أجرت صحيفة «إيه بي سي» حواراً، مؤخراً، مع رودي جولياني عمدة نيويورك السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية تناول العديد من القضايا الساخنة على الصعيدين الداخلي والدولي وفي مقدمتها موضوع الانتخابات الرئاسية الأميركية المرتقبة في عام 2008 المقبل، ويرى في هذا الصدد أنه يتعين على الأميركيين أن «يختاروا في نوفمبر 2008 شخصاً يعتبرونه الأقوى من أجل الدفاع عن الولايات المتحدة ضد الإرهاب. على ألا يركزوا على العراق وحده على غرار ما تريد بعض وسائل الإعلام»، ويضيف: «أعتقد أن الأميركيين أذكى من ذلك».
وكان جولياني قد اتهم باللعب بورقة الـ 11 سبتمبر وجيرها لمصلحته السياسية وهو لا يتجنب الحديث عن دوره عقب الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في ذلك اليوم والتأثير الذي خلفته على رؤيته للعالم، لكنه يتحدى الرسم الكاريكاتوري الذي يظهر فيه ذلك الرجل الذي يحاول شق طريق لنفسه نحو البيت الأبيض بأنشودة الحادي عشر من سبتمبر.
آراؤه في السياسة الخارجية والقومية قاطعة ويعبر عنها بثقة متناهية تقوم على مبدأ «خذها أو أتركها»، الذي يشد من أزر مناصريه وينعشهم بقدر ما يغيظ معارضيه سواء كان ذلك في هذه الأيام أم عندما كان عمدة، وهو يقول إن «الزعامة في المقام الأول هي التحقق مما هو صحيح ومن ثم عرضه على الناس وذلك على خلاف أن يشرح لك الناس ما هو صحيح ومن ثم القول ما يريدون هم سماعه».
غالباً ما يوصف جولياني بأنه جمهوري «معتدل»، وذلك صحيح إذا اقتصر معناه على أنه لا يتبع خط الحزب في موضوعات بعينها مثل موضوع الإجهاض. لكن الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك بقليل يعطيه الحق بأن يوصف على النحو آنف الذكر. وهو يصف نفسه بالقول:
«انسجاماً مع الجداول الموضوعية، فأنا أكثر المرشحين محافظة في السباق من وجهة النظر الضريبية، حيث يؤكد على صعيد السياسة القومية انه يريد تقييد مشاركة الحكومة في الاقتصاد وزيادة مشاركة القطاع الخاص. أما الضرائب، «فيجب أن تكون منخفضة» والنظام الصحي «يجب أن ينأى بنفسه عن النموذج الأبوي» السائد في الولايات المتحدة الآن.
وهذه ليست سياسة محافظة تمارسها حكومة تتدخل في كل شاردة وواردة، إذ يرى جولياني أن جورج دبليو بوش «لم ينفق جيداً» على الرغم من أنه يضيف أن الكونغرس لم يفعل ذلك أيضاً، بينما يعتقد أن هذا الجانب هو «أحد الأسباب الأولية التي جعلت الجمهوريين يخسرون الكونغرس في 2006».
عندما يتعلق الأمر بالحرب ضد الإرهاب ، فإن الدفاع عن الولايات المتحدة من منظور جولياني يعني «البقاء في حالة الهجوم». وعلى نحو أدق يعني «استخدام قانون الوطنية والمراقبة الالكترونية وتقنيات التحقيق التي صحيح أنها قانونية لكنها عدوانية أيضاً». وبخصوص قاعدة غوانتانامو ، فإنه يقول:
«لا أعتقد أنه يتعين علينا إغلاق معسكر السجناء». هذه كانت، إذن، الموضوعات التي دار حولها الحوار. لكن من أجل اكتشاف إذا ما كان هناك أمور مهمة في أوراق اعتماده حول الأمن القومي أكثر من مجرد أنه كان «عمدة الولايات المتحدة» أثناء أحداث 11 سبتمبر، ألحينا على أن يروي لنا كيف يمكن لجولياني الرئيس أن يدير أزمة في السياسة الخارجية على غرار الأزمة الحالية القائمة مع إيران. وكشفت إجابته النقاب عن نمط استدلالي فيه الكثير من التأمل تباهى به طوال اللقاء ولا يمكن أن يظهر ذلك النمط إلا وهو يدعم إجاباته بالإسهاب.
راح يشرح كيف يفهم المشكلة وذلك قبل أن يدخل في تعرجات حول كيفية معالجتها، حيث يقول: «حسناً، أعتقد أننا قد تعلمنا بعض الدروس التاريخية من القرن العشرين، وأحد تلك الدروس التي علينا تبنيها هو ذلك المتعلق بعدم محاولة تحليل الناس نفسياً وتصديق ما يقولونه. لو كنا قد صدقنا كلمات هتلر وستالين، لكنا اتخذنا قرارات أكثر صرامة وأنقذنا أرواحاً أكثر بكثير. لا أعلم لماذا يتعين علينا التفكير بأن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لا يتكلم بجدية.
وبالتالي، فإن الطريقة الأكثر تبصراً واحتراساً وحسماً على صعيد التحرك هي أخذ ما يقوله على محمل الجد. ويضيف: «كان يتعين على برلمان الولايات المتحدة البدء بإعلان واضح يقول إننا لن نسمح لإيران بالتحول إلى قوة نووية، بحيث يجب على العالم كله أن يعلم، بما في ذلك الحلفاء، أن ذلك ليس حلاً يمكن أن تتسامح معه الولايات المتحدة، لأنه سيكون خطراً إلى حد كبير بالنسبة لنا وضع أسلحة نووية بأيدي أناس يقولون ما يقوله ويفعلون ما فعل».
لكن هناك فارق شاسع بين التأكيد على «أننا لن نسمح»، وبين أن تكون الولايات المتحدة مستعدة للقيام بعمل ما بهذا الخصوص. ذلك أن مسألة منع تحول إيران إلى قوة نووية تتضمن الشروع بتحركات عسكرية ضد إيران، وجولياني لا يتردد لحظة واحدة عندما يعلق على هذه المسألة ويقول:
«يجب القيام بكل ما ضروري». وللحيلولة دون وقوع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة يرى المرشح الرئاسي أن كل شيء «يتوقف على كيفية تقييمهم لرئيس الولايات المتحدة. فإذا اعتقدوا أنه سيكون لديهم رئيس أميركي غامض تقلقه أمور من هذا القبيل ـ جون كيري مثلاً الذي يهتم بما تراه أوروبا ـ فإن أمامهم إمكانيات كثيرة لجهة استغلال هذا الوضع».
ترجمة: باسل أبو حمدة -عن «إيه بي سي»