تسمح مجريات الأحداث الأخيرة، بما فيها قمة روسيا ـ الاتحاد الأوروبي في سامارا وقمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بإجراء تحليل أكثر تفصيلاً للوضع القائم واستشراف آفاق المستقبل فيما يتعلق بالعلاقات الروسية- الأوروبية.

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي جعل نفسه أقل تناسقا واندماجاً في أعقاب عملية التوسع التي شهدها في السنوات الأخيرة. ونحن نرغب حقا وبإخلاص بأن يتخطى الاتحاد الأوروبي (أمراض عملية التوسع) هذه عن طريق تشكيل نظام متناغم في موضوع القرارات المتعلقة بعملية تطوره وارتقائه المتعاقبة. أي أننا نود رؤية إتحاد أوروبي قوي وفاعل ولا يقبل بالعودة إلى الماضي القومي والشعوبي ويستجيب لمصالح جميع شركائه في العالم بما فيهم روسيا. ونحن ندرك أن الطريق نحو هذا الهدف سيكون طويلا ومتعرجا. لكن يتعين علينا في هذه اللحظة التعامل مع اتحاد أوروبي غير متجانس انطلاقا من تنظيم تعاوننا اليومي بالطريقة التي نراها مناسبة.

لكن الوضع آخذ بالتعقيد جراء المحاولات الهادفة إلى وضع سياسة وحيدة وسلبية للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بروسيا، وكل ذلك من شأنه أن يشجع انقساما جديدا للقارة بدايته الانقسام السياسي والنفسي. وعلى ضوء عملية توطيد دعائم الاتحاد الأوروبي السابقة، وجدت روسيا أن هناك ضرورة للاستقلال مجددا في السياسة الخارجية وحرية الحركة والمناورات في الشؤون الدولية. لكن ذلك لا يعني حرية اختيار الشركاء، ذلك أنه يشير إلى الاتحاد الأوروبي أكثر من الآخرين.

لا أحد يضع في دائرة الشك خيارنا الأوروبي الأساسي والبرهان الكامل على ذلك موجود في مضمون مقالة الرئيس فلاديمير بوتين المنشورة في شهر مارس والمكرسة للذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد الأوروبي، حيث يبرز الطابع الموضوعي للأطروحة الواردة في المقالة والتي تفيد بأنه «لا يمكن أن يكون هناك وحدة كاملة لقارتنا قبل أن تصبح روسيا جزءا عضويا من العملية الأوروبية». والأمر يتعلق بما إذا كان يتعين علينا تقديم تنازلات مبدئية والتخلي عن سياستنا الخارجية المستقلة وإذا كان الأمر كذلك فعلى أي مذبح.

بما أن الأمر لا يتعلق بمشاركتنا في الاتحاد الأوروبي في المستقبل المرئي، فإني أعتقد أن الرد على هذا السؤال سيكون سلبيا. ولا أرى بديلا عن المثابرة والإلحاح والصبر على علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي. لكن ذلك لا يعني أنه يتعين علينا التنازل عن دفاعنا الراسخ عن مصالحنا، ذلك الدفاع الذي يستعرض من خلال تعليقات تنطوي على نوايا سيئة وكأنه يمثل تحد ومواجهة. ومن دون التقليل من قيمة المشكلات بين الشركاء، يجب رؤية المصالح التي تتقاطع مع بعضها والتي توجد قاعدة للتعاون.

آخذين بعين الاعتبار جميع التطورات والأحداث، فإنه بوسعنا افتراض أن حل المشكلات التي تعتري علاقاتنا لا يتم إلا على قاعدة منظور التكامل، أو شيء من قبيل «الحزمة». والإطار العام يقوم على الصيغة المعروفة «كل شيء ما عدا المؤسسات». وفي جميع الأحوال، فإن ذلك يتطلب عملية بحث خلاقة ونشيطة من جانب كلا الطرفين وبمشاركة مكونات المجتمع المدني المختلفة، حيث تقدم معاهدة علاقات الشركاء والتعاون تلك الإمكانية.

على ضوء التطورات الخيرة لا بد من صياغة سؤال حول مستقبل البنى والمؤسسات التي كنا قد ورثناها من الماضي، حيث يتعلق الأمر، في المقام الأول، بمنظمات مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وحلف الناتو. فمن الواضح أنه لا يبدو من الممكن في هذه اللحظة ملاءمة هذا المنظمات مع الواقع الجديد. والأدهى من ذلك هو أن هناك من يعمل من داخلها ضد روسيا، أي أنها تعيد إنتاج زمن التكتلات وسياسة المحاور في القارة. لكن لا يمكن لهذا الوضع أن يدوم طويلا. ذلك أن الحاجة إلى رؤية الأشياء من منظور جديد آخذة بالنضوج على قدم وساق.

من المثير للقلق أن يتمكن حلف الناتو في عملية تحوله من البقاء لوقت طويل في حالة انتقال مجموعة المشاركين فيه، الذين يرغبون بمساندة أعمال أحادية الجانب على قاعدة الثنائية، أي على حساب صورة التحالف كمنظمة للأمن الجماعي. وعلى الرغم من أننا نشعر بحلف الناتو على هذا النحو تماما، إلا أننا أنشأنا قبل خمس سنوات مجلس روسيا ـ الناتو، لا بل إننا أدخلنا أنفسنا في إعلان روما الذي تم إقراره بهذا الخصوص على أن يتحرك مجلس روسيا- الناتو على قاعدة احترام مبدأ فردية أمن جميع أعضائه، سواء تعلق الأمر بأولئك المنضوين تحت راية الناتو نفسه أم بروسيا نفسها. ل

كننا تلقينا، في مقابل ذلك، نوعا من إعادة تنظيم وجود الولايات المتحدة في أوروبا بما في ذلك نشر قوات أساسية بالقرب من حدودنا. وهذه المشكلة تتضح بصورة أفضل عندما نسلط الضوء على الـ «تي إف إيه سي إي» والخطط الرامية إلى استحضار المنطقة الثالثة من مواقع الـ «دي إيه إم» العالمي الخاص بالولايات المتحدة في أوروبا الشرقية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل سيكون من المنطقي افتراض أن مستقبل علاقاتنا مع حلف الناتو سيتوقف بالكامل على كيفية تحول الحلف وعلى ما إذا كان أعضاؤه يأخذون في الاعتبار جميع التأثيرات لمحاولة التقدم نحو الشرق؟

روسيا لا تألو جهدا لتجاوز الخلافات والتناقضات في البناء الأوروبي الخاص بالأمن. ويشهد على ذلك إقرار الجمعية الاتحادية لمعاهدة أوضاع القوات في إطار التعاون على مذبح السلام واستدعاء مبادرتنا الخاصة بالمؤتمر غير العادي للـ «تي إف إيه سي إي»، التي من المؤسف أنها لم تؤت ثمارها.

واقتراحنا حول إقرار ميثاق منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وترتيب نشاطات هذه المنظمة فيما يتعلق بمتابعة الانتخابات وأخيرا اقتراح الرئيس بوتين الخاص بالتقويم الجماعي لتهديدات الصواريخ والاستخدام المشترك مع الولايات المتحدة في نظام الزمن الحقيقي للمعلومات في محطة الرادار في غابالا في أذربيجان.

نحن في انتظار رد بناء على هذه الأسئلة، كما أننا لن نقف، في نهاية المطاف، حجر عثرة أمام أن يترجم إلى لغة السياسة العملية ذلك الطرح الذي يسمع بصورة متكررة في الآونة الأخيرة والذي يقول بأننا «لم نعد خصوما» ويتحدث عن تفهم مشترك لاستحالة اندلاع حرب جديدة في القارة الأوروبية.

في مستقبل أوروبا وفي السياسة الأوروبية لا يزال هناك مؤسسات قائمة على غرار المجلس الأوروبي والاتحاد الأوروبي والروابط الإقليمية وبالطبع اللاعبون المستقلون الممثلون بدول ذات سيادة. وفي نهاية المطاف، فإن هذه المؤسسات هي التي تسمي نفسها في الآونة الأخيرة حماة الأمن الأوروبي، غير القابل للانقسام في العالم الحالي.

تطرح العولمة مشكلات غير قابلة للحل على قاعدة التكتلات والمحاور، وهذا العنصر قد يكون أساسيا على الأجندة الإيجابية الخاصة بتوسيع التعاون الثلاثي بين الاتحاد الأوروبي وروسيا والاتحاد الأوروبي. فذلك سيضمن الحفاظ على تكاملية السياسة الأوروبية- المتوسطية، حتى كعامل مهم في البحث، إلى جانب البلدان المتبقية الأخرى، عن إجابات على التهديدات والتحديات الجديدة على المستوى الكوني، فضلا عن أن العمل الجماعي على صعيد المشكلات المشتركة الحامية سيقودنا إلى الهدف النهائي المتمثل بإيجاد ثقة أصيلة وأوروبا كبيرة من دون خطوط تقسيمية.

وزير الخارجية الروسي

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «إيه بي سي»