيدي المجموعات الإرهابية.
إن التفجيرات والإصابات التي وقعت في لندن ما هي إلا تذكير آخر حول كيفية تصاعد دائرة الهجوم والرد، بشكل غير متوقع، حتى إلى النقطة الأسوأ بشكل مخيف من هيروشيما وناغازاكي.
والقوة التي تحكم العالم منحت لنفسها الحق بشن الحرب بتصميم، في ظل مذهب «الدفاع عن النفس التوقعي» الذي يغطي أي طوارئ تختارها ويعني هذا أن يكون الدمار غير محدود.
تقارب النفقات العسكرية للولايات المتحدة تلك الخاصة بباقي بلدان العالم مجتمعة بينما تشكل مبيعات الأسلحة لنحو 38 شركة في أميركا الشمالية (إحداها في كندا) أكثر من 60 في المئة من الإجمالي العالمي (الذي ارتفع 25 في المئة منذ عام 2002).
وكانت هنالك جهود لتقوية الخيط الرفيع الذي يتعلق عليه البقاء والأكثر أهمية هو معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي دخلت حيز التنفيذ في 1970. وقد عقد مؤتمر المراجعة السنوي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الذي يعقد بانتظام كل خمس سنوات في الأمم المتحدة في شهر مايو (2005).
كانت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية تواجه الانهيار والسبب الرئيسي هو فشل الدول النووية بالوفاء بالتزاماتها بموجب المادة الرابعة بمتابعة جهود «النوايا الحسنة» لإزالة الأسلحة النووية، وقادت الولايات المتحدة الطريق برفضها الانصياع لالتزامات المادة الرابعة. ويؤكد محمد البرادعي، رئيس وكالة الطاقة الذرية الدولية أن «رفض أحد الأطراف الوفاء بالتزاماته يولد الرفض في أطراف أخرى».
الرئيس جيمي كارتر انتقد الولايات المتحدة بوصفها «المتهم الرئيسي في تآكل معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وفي الوقت الذي يدعون فيه أنهم يحمون العالم من تهديدات انتشارها في العراق، وليبيا، وإيران، وكوريا الشمالية، لم يتخل القادة الأميركيون عن قيود المعاهدة القائمة إنما أيضاً أكدوا خططاً لاختبار وتطوير أسلحة جديدة، بما فيها الصواريخ المضادة للأسلحة البالستية، و«قنبلة الخنادق المحصنة» التي تخترق الأرض وربما أيضا بعض أنواع القنابل «الصغيرة الجديدة». وتخلوا أيضاً عن تعهدات سابقة ويهددون الآن بالاستخدام الأول للأسلحة النووية ضد دول غير نووية».
على الأرجح أن خيط هذه المعاهدة كان سينقطع في الغالب بشكل متكرر منذ أيام هيروشيما، والقضية المعروفة أكثر هي أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر 1962، «أكثر اللحظات خطورة في تاريخ البشرية،» كما أشار آرثر شليسنجر وهو مؤرخ ومستشار سابق للرئيس جون إف كيندي، وذلك في أكتوبر 2002 في مؤتمر استرجاعي عقد في هافانا.
نهاية العالم
لقد اقترب العالم «إلى مسافة شعرة من كارثة نووية،» كما يستذكر روبرت ماكنمارا وزير الدفاع في عهد كينيدي والذي حضر المؤتمر. وفي عدد مايو ـ يونيو (2005) من مجلة فورين بوليسي يضيف إلى هذا التذكير تحذيراً متجدداً من حدوث «نهاية وشيكة للعالم».
ينظر ماكنمارا إلى «سياسة الأسلحة النووية الحالية لأميركا بأنها غير أخلاقية وغير قانونية وغير ضرورية عسكرياً وتمثل خطرا مرعباً،» وتخلق «مخاطر غير مقبولة للبلدان الأخرى ولبلادنا،» تتمثل في خطر «إطلاق الأسلحة النووية بشكل غير مقصود أو إهمال،» وهذا «غير مقبول بدرجة كبيرة» ويعرضنا لهجوم نووي من قبل إرهابيين. ويدعم ماكنمارا رأي وليم بيري وزير الدفاع في إدارة الرئيس بيل كلينتون بأن «هناك احتمالاً بأكثر من 50 في المئة لحدوث ضربة نووية على أهداف أميركية في غضون عقد من الزمن».
هنالك آراء مماثلة يعبر عنها محللون استراتيجيون بارزون بشكل مشترك. ففي كتابه «الإرهاب النووي»، يقول مختص العلاقات الدولية في هارفارد غراهام أليسون أن «الإجماع في مجتمع الأمن القومي» (الذي كان جزءاً منه) بأن هجوماً «بالقنبلة القذرة» هو أمر «محتوم» كما أن الهجوم بسلاح نووي محتمل بدرجة عالية، إذا لم يتم استرجاع وتأمين المواد الانشطارية - المكوِّن الأساسي.
يراجع أليسون النجاح الجزئي الذي حققته الجهود للقيام بذلك منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، في ظل مبادرات السيناتور سام نون والسيناتور ريتشارد لوجار، والعودة إلى هذه البرامج منذ الأيام الأولى لإدارة بوش أصابها الشلل بما دعاه السيناتور جوزيف بيدن «الغباء الايديولوجي». وضعت قيادة واشنطن برامج عدم الانتشار جانباً وكرست طاقاتها ومواردها من أجل دفع البلاد إلى حرب بالخداع غير العادي، ثم محاولة إدارة الكارثة التي صنعتها في العراق.
إن التهديد واستخدام العنف يحفزان الانتشار النووي إلى جانب الإرهاب.
هنالك مراجعة عالية المستوى «للحرب على الإرهاب» أجريت بعد عامين من الغزو «ركزت على كيفية التعامل مع ظهور جيل جديد من الإرهابيين الذين تتلمذوا في العراق خلال الأعوام الماضية،» حسبما تقول سوزان بي غلاسير في صحيفة الواشنطن بوست.
ويتزايد انتباه المسؤولين الحكوميين الكبار إلى توقع ما أطلق عليه أحدهم «نزيف» المئات أو الآلاف من الأشخاص الذين تدربوا في العراق وعودتهم إلى أوطانهم في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. «إنه يمثل قطعة جديدة ضمن معادلة جديدة» كما قال مسؤول رفيع المستوى في إدارة بوش: «إذا لم تعرف من يكونون في العراق فكيف سنعرف موقعهم في اسطنبول أو لندن؟
بعد فترة وجيزة من تفجيرات لندن، نشر تشاثام هاوس، معهد الشؤون الخارجية الأول في بريطانيا دراسة تضع الاستنتاج الواضح ـ رفضته الحكومة بغضب ـ بأن «بريطانيا تتعرض للخطر تحديداً لأنها الحليف الأقرب للولايات المتحدة، ووظفت القوات المسلحة في الحملات العسكرية للإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان وفي العراق... و«تنجر وراء السياسة الأميركية، بموقعها المتمركز خلف قيادتها».
إن احتمال النهاية الوشيكة للعالم لا يمكن تقديرها بشكل واقعي، ولكنه بالتأكيد احتمال كبير بالنسبة لأي شخص عاقل يفكر بشكل متزن. وفي حين أن التخمين غير مجدٍ، فإن القيام بعمل ما إزاء تهديد هيروشيما آخر يعتبر مجدياً بلا شك.
على النقيض من ذلك، فإنه يعتبر أمراً ملحاً للغاية، وتحديداً في الولايات المتحدة بسبب الدور الرئيسي لواشنطن في تسريع السباق إلى الدمار بتوسيع هيمنتها العسكرية الفريدة تاريخياً.
ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني

