عشاق ألعاب القوى دوما تجدهم مبهورين بأداء هؤلاء الذين يبدعون ويحققون أرقاما قياسية في سباقات العدو وركوب الدراجات وغيرها من الرياضات التي تندرج تحت مسمى «أم الألعاب»، وهو الوصف الذي تحظى به ألعاب القوى في العالم، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه أي رياضة بدنية أخرى، مثل كرة القدم والسلة والطائرة، الخ.

غير أن أسماء الممارسين لألعاب القوى غالبا ما تكون ملتصقة بتعاطي المنشطات، حيث تم أكثر من مرة تجريد أكثر من بطل أولمبي من ألقابهم التي حققوها في بطولات عالمية كبرى بعد ثبوت تعاطيهم لمنشطات محظورة عالميا. ومن أشهر هؤلاء الرياضيين كان العداء الأميركي الأسطورة بن جونسون.

كما تحيط بأداء البطل لانس أرمسترونج الذي فاز بلقب بطل ماراثون فرنسا سبع مرات متتالية الكثير من علامات الاستفهام، وذلك بعد أن ثبتت إصابته بسرطان المثانة وعلاجه كيميائيا وخضوعه لجراحات عديدة. وعلى الرغم من أن مثل هؤلاء الرياضيين لا يتوقفون عن إنكار تعاطيهم لأي منشطات وعلى الرغم من عودة كثيرين منهم لمزاولة الرياضة بشكل ناجح بعد انتهاء إيقافهم بسبب تعاطيهم لمواد محظورة.

إلا أن ارتباط أسمائهم بتعاطي عقاقير محظورة عالميا يظل أمرا عالقا بالأذهان، لاسيما أذهان المتابعين والذين لا يتوقفون عن التساؤل عن سر القوة غير الطبيعية التي يتمتع بها مثل هؤلاء الرياضيون. فهل هناك تفسير آخر غير المنشطات يمكن تقديمه للقوة الكبيرة التي يتمتع بها هؤلاء؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه مجلة «نيوساينتست» العلمية في أحد أعدادها الأخيرة.

تقول المجلة إن أحد الاحتمالات القائمة في هذا الشأن تتمثل في أن بعض الناس يمكن أن يولدوا بقدرات بدنية فائقة غير موجودة لدى عامة الناس. وبالتأكيد تلعب التدريبات البدنية والقدرات الذهنية دورا كبيرا في تأهيل الشخص لمثل ذلك الأداء الفائق الذي نراه في البطولات العالمية، غير أنه في حال تساوي القدرات.

فأنه يمكن أن يكون هناك شيء آخر متعلق بالجينات البشرية مسؤول عن هامش التميز الذي يحظى به مثل هؤلاء البشر الذين يحققون هذه النتائج المذهلة التي نراها على شاشات التلفاز. فعداء مثل دين كارزانزس الذي يبلغ من العمر الآن 44 عاما قد اشترك في 50 ماراثون في 50 ولاية أميركية في فترة لم تتجاوز 50 يوما، أي بمعدل ماراثون واحد كل يوم، وذلك قبل أن يعود عدوا أيضا من نيويورك إلى سانت لويس !!

الأمر لا يعود فقط إلى السيقان الطويلة والعضلات القوية، فالاحتمال الأكبر يتمثل في أن جميع رياضيي الصفوة الذين يتمتعون بقدرات تحمل غير عادية لديهم آليات جينية فعالة تمكنهم من الاحتفاظ بمعدلات طاقة فائقة تدوم لفترات طويلة من الوقت.

غير أن الجين الذي يمد الإنسان بطاقة هائلة من التحمل يمكن في الوقت ذاته أن يتحول إلى مصدر للأمراض. فقد وجد العلماء أن الأفراد الذين لديهم مثل تلك الجينات ولا يقومون بتدريبات رياضية بشكل منتظم هم أكثر عرضة للإصابة بالبدانة والسكري والسرطان من غيرهم.

إن سباق فرنسا للدراجات هو أحد أصعب السباقات في العالم والذي ينطوي على تحديات بدنية أكثر من غيره من سباقات العالم المشابهة. ومن ثم فإن المشتركين فيه يجسدون أمثلة جدية لدراسة كيفية تمتعهم بطاقة تحمل تفوق غيرهم ليس من البشر العاديين فحسب، وإنما غيرهم من الرياضيين الذين يشتركون في سباقات مشابهة.

ويأتي العداء أرمسترونج على قمة الرياضيين المشتركين في هذا السباق، حيث يعتبر أرمسترونج أحد أكثر رياضيي العالم في هذا المجال نجاحا وشهرة. فالتكوين البدني الداخلي لهذا الرياضي يميزه عن غيره من الرياضيين.

فقد ولد أرمسترونج برئتين وقلب كبيرين على نحو غير معتاد بين الرياضيين العاديين أنفسهم، ما يعني أن نسبة الأوكسجين التي تُضخ في مختلف أنحاء جسمه هي أكبر من النسبة التي يحظى بها الإنسان العادي.

فلكي تكون رياضيا يتمتع بقوة تحمل فائقة، فإن جسمك يحتاج إلى كفاءة عالية في الاحتفاظ بالطاقة ومستويات عالية من الأوكسجين في الدم. وفي حالة أرمسترونج، يتبين أن هذا الرياضي قد ولد وهو يتمتع بطاقة كامنة في جسمه ومستويات أوكسجين عالية في الدم تفوق أقرانه من الرياضيين.

فضلا عن ذلك يقول العالم كرايج أتوود من جامعة ويسكونسن ـ ماديسون إن حالة أرمسترونج لها ظروفها الخاصة التي تكاد تكون فريدة من نوعها. يضيف العالم: «أحد الأمور المثيرة للاهتمام في حالة لانس أرمسترونج تتمثل في أنه تحول من رياضي استثنائي في ممارسة الرياضات التي تتم على امتداد يوم واحد إلى بطل عالمي يستطيع خوض سباقات تحتاج إلى قوة تحمل على امتداد ثلاثة أسابيع.

فقد تسببت الجراحة التي مر بها وتخلص الأطباء فيها من خصيته اليمنى لعلاجه من السرطان في حدوث تغيرات في مستويات الهرمونات لديه، الأمر الذي أثر في عملية التمثيل الغذائي في جسمه». وتشير المجلة إلى أن أجسامنا تحتاج إلى دهون وجلوكوز من أجل الحصول على ما نحتاجه من طاقة وأن التغييرات الهرمونية التي مر بها شخص مثل أرمسترونج بعد إزالة الخصية اليمنى لديه قد تكون مكنته من استخدام قدر أكبر من الهرمونات بشكل لم يكن متاحا قبل أن يقوم بالجراحة.

وأشارت دراسات أجريت على أناس غير رياضيين تعرضوا للجراحة ذاتها التي مر بها أرمسترونج إلى أن هذه الجراحة أدت إلى زيادة نسبة بعض الهرمونات في الدم تعرف بأنها تحسن من عملية التمثيل الغذائي للدهون. ولم تؤثر هذه الجراحة في مستوى هرمون التستسترون، وهو الهرمون المسؤول عن بناء العضلات في الجسم.

كما تشير المجلة إلى أن الجينات الموجودة في الجسم قد تتسبب في التأثير على الكيفية التي يتأثر ويتجاوب بها الجسم مع عمليات التدريب. وهناك بالتحديد جينان يؤثران في قدرة الشخص على زيادة كمية الدم التي يجري ضخها أثناء كل دقيقة من التمرين؛ الجين الأول هو «تيتين»، وهو الجين الخاص بعملية بناء وليونة العظام، والجين الثاني هو «كينيسن 5 بي»، وهو الجين الذي ينقل جزيئات كبيرة من الدم حول خلايا الجسم.

ومن ثم فإن تميز الرياضيين في الألعاب التي تحتاج إلى قوة تحمل هائلة لا يرجع فقط إلى ما يقوم به هؤلاء الرياضيون من تدريبات شاقة. فإذا حدث، كما تشير المجلة، وإن مكث شخص في قدرات لانس أرمسترونج بدون تدريب لفترة طويلة للغاية.

فإن الشخص العادي لن يستطيع أن يهزمه في مجاله إلا إذا تدرب بشكل كبير وغير عادي. بل أن أرمسترونج من دون تدريب يستطيع هزيمة الشخص الذي يتدرب بشكل عادي حتى لو مكث هو من دون تدريب لفترات طويلة. وبالطبع فإن الشخص كي يتمكن من التدريب بشكل قوي فإنه يحتاج إلى دفعة ذهنية والتزام وطموح، وهي أمور كلها موجودة في شخص مثل أرمسترونج.

وعلى الرغم من كل ما سبق فإن هناك تقارير تشير إلى أن الاهتمام غير العادي الذي يبديه رياضي مثل أرمسترونج إلى كل خصوصيات حياته هو العامل الأساسي الذي يقوده إلى الأداء المبهر الذي نشاهده منه في المحافل الرياضية العالمية.

إعداد: حاتم حسين