يتحدث تشومسكي في هذه الحلقة عن تورط الولايات المتحدة وحلفائها في العراق وانتهاكهم للمواثيق الدولية التي تنص على عدم اللجوء للقوة في معالجة القضايا الدولية. ويتجلى هذا التورط في عجز الولايات المتحدة عن الانسحاب من العراق في ظل مسلسل العنف والاقتتال الداخلي الدائر في البلاد حالياً.

ويتطرق المؤلف إلى شعار تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط الذي رفعته إدارة بوش بعيد غزوها العراق، حيث يرى أن لها مفهوماً خاصاً للديمقراطية، فهي تشجعها عندما تجدها متوافقة مع مصالحها وتقلل من شأنها أو تتجاهلها عندما تتعارض مع تلك المصالح. وسياسة الكيل بمكيالين هذه تتجلى أيضاً في النظرة الأميركية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فهي تساند بلداناً كثيرة في العالم تعتبر من أشد المنتهكين لحقوق الإنسان، بل إنها تقوم هي نفسها بانتهاك تلك الحقوق في العراق وأفغانستان بل وعلى الأرض الأميركية نفسها.هنالك بضعة أسئلة أهم اليوم من ملاءمة استخدام القوة التي تبرزها المشاهد الدموية للمعاناة من العراق.فإلى جانب الخسائر البشرية الفادحة، كان الاجتياح بقيادة أميركا واحتلال العراق قد انتهكا اتفاقاً دولياً هشاً، أبرم في أعقاب أهوال الحرب العالمية الثانية، لحظر اللجوء إلى القوة في الشؤون الدولية.وذلك الانتهاك، إضافة إلى تزايد الإرهاب، دفع الأمم المتحدة إلى مخاطبة قضية استخدام القوة فقط عندما يكون لها ما يبررها.

إن استخدام حكومة معينة للقوة، ترافقه في كثير من الأحيان تصريحات بالنية الطيبة، وكذلك الحال في العراق، ومع انهيار جميع الحجج الرسمية الأخرى، فإن الولايات المتحدة تدعي أن المهمة هناك هي إقامة ديمقراطية تصلح البلاد وربما المنطقة بعدئذ.ويحتاج الأمر إلى ثقة مدهشة في القوة لنفترض أن قادتنا أعلنوا رؤيتهم للديمقراطية للعراق، فإنهم يقصدون ذلك فعلاً.

وكما تظهر الانتخابات العراقية فإن الولايات المتحدة قد أجبرت على الإقرار ببعض الآليات الرسمية للديمقراطية، وهو أمر جيد، لكن الإقرار بالديمقراطية الحقيقية وحقوق السيادة في العراق أمر لا يصدق دون ضغط ذي قاعدة عريضة من المواطنين الأميركيين والعراقيين.

تأملوا فيما يمكن أن تكون عليه سياسات عراق سيادي مستقل، فبوجود أغلبية شيعية قد يبذل العراق جهوداً مبكرة لإقامة علاقات ودية نسبياً مع إيران، ويمكن لذلك أن يثير حفيظة دول في الجوار تضم ثلثي احتياطيات النفط المقدرة في العالم.

وكانت السيطرة على تلك الاحتياطيات قد تلقت اهتماماً سياسياً كبيراً طول فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مثلما هو الحال الآن في عالم ثلاثي الأقطاب، بتهديده بأن تتحرك أوروبا وآسيا نحو استقلالية أكبر والأسوأ من ذلك، تحركها نحو الاتحاد.

إن قبضة قوية على الحنفية توفر نفوذاً مهماً على الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، كما قال زبجنيو بريجنسكي في مجلة ناشيونال انترست، في شتاء 2003.

وعلاوة على ذلك فإن عراقاً مستقلاً يمكن أن يتسلح من جديد وربما يطور أسلحة دمار شامل لمواجهة أسلحة العدو الإقليمي، وهو إسرائيل التي تدعمها أميركا.ولا يكاد يكون محتملاً أن تقف الولايات المتحدة متفرجة، وتراقب هذه التطورات، وتجيء ردة فعلها المحتملة من السياسات التي ساعدت في تفسيخ إجماع ما بعد الحرب العالمية الثانية حول استخدام القوة.

يبدأ ميثاق الأمم المتحدة بالتعبير عن تصميم الموقعين على إنقاذ الأجيال القادمة من بلايا الحرب، التي جلبت، مرتين في حياتنا، حسرة شديدة للجنس البشري، والتي هددت بدمار شامل، كما عرف كل المشاركين لكنهم عرفوا أيضاً ما لم يذكروه، فكلمتا «ذرية» و«نووية» لا تظهران في الميثاق.

لقد اعتبرت حرب عدوانية بأنها الجريمة الدولية الكبرى، ويشكل الإجماع وجوداً رسمياً، وهو لا يلقى رفضاً واضحاً في العادة لكن يتم تجاهله.وحدث سقوط الإجماع من وقت قريب فقط، خلال تسعينات القرن العشرين، عندما أعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق في اللجوء إلى القوة، وإن يكن دون وقوع هجوم عليها.

مبدأ كلينتون

ينص مبدأ كلينتون على أن الولايات المتحدة تحتفظ بالحق في استخدام القوة العسكرية «أحادياً عند الضرورة» للدفاع عن مصالحها الحيوية مثل «ضمان الوصول المباشر إلى الأسواق الرئيسية وإمدادات الطاقة والثروات الاستراتيجية»، وفقاً لتقرير البنتاغون للكونغرس في عام 1997.

إن إدارة بوش تعزز وتوسع الموقف بأن الولايات المتحدة تملك الحق المنفرد في اللجوء إلى القوة عندما تختار ذلك.

ويوجد مبرر هذا الموقف الإمبراطوري في عمق التاريخ الأميركي، فالرأي العالمي، كما يكتب المؤرخ وليم إيرل ويلس في مجلة جون كوينسي آدمز وأميركان غلوبال أمباير، يستند إلى فرضية الفضيلة الأخلاقية الفريدة للولايات المتحدة، تأكيد مهمتها لتخليص العالم بنشر مثلها المعلنة والطريقة الأميركية في العيش والإيمان بمصير البشر الذي رسمه الخالق لها.

إن هذا الإطار الديني يقلص قضايا السياسة لتصبح خياراً بين الخير والشر، وبذلك يقطع الحوار العقلاني ويتبقى تهديد الديمقراطية.

وقد نوقشت قضية شرعية التدخل في نوفمبر (2004) من خلال لجنة رفيعة المستوى تابعة للأمم المتحدة شكلها الأمين العام كوفي عنان، وقررت اللجنة ميثاق الأمم المتحدة، وبدون تفويض من مجلس الأمن فإن استخدام القوة يقتصر على الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح.

وقالت اللجنة: «في عالم حافل بالتهديدات المحتملة، فإن المخاطرة أمام النظام العالمي ومعيار عدم التدخل الذي تستند إليه شرعية العمل الوقائي الأحادي، الذي يختلف عن عمل يلقى موافقة جماعية، يشكل مبدأ مقبولاً، فالسماح لطرف بأن يتصرف يعني السماح لنا جميعا».

وقد تعترض واشنطن على فكرة وجوب امتثال الولايات المتحدة لمثل هذا المعيار مما يقلقنا جميعاً.في كتابه الجديد، قانون الحرب: «مقدمة إلى القانون الدولي والصراع المسلح» يثير العالم القانوني الدولي مايكل بايرز السؤال حول ما يمكن لنا أن نفعل أمام «التوتر بين عالم لا يزال يريد نظاماً قانونياً مستداماً وقوة عظمى لا تكاد تبدو مهتمة».

إنه سؤال لا يمكن تجاهله بسهولة.

تشجيع الديمقراطية

أصبح ما يسمى «بتشجيع الديمقراطية» الموضوع الرئيسي للسياسة الأميركية المعلنة في الشرق الأوسط.

إن للمشروع خلفية، فهنالك «خط قوي من الاستمرارية» في فترة ما بعد الحرب الباردة، حسبما يكتب توماس كاروثرز، مدير برنامج وقف كارنيجي حول القانون والديمقراطية، في كتابه الجديد: «رسالة مهمة: مقالات حول تشجيع الديمقراطية».

يقول كاروثرز: «حينما تبدو الديمقراطية متوافقة مع المصالح الأمنية والاقتصادية الأميركية، فإن الولايات المتحدة تشجع الديمقراطية، وحينما تتصادم الديمقراطية مع مصالح مهمة أخرى فإنه يتم التقليل من شأنها أو حتى تجاهلها».

خدم كاروثرز وزارة الخارجية في عهد ريغان، حول مشاريع «تعزيز الديمقراطية» في أميركا اللاتينية، خلال الثمانينات، وكتب تاريخا عنها ليخرج بشكل أساسي بنفس النتائج، وتنطبق تصرفات وادعاءات مماثلة على فترات سابقة أيضا، وهي تحيز القوى المهيمنة الأخرى.

إن الخط القوي للاستمرار ومصالح القوى التي تعززه، تؤثر على الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط مما يشير إلى الجوهر الحقيقي لوضع «تشجيع الديمقراطية».

ويظهر الاستمرار في ترشيح جون نيغروبونتي، كأول مدير للاستخبارات الوطنية، ويمتد قوس حياة نيجروبونتي العملية من هندوراس حيث قام كسفير لريغان بالإشراف على حرب قوات الكونترا الإرهابية ضد نيكاراغوا، إلى العراق حيث قام كسفير لبوش بترؤس تجربة أخرى في تنمية الديمقراطية المزعومة، وكان ذلك لفترة قصيرة، وهي تجربة كان يمكن لها أن تشي بواجباته الجديدة بالمساعدة في محاربة الإرهاب وتشجيع الحرية. وما كان أوريل ليعرف هل يضحك أم يبكي!

وفي العراق، كانت انتخابات يناير (2005) ناجحة وجديرة بالثناء، لكن النجاح الرئيسي قد تم التحدث عنه بشكل هامشي فقط، فقد أجبرت الولايات المتحدة على السماح بإجرائها.

ذلك انتصار حقيقي، ليس لقاذفي القنابل ولكن للمقاومة غير العنيفة من قبل الناس، علمانيين وإسلاميين على حد سواء، والذي يشكل آية الله السيستاني رمزاً لهم.

ورغم التلكؤ الأميركي البريطاني فإن السيستاني طالب بانتخابات على عجل، وكان يعبّر عن التصميم الشعبي لتحقيق الحرية والاستقلال، وشكل من أشكال الحقوق الديمقراطية.

واستمرت المقاومة غير العنيفة إلى أن أصبحت الولايات المتحدة (والمملكة المتحدة التي تسير وراءها مطيعة) ليس أمامهما سوى السماح بإجراء الانتخابات، وتحركت الآلة العقائدية بأقصى قدرتها لتظهر أن الانتخابات مبادرة أميركية.وتماشياً مع استمرار القوات العظيمة وجذورها، يمكننا أن نتوقع من واشنطن ألا تتسامح مع النتائج السياسية التي تعارضها، وخصوصاً في مثل هذه المنطقة الحساسة من العالم.

وصوت العراقيون على أمل إنهاء الاحتلال، ففي يناير (2005) وجد استطلاع أجري قبل الانتخابات في العراق، ونشره محللو مركز بروكنغز في صحيفة نيويورك تايمز، أن 69 في المئة من الشيعة و82 في المئة من السنة أيدوا انسحاب أميركا قريب الأجل.

لكن بلير ورايس وآخرين كانوا واضحين في رفض أي جدول زمني للانسحاب ـ أي وضعه في المستقبل اللامنظور ـ حتى تكمل جيوش الاحتلال «مهمتها» وهي بالتحديد تحقيق الديمقراطية بإجبار الحكومة المنتخبة على الامتثال للمطالب الأميركية.

إن تعجيل الانسحاب الأميركي البريطاني يعتمد ليس فقط على العراقيين بل أيضاً على رغبة الناخبين الأميركيين والبريطانيين في إجبار حكومتيهم على قبول السيادة العراقية.وبينما أخذت الأحداث تتكشف فإن الولايات المتحدة تواصل الحفاظ على موقف مولع بالقتال إزاء إيران. فالتسريبات الأخيرة عن القوات الخاصة الأميركية على الأرض في إيران سواء كانت هذه التسريبات حقيقة أو كاذبة، فإنها تلهب الوضع.

وهنالك تهديد حقيقي وهو أن الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة أرسلت أكثر من 100 طائرة قاذفة متطورة إلى إسرائيل، مع تصريحات عالية بأنها قادرة على قصف إيران. وهي نسخ محدثة من الطائرات التي استخدمتها إسرائيل في قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981.

قعقعة السلاح

إنها قضية تخمين، لكن قعقعة السلاح يمكن أن تخدم هدفين: استفزاز القيادة الإيرانية لتصبح أكثر قمعية، وبذلك يشجعون المقاومة الشعبية وتخويف منافسي أميركا في أوروبا وآسيا حتى لا يقدموا على مبادرات دبلوماسية واقتصادية نحو إيران، وأدى الخط المتقلب إلى تنفير بعض الاستثمارات الأوروبية من إيران خوفاً من الانتقام الأميركي، حسبما كتب ماثيو كارنتثنغ في صحيفة وول ستريت جورنال.

وهنالك تطور آخر جرى التهليل له كانتصار لتشجيع الديمقراطية وهو وقف إطلاق النار بين شارون وعباس.إن خبر الاتفاقية جيد:فعدم القتل أفضل من القتل.ولكن دعونا نلقي نظرة قريبة على شروط وقف إطلاق النار، فالشرط الجوهري الوحيد هو وجوب توقف المقاومة الفلسطينية، حتى ضد جيش الاحتلال.

فلاشيء يمكن أن يبهج الصقور الأميركية الإسرائيلية أكثر من سلام كامل مما يمكنهم من متابعة الاستيلاء بلا إعاقة على الأرض والموارد القيمة في الضفة الغربية ومشاريع البنية التحتية الضخمة لتفسيخ ما تبقى من الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات غير قابلة للحياة.

لقد كانت عمليات السلب والنهب الإسرائيلية بدعم أميركي، للأراضي المحتلة القضية المحورية للصراع على مدى سنوات، لكن اتفاقية وقف إطلاق النار لا تحتوي على أي كلمة حول هذه العمليات، فقد وافقت حكومة عباس على الاتفاقية ربما لأنها أفضل ما يمكن أن تفعله طالما أن إسرائيل والولايات المتحدة ترفضان تسوية سياسية، ويمكن القول أيضاً أن العناد الأميركي يمكن أن يستمر طالما أن الجمهور الأميركي يسمح بذلك.

أود أن أكون متفائلاً حول الاتفاقية وأمسك بأي قشة في الهواء. لكنني لا أرى حتى الآن أي شيء حقيقي.بالنسبة لواشنطن فإن هنالك عنصراً مثيراً وهو أن الديمقراطية وسيادة القانون مقبولان فقط إذا كانا يخدمان الأهداف الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية الرسمية، لكن مواقف الشعب الأميركي حول العراق والصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني تتعارض مع السياسة الحكومية، وفقاً للاستطلاعات، لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتمثل فيما إذا كان تشجيع ديمقراطية حقيقية قد يكون من الأفضل أن يبدأ داخل الولايات المتحدة.

عالمية حقوق الإنسان

في السنوات الأخيرة استكشفت الفلسفة الأخلاقية والعلوم الإدراكية ما يبدو أنه المؤسسات الأخلاقية عميقة الجذور - ربما الأساس الأصلي للحكم الأخلاقي.تركز هذه التحقيقات على أمثلة مخترعة غالباً ما تكشف عدم تطابق الأحكام الثقافية المتبادلة في الأطفال فضلاً عن الكبار، ولتوضيح الأمر سوف أخذ بدلاً من ذلك مثالاً حقيقياً يأخذنا إلى قضية عالمية حقوق الإنسان.

في عام 1991 كان لورنس سومرز آخر وزير خزينة إبان ولاية الرئيس كلينتون ويرأس حالياً جامعة هارفارد، كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، وفي مذكرة داخلية بين سومرز أن على البنك أن يشجع نقل الصناعات الملوثة إلى البلدان الأفقر.

والسبب هو أن «مقياس تكاليف التلوث المعيق للصحة يعتمد على الإيرادات الضائعة من تزايد الاعتلال والوفيات» حسبما كتب سومرز. «ومن وجهة النظر هذه فإن أي مقدار من التلوث المعيق للصحة يجب أن يتم في البلد الأدنى تكلفة وهو البلد الذي يتم فيه تقاضي أدنى الأجور».

«واعتقد أن المنطق الاقتصادي وراء التخلص من حمولة من النفايات السامة في البلد الأقل أجوراً منطق مثالي وعلينا أن نواجه ذلك». وأشار سومرز إلى أن أية «أسباب أخلاقية» أو «مخاوف اجتماعية» بشأن مثل تلك الخطة «يمكن تغييرها واستخدامها بشكل أكثر فعالية إلى حد ما ضد أي مقترح للبنك للتحرير».

تم تسريب المذكرة وأدت إلى ردود فعل غاضبة جسدها خوزيه لوتزينبيرغر وزير البيئة البرازيلي الذي كتب إلى سومرز قائلاً، «إن منطقك مثالي لكنه مجنون تماماً».إن المعيار المعاصر لمثل تلك المسائل هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1948.

تعلن المادة 25 منه أن «لكل شخص الحق بمستوى معيشي ملائم من الصحة والرفاه لنفسه ولعائلته بما في ذلك الغذاء واللباس والإسكان والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية، والحق في الأمن في حالة البطالة والمرض والإعاقة والترمل والتقدم في السن أو الافتقار إلى وسائل العيش الأخرى في ظروف خارجة عن سيطرته».

وبنفس الكلمات تقريباً تم إعادة التأكيد على هذه الأحكام في المواثيق المساندة للجمعية العمومية وفي الاتفاقيات الدولية حول «الحق في التنمية».

يبدو واضحاً بشكل منطقي أن هذه الصيغة لحقوق الإنسان العالمية ترفض المنطق المثالي لكبير الاقتصاديين في البنك الدولي بصفتها غير أخلاقية بشكل عميق إن لم تكن مجنونة- والذي كان في الواقع الحكم العالمي افتراضياً.

أؤكد على كلمة «افتراضياً» فالثقافة الغربية تدين بعض البلدان لأنها «نسبية» حيث أنها تفسر الإعلان بشكل انتقائي، غير أن المصادفة هي أن إحدى البلدان النسبية الرئيسية هي أقوى دولة في العالم، زعيمة «الدول المستنيرة» كما عينت نفسها.قبل شهر، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان.

«إن تعزيز حقوق الإنسان ليس فقط عنصراً من سياستنا الخارجية، إنها اللبنة الأساسية لسياستنا وأقصى اهتماماتنا» حسبما قالت باولا دوبرينكي، نائبة وزير الخارجية للشؤون العالمية.

كانت دوبرينكي مساعدة وزير الخارجية لحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية في إدارتي ريغان وبوش الأول وبصفتها تلك سعت إلى تبديد ما تدعوه «الأسطورة» بأن «الحقوق 'الاقتصادية والاجتماعية' تشكل حقوق الإنسان»

لقد تم تكرير هذا الموقف مراراً ويؤكد على رفض واشنطن «للحق في التنمية» ورفضها المستمر لقبول مواثيق حقوق الإنسان.

يمكن أن ترفض الحكومة أحكام الإعلان العالمي ولكن السكان الأميركيين لا يوافقونها. وأحد الأمثلة هو رد الفعل الجماهيري على الميزانية الفيدرالية المقترحة مؤخراً، كما استطلعه برنامج مواقف السياسة الدولية في جامعة ميريلاند.

ويدعو الجمهور إلى تخفيضات حادة في الإنفاق العسكري إلى جانب الإنفاق المتزايد بشكل حاد على التعليم والأبحاث الطبية والتدريب الوظيفي والمحافظة على الطاقة والطاقة المتجددة، فضلاً عن الأمم المتحدة والمساعدات الاقتصادية والإنسانية، وكذلك عكس التخفيضات الضريبية التي أقرها بوش للأغنياء.

قلق دولي

إنه بحق قلق دولي كبير إزاء التوسع السريع للعجز الأميركي التجاري وفي الميزانية. وذو صلة وثيقة أيضاً بالعجز الديمقراطي المتنامي ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن في الغرب بشكل عام.

تملك الثروة والسلطة كافة الأسباب للرغبة في إزالة قسم كبير من العامة بعيداً عن خيارات السياسة والتطبيق - وهي أيضاً مسألة ذات أهمية، بعيداً تماماً عن علاقتها بعالمية حقوق الإنسان.

أحيينا مؤخراً فقط الذكرى الخامسة والعشرين لاغتيال الأسقف أوسكار روميرو، أسقف السلفادور والمعروف بأنه «صوت الذين لا صوت لهم»، والذكرى الخامسة عشرة لاغتيال ستة مفكرين بارزين من أميركا اللاتينية ممن كانوا كهنة يسوعيين في السلفادور أيضاً.

تؤطر الأحداث العقد البشع لثمانينات القرن الماضي في أميركا اللاتينية. لقد تم قتل روميرو والمفكرين اليسوعيين على يد قوات الأمن التي تم تسليحها وتدريبها من جانب واشنطن- في الواقع، بمن فيهم من يشغلون المناصب حالياً، أو معلميهم المباشرين..

أُغتيل الأسقف بعد فترة وجيزة من كتابته للرئيس جيمي كارتر متوسلاً إياه عدم إرسال المساعدات إلى المجلس العسكري في السلفادور «مما سيزيد القمع الذي أُطلق عنانه ضد منظمات الشعب التي تكافح للدفاع عن أكثر حقوقها الإنسانية جوهرية «تصاعد إرهاب الدولة وبدعم من الولايات المتحدة دائماً وبصمت وتآمر الغرب».

تحدث الآن فظائع مماثلة على أيدي القوات العسكرية المسلحة التي دربتها واشنطن بدعم من حلفائها الغربيين: على سبيل المثال في كولومبيا، المنتهك البارز لحقوق الإنسان في نصف الكرة الأرضية، والمتلقي البارز أيضاً للمساعدات العسكرية الأميركية.

يبدو أن كولومبيا استعادت العام الماضي سجلها القياسي في قتل عدد من ناشطي العمل يفوق بكثير ما قتل في باقي بلدان العالم مجتمعة. وفي شباط (2005) ببلدة أعلنت نفسها «مجتمعاً مسالماً» أثناء الحرب الأهلية في السلفادور، قيل أن القوات العسكرية ذبحت ثمانية أشخاص، بمن فيهم عمدة البلدة وثلاثة أطفال.

أذكر هذه الأمثلة لتذكير أنفسنا أننا لا ننخرط فقط في الندوات حول المبادئ المجردة، أو نناقش ثقافات نائية لا نفهمها. إننا نتكلم عن أنفسنا والقيم الأخلاقية والفكرية للمجتمعات المميزة التي نعيش فيها. وإذا لم يعجبنا ما نراه إذا نظرنا في المرآة بصدق، فأمامنا فرصة كبيرة لفعل شيء إزاء الأمر.

عصر الإرهاب النووي

في الأسبوع المقبل، سوف يراجع مؤتمر للأمم المتحدة يضم 180 بلداً موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي ينظر إلها بشكل عام كأساس لأي أمل لتفادي الكارثة التي يضمنها فعلياً منطق الأسلحة النووية.

ويكتب توماس غراهام، الممثل الأميركي الخاص السابق للحد من الأسلحة وعدم الانتشار النووي ونزع الأسلحة ومؤلف كتاب «المنطق العام حيال أسلحة الدمار الشامل» (2004)، وذلك في عدد هذا الشهر من مجلة كورنت أفيرز: «لم تبد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أضعف، أو أن مستقبلها أقل تأكيداً مما هي عليه الآن».

وإذا فشلت المعاهدة في غضون الأسابيع المقبلة، يحذر غراهام، فإن «الكابوس النووي العالمي» يمكن أن يصبح حقيقة.ومثل المحللين الآخرين يعترف غراهام أن التهديد الرئيسي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يأتي من السياسة الحكومية الأميركية، رغم أن البلدان النووية الأخرى تشترك في المسؤولية.

كانت المعاهدة اتفاقاً تعهدت فيه القوى النووية ببذل جهود «حسنة النية» لإزالة الأسلحة النووية، المادة الرابعة المهمة من المعاهدة. لم تفعل أي من تلك القوى ذلك، ومضت إدارة بوش إلى ما هو أبعد بالإعلان أنها لم تعد توافق على ذلك الحكم الأساسي من المعاهدة، وحتى أنها تسعى حالياً إلى تطوير أسلحة نووية جديدة.

واعتمدت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على الالتزام بعدة معاهدات إضافية: معاهدة حظر الاختبارات النووية الشاملة، التي رفضها النواب الجمهوريون عام 1999، وأعلن إلغاؤها عن الأجندة من قبل الرئيس جورج دبليو بوش؛ ومعاهدة الصواريخ البالستية المضادة للصواريخ التي ألغاها بوش والأهم بينها على الأرجح، معاهدة منع المواد الانشطارية خاضعة للتفتيش التي حسبما يكتب غراهام سوف تمنع التهديد المفزع المتمثل في إضافة «المزيد من مواد القنابل النووية إلى الكمية الضخمة الموجودة فعلياً».

وفي نوفمبر (2004) صوتت لجنة نزع الأسلحة التابعة للأمم المتحدة لصالح المعاهدة بنسبة 147 إلى 1. والصوت الأحادي الجانب للولايات المتحدة هو في الواقع بمثابة فيتو - في هذه الحالة هدية رحب بها أسامة بن لادن بلا أدنى شك. فهي تقدم مزيد من الرؤية من نوع ما في تصنيف بقاء الأنواع على قائمة أولويات المخططين الحكوميين.

في وقت سابق، أرسلت إدارة بوش رجلها المستكشف جون بولتون لإبلاغ أوروبا أن المفاوضات المطولة حول تطبيق حظر الأسلحة البيولوجية قد انتهت، لأنها «ليست في صالح الولايات المتحدة،» مما سيزيد تهديد الإرهاب البيولوجي.ويتفق ذلك مع موقف بولتون الصريح: «عندما تقود الولايات المتحدة، فإن الأمم المتحدة سوف تتبعها. وعندما يلائم مصالحنا أن نفعل ذلك، فسوف نفعل. وعندما لا يلائم مصالحنا، فلن نفعل».

ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني