أكد الكاتب الروسي الشهير أليكسندر سولجينتسن الحائز على جائزة نوبل أن الشيوعية هي سبب كل ما يعيشه الروس من مشكلات وأزمات اليوم. في حوار أجرته معه مجلة «دير شبيغل» الألمانية مؤخرا، أكد الروائي اللامع أن إدارة غورباتشوف وليست إدارة يلتسين كما يعتقد البعض هي التي دشنت عصر حرية التعبير والحركة في المجتمع الروسي. وتطرق الحديث الذي شمل محطات من التاريخ الروسي إلى رأي سولجينتسن في الدولة الروسية الحالية تحت قيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفيما يلي نص الحوار:

*عندما أتينا إليك وجدناك تعمل، يبدو أنك لا تزال وأنت في الـ 88 من عمرك تشعر برغبة كبيرة في العمل على الرغم من أن صحتك لا تسمح لك حتى بالمشي حول منزلك. من أين تستمد هذه الطاقة على العمل؟

ـ لدي دائما طاقة داخلية تدفعني إلى العمل منذ مجيئي لهذه الدنيا. وأنا دائما أكرس وقتي للعمل والكفاح وأشعر بسعادة جمة بسبب هذا الأمر.

* الرئيس الروسي الحالي يقول إن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين. ويقول إنه آن الأوان لوقف الخوض في آلام الماضي لاسيما أن هناك محاولات على حد تعبيره من الخارج لإثارة حالة غير مبررة من الندم والحزن بين الروسيين. ألا يساعد مثل هذا القول هؤلاء الذين يريدون من الشعب نسيان أي شيء حدث في البلاد إبان الحقبة السوفييتية؟

ـ حسنا، هناك حالة من القلق العالمي حيال الكيفية التي تتعامل بها أميركا مع دورها الجديد باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم.، وهو الأمر الذي نتج عن التغير الجيوسياسي الذي مر به العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. أما فيما يتعلق بعملية التفكير في آلام الماضي، فإن الدمج الذي حدث بين الاتحاد السوفييتي وروسيا،.

والذي كتبت ضده كثيرا في عقد السبعينيات، لم يلق قبولا لا في الغرب ولا في الدول الشيوعية السابقة ولا في دول الاتحاد السوفييتي السابق. إن الجيل السياسي الأقدم في الدول الشيوعية لم يكن مستعدا لإبداء الندم على ما قام به، في حين أن الجيل الأصغر يكتفي بالإعراب عن الشكاوى والحزن وتوجيه الاتهامات.

إنهم يتصرفون كما لو كانوا أبطالا استطاعوا تحرير أنفسهم ويعيشون حياة جديدة الآن، في حين أن موسكو لا تزال شيوعية. ولكن على الرغم من ذلك فإن الأمل يحدوني في رؤية نهاية قريبة للحقبة الحالية غير الصحية وآمل أن تعلم جميع الشعوب التي عاشت في ظل الشيوعية أن الشيوعية هي السبب وراء كل الصفحات السوداء من تاريخهم.

* بمن فيهم الروس؟

ـ إذا استطعنا أن نلقي نظرة أكثر تأملية في تاريخنا، فإننا لن نشعر بأي حنين نحو الماضي السوفييتي الذي كان يسيطر على مجتمعنا. ولن تحتاج أيضا بلدان أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة إلى النظر إلى روسيا التاريخية باعتبارها مصدر كل مشكلاتها في هذا العالم. لا ينبغي للمرء أن ينسب الأفعال الشريرة التي ارتكبها القادة أو الأنظمة السياسية إلى خطأ ارتكبه الشعب الروسي أو بلادهم. لا ينبغي أن يُعزى الأمر إلى النفسية المريضة للروس كما يفعل الكثيرون في الغرب.

* منذ 90 عاما هزت ثورة فبراير الأمة الروسية ثم تعرضت الدولة لهزة أخرى إبان ثورة أكتوبر. مثل تلك الأحداث تشكل موضوعا رئيسيا في أعمالك. وفي مقالة طويلة لك، أكدت على نظريتك مرة أخرى التي تقول فيها إن الشيوعية لم تكن نتيجة النظام السياسي الروسي السابق، وأن الثورة البلشفية لم تكن لتحدث لولا سوء إدارة كرينيسكي في 1917. فإذا كان للفرد أن يتبع هذا الخط من التفكير، فإن لينين سيظهر وكأنه شخص أوجدته الصدفة ولم يكن ليقدر على تولي السلطة لولا الدعم الألماني. هل نحن نتفهم وجهة نظرك بشكل صحيح؟

ـ لا. ليس هذا قصدي. الشخص ذو القدرات الاستثنائية هو الوحيد القادر على تحويل الفرصة إلى حقيقة واقعة. لينين وتروتسكي كانا سياسيين كبيرين استطاعا في فترة قصيرة استغلال ضعف حكومة كرينيسكي. ولكن دعني أصحح لك شيئا: إن ثورة أكتوبر ما هي إلا أسطورة خلقها الفائزون بها، وهم البلاشفة.

* كتابك الأخير «مئتا عام معا» يعد محاولة للتغلب على المحرمات المتعلقة بمناقشة التاريخ المشترك بين الروس واليهود. فأنت تقول إن اليهود يمثلون القوة الرئيسية المحركة لرأس المال العالمي وأنهم أول من دمر الطبقة البرجوازية. هل لنا أن نستخلص من حديثك أن اليهود يتحملون مسؤولية التجربة السوفييتية الفاشلة أكثر من غيرهم؟

ـ أنا لا أدعو إلى أي نوع من أنواع المقارنات بين الشعوب فيما يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية لكل شعب. فضلا عن ذلك فإنني لا أتحدث أبدا عن أن هناك أمة ما مسؤولة عما يحدث لأمة أخرى. فأنا أدعو إلى التأمل في الذات.

بوسعك أن تحصل على إجابة سؤالك من الكتاب ذاته الذي أقول فيه: «يجب على كل شعب تحمل المسؤولية الأخلاقية عن ماضيه، بما في ذلك ما قد يحمله هذا الماضي من أعمال مشينة. كيف يتسنى ذلك؟ عن طريق محاولة فهم كيف حصلت تلك الأشياء ومحاولة فهم أين يكمن الخطأ وما إذا كانت هناك إمكانية لارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى أم لا.

* لقد قلت ذات مرة إن التاريخ الأسود للقرن العشرين تحملته روسيا من أجل مصلحة الجنس البشري. فهل تعلم الروس دروس ما مر عليهم من ثورتين وما ترتب عليهما من عواقب؟

ـ يبدو أنهم بدأوا في تعلم بعض الدروس. فالعدد الكبير المتوافر من المطبوعات والأفلام التي تتناول تاريخ القرن العشرين على الرغم من اختلاف جودتها، تمثل دليلا على أن هناك طلبا عاليا على التعلم من دروس التاريخ. فمؤخرا عرضت قناة روسية حكومية سلسلة من أعمال فارلام شالاموف التي توضح الحقيقة المرة لمعسكرات التعذيب التي كان يقيمها ستالين. ولم يتم حذف أي مشاهد.

ومنذ فبراير الماضي أفاجأ بأن هناك هذا الكم الهائل من النقاشات التي تتناول مقالتي عن ثورة فبراير. وقد أسعدني رؤية هذا الكم الهائل من الآراء بما فيها تلك المعارضة لما أقوله وذلك لأن مثل هذا الأمر يعكس رغبة ملحة لاستكشاف الماضي الذي من دونه لا يمكن أن يكون هناك مستقبل له معنى.

* كيف تقوّم الفترة التي قضاها بوتين في الحكم بالمقارنة بفترتي حكم يلتسين وغورباتشوف؟

ـ حكومة غورباتشوف كانت ساذجة سياسيا بشكل مذهل؛ فقد كانت إدارة عديمة الخبرة ليس لديها أي شعور بالمسؤولية تجاه الأمة. غير أن إعجاب الغرب به تسبب في تقوية اعتقاده بأن ما يقوم به هو الصواب. ولكن دعنا نكون واضحين بشأن أن إدارة غورباتشوف وليست إدارة يلتسين كما هو شائع بشكل كبير هي التي وفرت حرية التعبير والتحرك للمواطن داخل الدولة.

لقد ورث بوتين دولة منهوبة تعيش حالة من الذهول ليس لديها سوى شعب فقير انهارت كل معنوياته. وبدأ الرجل في عمل ما يمكن فعله والذي تمثل في عملية إعادة إعمار تدريجية. الجهود التي قام بها لا يلحظها أحد بشكل كبير ولم يقدرها أحد بشكل فوري. ولكن على أية حال، من الصعب أن نجد أمثلة في التاريخ توضح أن جهودا كتلك التي بذلها بوتين لبناء دولة مدمرة معنويا قد لاقت تقديرا فوريا من قبل حكومات أخرى.

* بشكل تدريجي يتضح للجميع أن استقرار روسيا هو أمر مفيد للغاية للغرب. ولكن هناك أمرا واحدا يفاجئنا جميعا، وهو أنك، عند التحدث عن الشكل الصحيح لطبيعة الدولة في روسيا، تفضل الحكم الذاتي وتضرب في هذا الصدد بمثال عكسي يتمثل في الديمقراطية الغربية. وبعد مرور سبعة أعوام على وجوده في سدة الحكم، يتبين أن السلطة متمركزة في يد بوتين وحده وأنه الشخص الوحيد الذي يدير دفة الأمور.

ـ نعم هذا صحيح. فأنا دوما أصر على الحاجة إلى وجود حكم ذاتي محلي لروسيا ولكنني لم أعارض يوما نموذج الديمقراطية في الغرب. أنا فقط مستاء من بطء تطور نموذج الحكومة الذاتية المحلية في روسيا. ولكن الأمر في النهاية أخذ في التبلور والتحقق.

ترجمة: حاتم حسين- عن«دير شبيغل»