عندما تسلمت ألمانيا، في مطلع العام الجاري، رئاسة الاتحاد الأوروبي كان الجو مكفهرا، فلقد بدت عملية الإصلاح راكدة وكانت هناك الكثير من الشكوك التي اجتاحت أوروبا وسط المأزق الذي كانت تمر فيه. لكن بوسعنا اليوم، بعد مرور ستة أشهر، مراجعة مجموعة من النتائج المقنعة.

خلال قمة الربيع، التي عقدت في مارس الماضي، تمكنا من التوصل إلى اتفاق حول خطوات تقدمية ملموسة في موضوع حماية البيئة وسياسة الطاقة. كما تمكنا، مؤخرا، من تحريك عملية إصلاح الإتحاد الأوروبي ذات الأهمية الحاسمة، وجعلها تطفو على السطح من جديد. ولقد خرجت أوروبا، بذلك، من النقطة الميتة التي كانت تقبع فيها وأصبح الآن بمقدورها التطلع نحو المستقبل.

ثمة عنصر في أجندتنا المستقبلية، لم يسترع، بدون مسوغ يبرر ذلك، سوى القليل من الاهتمام لكنه من وجهة نظري يشكل أحد أعظم النجاحات المشتركة أثناء فترة رئاستنا للاتحاد الأوروبي. والمقصود هنا هو الإستراتيجية الخاصة بآسيا الوسطى، المقرة في 22 يونيو الماضي، والتي تضع في بؤرة الاهتمام منطقة مهمة بالنسبة لأوروبا وتحدد أهداف ومصالح الاتحاد الأوروبي في المنطقة وتطور آفاقا ملموسة لتعاوننا.

لقد قمنا مرة أخرى بدعوة نظرائنا في آسيا الوسطى للاجتماع في برلين، حيث سنغير الانطباعات وسنتحدث عن الخطوات القادمة من أجل وضع إستراتيجيتنا قيد التنفيذ. فلقد شكلت بلدان آسيا الوسطى ـ كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان وأوزبكستان- بالنسبة لنا ولوقت طويل جدا حيزا أبيض على الخارطة.

والرابطة القديمة مع آسيا الوسطى والصين كانت قد آلت إلى النسيان. وأسطورة طريق الحرير وعمليات التبادل والازدهار التي صاحبتها فيما مضى باتت تنتمي إلى الماضي السحيق. قبل رحلتي إلى آسيا الوسطى في نوفمبر 2006 والتي قمت بها في إطار التحضيرات لرئاستنا، لم يكن أي وزير خارجية بلد عضو في التحاد الأوروبي قد قام بجولة لتلك البلدان الخمسة التي تكون هذا التكتل الآسيوي.

علما بأن آسيا الوسطى تشكل ملتقى للطرق في السياسة العالمية وهي منطقة تشهد في هذه اللحظات تحولات عميقة. وبالتالي، يجب ألا نبدو غير مبالين حيال الوجهة التي تتخذها النخب الحالية والمستقبلية في بلدان آسيا الوسطى. ذلك أن تحول هذه البلدان يؤثر بشكل مباشر على الأوروبيين. وبوجود احتياطياتها المعتبرة من الطاقة، فإن منطقة آسيا الوسطى يمكن أن تلعب دورا مهما في تزويد أوروبا بالطاقة على المدى البعيد.

كما تمر المنطقة في وضع مساند بشكل كبير لجهودنا الرامية إلى إحلال السلام في أفغانستان بصورة دائمة، ومحاربة تجارة المخدرات ووضع حد للتشدد الديني. وبالتالي، فإنه عند محاولة مواجهة التهديدات الأمنية موحدين جهودنا مع جهود بلدان المنطقة، فإن ما نقوم به هو ممارسة سياسة أمنية استباقية.

ذلك أن لأوروبا دوافع كثيرة ومصلحة كبرى في أن تتمتع بلدان آسيا الوسطى بالسلام وأن تقاد بمبادئ دولة القانون وأن تكون مزدهرة اقتصاديا. وفي المقابل، فإن التوجه الأوروبي بضمان حالة من التوازن السلمي والازدهار عن طريق ترابط المصالح يحولنا إلى شريك جذاب.

كما أن كون التعاون الإقليمي قضية أساسية بالنسبة للمستقبل فإنها لا تخفى على بلدان آسيا الوسطى كذلك. وخلال المحادثات التي أجريناها مع نظرائنا في المنطقة تكونت لدي قناعة بأن هذه البلدان تريد وتستطيع العودة إلى القيام بدورها التقليدي كمكان للتلاقي والتواصل بين آسيا وروسيا وأوروبا. لذلك ننوي تكثيف تعاوننا عن طريق اجتماعات دورية للترويكا الاتحادية مع النظراء في آسيا الوسطى.

بأي طريقة ملموسة نستطيع تطوير تعاوننا؟ سنشجع التعاون الإقليمي، لأن مشكلات عديدة تتطلب بالضرورة أطروحات مشتركة، مهما كانت الخلافات كبيرة بين الدول، وذلك يشمل الإدارة الفعالة لمسائل الحدود وكذلك التعاون في محاربة المشكلات البيئية أو ضرورة درء مواجهات تسببها قلة الموارد مثل المياه وذلك بمساعدة نظام ري إقليمي ذكي.

المهم الآن هو مساعدة بلدان آسيا الوسطى على مواصلة تطوير ما حققته في عمليات تحول شاقة. وأنا لا أشير هنا للإصلاحات الاقتصادية وحدها. فمقصدنا هو تشجيع حقوق الإنسان ودولة القانون. ولذلك سنطلق مبادرة تخص دولة القانون. أما الهدف فيتمثل في إقامة هيكليات دولة حديثة وشفافة وقياسية انسجاما مع مبادئ دولة القانون.

كما يعرض الاتحاد الأوروبي للبلدان الخمسة في آسيا الوسطى الشروع في حوار حول حقوق الإنسان كذلك الحوار الدائر لأول مرة مع أوزبكستان. أما أعمار السواد الأعظم من سكان آسيا الوسطى فإنها أقل من 25 عاما، وهنا تبرز أهمية التربية والتعليم كنقطة أساسية لتحسين آفاق المستقبل أمام هذا الجيل، كما يمكن المساهمة بالحيلولة دون ظهور حالات متشددة بتبعاتها المعروفة.

لهذه المنطقة، التي تضم 4% على الأقل من احتياطيات الطاقة العالمية، أهمية إستراتيجية بالنسبة لأمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي وكذلك الأمر بالنسبة لألمانيا وهذه الأهمية تبلغ مستوياتها القصوى إذا أخذنا بعين الاعتبار ضغط طلب الاقتصادات الآسيوية، التي تنمو بوتيرة كبيرة.

وبالتالي، فإن الاتحاد الأوروبي سيعزز الحوار حول موضوع الطاقة مع شركائنا في آسيا الوسطى بهدف المساهمة في تنويع مصادر الطاقة. والوقت ناضج لشراكة جديدة بين الاتحاد الأوروبي وبلدان آسيا الوسطى. فلقد تم أثناء الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي تثبيت الأسس اللازمة لذلك عن طريق إقرار «إستراتيجية آسيا الوسطى».

وبناء تلك الشراكة ذات التطلعات الواسعة هي مهمة على المدى الطويل. وعندما يتعلق الأمر بتطبيق هذه الإستراتيجية، فإن الاتحاد الأوروبي سيحتاج بالتالي إلى نفس طويل ومثابرة وواقعية. ويسرني إلى حد كبير أن تواصل الرئاسة البرتغالية، التي تسلمت الدفة مؤخرا، دفع هذا العمل إلى الأمام.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن موقع «دبليو إس»