في هذا المنعطف المبكر من الكتاب يضع نعوم تشومسكي مقولته الشهيرة عن أن حرية تحدي القوة ليست فرصة فقط، بل هي مسؤولية موضع التطبيق، حيث يكتشف التبعات العالمية الخطيرة للسياسة والأعمال العسكرية على مستوى العالم مع التركيز على ما يجري في العراق وفي أفغانستان.

وهو يحذر من أن الحروب على الإرهاب ستمتد إلى أوقات أطول بكثير مما توقعه مخططوها، ويلقي الضوء على المخاوف الأميركية من أن «القوة الثالثة» التي شهدناها خلال الحرب الباردة يمكن أن تتكرر في المستقبل القريب، وهو يهاجم توظيف المخططين الاستراتيجيين الأميركيين للعنف كأداة للسيطرة، مشيراً إلى أنه إذا كانت هذه الأداة تتميز بالقوة والحسم، فإن على من يتحمسون لتوظيفها أن يتذكروا أن معضلات الهيمنة شديدة التعقيد وأبعد ما تكون عن البساطة. في غمرة الصدمات التي تلت التفجيرات الانتحارية في بغداد والقدس والنجف، وعدد لا يحصى من الأهوال منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان من السهل أن نفهم السبب الذي جعل كثيراً من الناس يعتقدون أن العالم قد دخل عصراً جديداً ومخيفاً من الإرهاب، وهو عنوان مجموعة أخيرة من المقالات من قبل باحثي جامعة يال وآخرين.

لكن، بعد كل هذه السنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن الولايات المتحدة التي عليها أن تواجه جذور الإرهاب، قد شنت حروباً أكثر من السلام، وأثارت باستمرار مخاطر المواجهة العالمية. في الحادي عشر من سبتمبر استجاب العالم بصدمة ورعب وتعاطف مع الضحايا، لكن من المهم أن نضع في الاعتبار أنه بالنسبة لكثير من بلدان العالم، كانت هنالك ردة فعل أخرى قوامها القول الضمني: ذوقوا قليلاً مما نتجرعه! فللمرة الأولى في التاريخ، تعرضت قوة عظمى لمذبحة من ذلك النوع المألوف جداً في أماكن أخرى. وأي محاولة لفهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سوف تبدأ بشكل طبيعي بتحقيق في القوة الأميركية: كيف استجابت وما هو المسار الذي ستأخذ به؟ وفي غضون سنة بعد الحادي عشر من سبتمبر كانت أفغانستان تحت الهجوم، فالذين يقبلون معايير أخلاقية دولية، أمامهم عمل يقومون به ليظهروا أن الولايات المتحدة وبريطانيا لهما مبرر لقصف أفغانستان، يدفعهما إلى مهاجمة الناس المشتبه بارتكابهم مجازر إجرامية، وهو السبب الذي أُعطي عندما بدأت عمليات القصف.

وفي سبتمبر 2002، أعلنت أقوى دولة في التاريخ عن استراتيجية أمن قومي جديدة تؤكد أنها ستحافظ على الهيمنة على العالم بشكل دائم وأي تحد يواجه هذه الاستراتيجية سيتم منعه بالقوة، وهي المجال الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة على غيرها. - أيام الخطر: في الوقت ذاته، بدأت طبول الحرب تقرع لتعبئة السكان لاجتياح العراق، وبدأت الحملة لانتخابات الكونغرس النصفية، التي يمكن أن تقرر فيما إذا كانت الإدارة ستقدر على تطبيق أجندتها العالمية والمحلية. وكتب المختص في السياسة الخارجية، مايكل كريبون يقول إن الأيام الأخيرة من عام 2002 كانت «الأخطر منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962» والتي وصفها آرثر شليزنغر، بشكل منطقي بأنها «أخطر لحظة في التاريخ البشري». كان قلق كريبون من الانتشار النووي في «إيران والعراق وكوريا الشمالية وشبه القارة الهندية»، وهو: «حزام نووي غير مستقر يمتد من بيونغ يانغ إلى بغداد»، ويشمل: «إيران والعراق وكوريا الشمالية وشبه القارة الهندية»، وأدت مبادرات إدارة بوش في 2002 - 2003 فقط إلى زيادة التهديدات في ذلك الحزام غير المستقر وحوله.

أعلنت استراتيجية الأمن القومي أن الولايات المتحدة - وحدها - هي التي تملك الحق في تنفيذ «حرب وقائية»، ليست استباقية، باستخدام القوة العسكرية للقضاء على تهديد متوقع، حتى وإن كان من نسج الاختراع أو الخيال، وبكل بساطة فإن الحرب الوقائية هي «الجريمة الكبرى» التي أدينت في نورمبرغ.

ومن أوائل سبتمبر 2002، أصدرت إدارة بوش تحذيرات كئيبة حول الخطر الذي يمثله صدام حسين للولايات المتحدة، مع إشارات واسعة بأن صدام كان مرتبطاً بالقاعدة ومتورطاً في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وساعدت الهجمة الدعائية في الاجتياح المخطط لبلد عرف أنه عاجز عن الدفاع عن نفسه، وفي تحقيق غنيمة قيمة في قلب نظام الطاقة الرئيسي في العالم.

وفي مايو 2003، بعد النهاية المزعومة للحرب في العراق، هبط الرئيس بوش على سطح حاملة الطائرات، أبراهام لنكولن وأعلن أنه حقق: «انتصاراً في الحرب على الإرهاب بعد إزاحة حليف للقاعدة».

لكن الحادي عشر من سبتمبر 2007 سيجيء بلا أي دليل موثوق على العلاقة المزعومة بين صدام حسين وعدوه المر أسامة بن لادن، والعلاقة الوحيدة المعروفة بين النصر والإرهاب هي أن اجتياح العراق يبدو أنه زاد تجنيد القاعدة للأتباع وتهديد الإرهاب.

أدركت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مبالغة بوش التي أطلقت بعناية على ظهر حاملة الطائرات ابراهام لنكولن شكلت «بداية حملة إعادة انتخابه عام 2002» والتي أمل البيت الأبيض في أن تقوم حول أفكار الأمن القومي إلى أكبر درجة ممكنة».

كان واضحاً أنه إذا تركت الإدارة القضايا المحلية تسود فإنها تكون في مشكلة كبيرة، وفي الوقت ذاته يظل ابن لادن طليقاً ولا يزال مصدر إرهاب الجمرة الخبيثة بعد الحادي عشر من سبتمبر - غير معروف - حتى أنه يشكل أبرز فشل، في ضوء أن المصدر يفترض أنه محلي، وقد يكون من مختبر أسلحة فيدرالي، كما أنه لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل العراقية أبداً.

وبالنسبة للذكرى السنوية السادسة للحادي عشر من سبتمبر وما بعده، فإن لدينا في الأساس خيارين: يمكننا أن نمضي قدماً بثقة بأن مطبق القوانين العالمي سوف يطرد الشر من العالم، مثلما يعلن كاتبو خطب الرئيس الأميركي الذين ينتحلون الملاحم القديمة وحكايات الأطفال، أو يمكننا أن نخضع مبادئ الحقبة الجديدة الفخمة المعلنة للتدقيق، ونخرج باستنتاجات منطقية والتي ربما تكسب شيئاً من الإحساس بالحقيقة الناشئة.

إن الحروب التي يتم التفكير بها في الحرب على الإرهاب سوف تستمر فترة طويلة، فقد أعلن الرئيس خلال ولايته الأولى قائلاً: «لا أحد يعرف عدد الحروب التي ستجري لتأمين الحرية في الوطن». وهذا كاف جداً، فالتهديدات المحتملة لا حدود لها، وهنالك سبب قوي للاعتقاد بأنها أخذت تصبح أكثر شدة كنتيجة لخروج إدارة بوش على القانون والعنف الذي تنتهجه.

وعلينا أيضاً أن ندرس الملاحظات التي أدلى بها عامي أيالون، رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك) بين 1996 و2000، الذي قال «إن الذين يريدون الانتصار على الإرهاب من دون مخاطبة الشكاوى الدفينة يريدون حرباً لا تنتهي».

إن هذه الملاحظة تعمّم الأمور بطرق واضحة، فالعالم يملك سبباً وجيهاً لمراقبة ما يجري في واشنطن بخوف وارتعاش، فالناس الذين يحتلون أفضل المواقع لتخفيف تلك المخاوف وقيادة الطريق إلى مستقبل أكثر أملاً وبناء هم أبناء الولايات المتحدة الذين يستطيعون أن يرسموا المستقبل.

واشنطن والأمم المتحدة

بعد أن واجهت الإخفاقات البارزة للاحتلال العسكري للعراق، طلبت الولايات المتحدة من الأمم المتحدة أن تتحمل بعض التكاليف. وأصدر مجلس الأمن الدولي القرار الأميركي البريطاني بإجماع، ولكن ليس بشكل مطلق، حيث إن الصين وفرنسا وروسيا، وهي أعضاء دائمون في مجلس الأمن، عارضت القرار وأكدت أنها لن تقدم جنوداً أو مزيداً من الأموال، لكن باكستان ودولاً أخرى، بالإضافة إلى ألمانيا خضعت للضغط الأميركي للحفاظ على وحدة رمزية. وتظل هناك انقسامات خطيرة، خصوصاً حول ما إذا كان المحتلون سينقلون السلطة السياسية الحقيقية للعراقيين، ومتى يكون ذلك.

إن الاستجابة غير الموحدة للقرار تعكس تاريخاً من عجرفة واشنطن إزاء المجتمع الدولي والأمم المتحدة نفسها. فقد مضت الحرب بقيادة أميركا في العراق من دون مساندة من الأمم المتحدة، وتصرفت واشنطن وفق استراتيجية الأمن القومي التي أعلنتها إدارة بوش في العام الماضي، في شهر سبتمبر، والتي أكدت حق الولايات المتحدة في استخدام القوة، بشكل أحادي عند الضرورة، ضد عدو محتمل.

وأثارت الاستراتيجية الضخمة القلق والخوف في كل أنحاء العالم وحتى بين نخبة السياسة الخارجية في أميركا وقد فهمت أنها نسخة خطيرة بشكل خاص عن مبدأ المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديس الذي قال «ان الدول الكبيرة تفعل ما يحلو لها، والدول الصغيرة تتقبل ما يفرض عليها». وبالتالي، عندما تفشل الأمم المتحدة في العمل كأداة أميركية فإن واشنطن تشجبها.

في عام 2000، على سبيل المثال، تبنت اللجنة التابعة للأمم المتحدة حول نزع الأسلحة والأمن العالمي قراراً يدعو إلى اتخاذ إجراءات أقوى لمنع عسكرة الفضاء، وتبنت قراراً آخر أكد من جديد على بروتوكول جنيف لعام 1925 ضد استخدام الغازات السامة والأسلحة الجرثومية، وووفق على القرارين بالإجماع، مع امتناعين عن التصويت، من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن ناحية عملية فإن امتناع أميركا عن التصويت يرقى إلى استخدام الفيتو.

ومنذ الخمسينيات، كانت الولايات المتحدة سباقة في استخدام الفيتو على قرارات مجلس الأمن، حتى القرارات التي تدعو إلى التقيد بالقانون الدولي وتحتل بريطانيا المرتبة الثانية، بينما تتخلف فرنسا وروسيا كثيراً عنهما.

وحتى ذلك السجل يتم تشويهه بالحقيقة الماثلة في آن قوة واشنطن الهائلة تؤدي إلى إضعاف القرارات التي تعترض عليها، أو تحذف الأمور المهمة من الأجندة، حذفاً كاملاً.

إن الاستخدام الروتيني للفيتو من قبل البطل العالمي يتم تجاهله عموماً أو التقليل من شأنه في الأمم المتحدة أو يجري الترحيب به كموقف مبدئي لواشنطن المحاصرة. لكن هذا الموقف لا يتم تفسيره بأنه يمحو شرعية أو مصداقية الأمم المتحدة، مثلما يحدث بكل وضوح. ومقابل ذلك، فإن عدم رغبة الآخرين بانتهاج خطى واشنطن تعتبر مشكلة ـ وهو عرض للغطرسة التي تكسب عدداً قليلاً من الأصدقاء.

هذه المسرحية الهزلية

طوال فترة الجدل في الأمم المتحدة حول العراق، كانت واشنطن تصرّ على امتيازها بالتصرف على شكل أحادي، ففي مؤتمر صحفي في السادس من مارس 2003، مثلاً، قال بوش «إن هنالك سؤالاً وحيداً فقط: هل نزع النظام العراقي أسلحته بصورة كاملة وبلا شروط كما يستدعي قرار الأمم المتحدة رقم 144، أو أنه لم يفعل؟» وأوضح على الفور أن الجواب ليس مهماً، وأعلن أنه «عندما يتعلق الأمر بأمننا فإننا في واقع الأمر لا نحتاج إلى إذن من أحد».

لذلك كانت عمليات التفتيش من جانب الأمم المتحدة ومداولات مجلس الأمن مسرحية هزلية، وحتى التقيد بقرار مجلس الأمن بشكل ثابت كان يعتبر غير ذي علاقة، فالولايات المتحدة ستضع نظام خياراتها في العراق حتى ولو نزع صدام حسين أسلحته بالكامل، وفي الحقيقة، وحتى إذا غادر صدام وعائلته البلاد، حسبما قال الرئيس في قمة الأزور عشية الاجتياح.

وعندما فشل جيش الاحتلال في اكتشاف أسلحة الدمار الشامل العراقية غيرت الإدارة موقفها من «اليقين المطلق» حول وجود الأسلحة وقالت أن الولايات المتحدة يحق لها أن تتصرف ضد أي بلد ولو كان يملك فقط النية لتطوير أسلحة دمار شامل. إن تخفيف الموانع للجوء إلى القوة يشكل أهم نتيجة لانهيار المبرر المعلن للاجتياح.

وفي هذه الأيام، تظل القضية المهيمنة تتمثل فيمن يحكم العراق، فقليل من الناس يثقون في ما أقامته الولايات المتحدة حكومة يسمح لها بأن تكون مستقلة، لذلك فإن الرأي العالمي أيد بقوة أن تتولى الأمم المتحدة مقاليد الأمور، مثلما يرى الرأي العام الأميركي، وفقاً للاستطلاعات منذ شهر أبريل 2003، والتي أجراها برنامج مواقف السياسة العالمية في جامعة ميريلاند.

ومع أن من الصعب أن نحكم على الرأي العراقي، فإن استطلاعاً أجرته مؤسسة جالوب في بغداد أظهر أن الشخصية الأجنبية ذات الشعبية الأكبر كان شيراك، الذي تفوق كثيراً في شعبيته على بوش أو بلير، وكان شيراك، بطبيعة الحال، أبرز ناقد عالمي للاجتياح. وعبر كل التغييرات في المبررات والذرائع، يظل هناك مبدأ وحيد ثابت، حيث يجب على الولايات المتحدة أن تنهي سيطرتها الفعلية على العراق، تحت نوع من وجوه الديمقراطية إذا أثبت أنه مجد.

لقد ظهرت الخطوط الأساسية للتفكير الأميركي في الهيكل التنظيمي «للإدارة المدنية لعراق ما بعد الحرب»، ففي هذا الهيكل ست عشرة خانة، تحتوي كل منها على اسم وصفة مسؤولية الشخص، من المبعوث الرئاسي بول بريمر في القمة (المرتبط بالبنتاغون) نزولاً عبر الهيكل. ومنهم سبعة جنرالات، ومعظم البقية مسؤولون حكوميون أميركيون، وفي أسفل الهيكل هنالك الخانة السابعة عشرة، بحوالي ثلث حجم الأخرى، دون أسماء، ودون تحديد ودون مهام. وتقول هذه الخانة: «مستشارون للوزارة العراقية». لقد سعى الرئيس بوش إلى إشراك الآخرين في التكاليف، وليس في السلطة في عراق ما بعد الحرب، فيجب أن تكون واشنطن هي المسؤولة، وليس الأمم المتحدة وليس الشعب العراقي.

معضلات الهيمنة

في الوقت الذي تصارع الولايات المتحدة لفرض النظام في العراق، إلى جانب نظام يخضع لمصالح أميركا، ثمة أزمة أخرى هددت بالانفجار في كوريا الشمالية. ففي خضم ما يطلق عليه محور الشر، فإن كوريا الشمالية العضو الأكثر خطورة. ولكن مثل إيران (وعلى النقيض من العراق) فقد فشلت في المعيار الأميركي الأول للهدف المشروع: لم تكن غير قادرة على الدفاع عن نفسها.

إن كوريا الشمالية تملك رادعاً هو عبارة عن حشد من المدافع عند المنطقة منزوعة السلاح، موجه نحو سيئول، عاصمة كوريا الجنوبية، ونحو العشرات من آلاف من القوات الأميركية عند جنوب الحدود. ثمة جدول زمني لانسحاب القوات خارج نطاق المدفعية مما يثير المخاوف في كل من كوريا الشمالية والجنوبية إزاء نوايا الولايات المتحدة.

في أكتوبر 2002 اتهمت الولايات المتحدة كوريا الشمالية بأنها بدأت سراً برنامج تخصيب اليورانيوم انتهاكاً لاتفاق 1994. لقد كان التصعيد النووي منذ ذلك الحين بمثابة تذكير لبعض المراقبين بأزمة الصواريخ الكوبية. وفي عام 2003 علمت واشنطن العالم درساً بشعاً: إذا أردت الدفاع عن نفسك منا من الأفضل لك أن تحاكي كوريا الشمالية وتفرض تهديداً عسكرياً ذا مصداقية. وفشلت كوريا الشمالية أيضاً في المعيار الثاني كهدف لأميركا: إنها إحدى أفقر وأتعس البلدان في العالم.

لكن لكوريا الشمالية أهمية جغرافية استراتيجية يمكن أن تجعلها هدفاً لهجمات الولايات المتحدة، إذا أمكن مواجهة الرادع. إذ تقع كوريا الشمالية داخل شمال شرق آسيا وهي منطقة تمثل تحدياً خاصاً بها لأحلام واشنطن بالهيمنة العالمية. هناك ثلاثة مراكز اقتصادية عالمية في المواجهة: الولايات المتحدة وأوروبا وشمال شرق آسيا ضمن شكل جديد من نظام عالمي «ثلاثي الأقطاب» كان ينبثق منذ ثلاثين عاماً.

ففي أحد هذه الأبعاد وهو البعد العسكري، فإن الولايات المتحدة تنفرد في فئة بنفسها ولكن ليس في فئات أخرى. فالمناطق تناور متنافسة على السلطة رغم الروابط المعقدة بينها ومصالح النخبة المشتركة بشكل أساسي.

المنطقة الأكثر ديناميكية

هناك دراسة أجراها فريق العمل حول سياسة أميركا إزاء كوريا بتوجيه من سليج إس هاريسون من مركز السياسة الدولية في واشنطن، ومركز الدراسات الشرق آسيوية في شيكاغو تفحص القضايا التي تبرز أمام البلدان الشمال شرق آسيوية والعالم.

تعتبر منطقة شمال شرق آسيا حالياً المنطقة الاقتصادية الأكثر ديناميكية في العالم، بوجود ما يقارب 30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي وهو أكثر بكثير من نظيره في الولايات المتحدة (19 في المئة)، ولديها نصف الاحتياطيات العالمية من العملة الأجنبية. وتتاجر الولايات المتحدة وأوروبا الآن مع شمال شرق آسيا بأكثر مما تتاجر فيما بينها.

تضم منطقة شمال شرق آسيا مجتمعين صناعيين رئيسيين وهما اليابان وكوريا الجنوبية كما أن الصين تصبح مجتمعاً صناعياً. أما سيبيريا فهي غنية بالموارد الطبيعية بما فيها النفط. وتزيد المنطقة من تجارتها الداخلية وتتصل مع بلدان شمال شرق آسيا بروابط غير رسمية تسمى أحياناً آسيان زائد ثلاث: الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

ويتم بناء الفلبين من مراكز الموارد مثل سيبيريا إلى مراكز صناعية، ومن الطبيعي أن تمر بعض خطوط الأنابيب تلك عبر كوريا الشمالية إلى كوريا الجنوبية، ويمكن تمديد السكة الحديدية عبر سيبيريا على المسار نفسه.

إن الولايات المتحدة غير متأكدة من هذا التكامل الشمال شرق آسيوي، وتتمثل مخاوف واشنطن في أن المناطق المتكاملة مثل أوروبا أو شمال شرق آسيا يمكن أن تسعى إلى مسار أكثر استقلالاً وتصبح ما كان يطلق عليه «القوة الثالثة» خلال سنوات الحرب الباردة.

يوصي فريق العمل حول سياسة أميركا إزاء كوريا بأن تسعى واشنطن إلى حل دبلوماسي للأزمة الحالية بشأن كوريا الشمالية، وهي عملية بدأت مع فترات توقف وغير متساوية في ظل رئاسة كلينتون، «ضمان امن كوريا الشمالية غير النووية، وتعزيز المصالحة بين كوريا الشمالية والجنوبية وجذب كوريا الشمالية إلى علاقات اقتصادية مع جاراتها». ومثل تلك التفاعلات يمكن أن تسرع الإصلاحات الاقتصادية في كوريا الشمالية مما يؤدي مع مرور الوقت إلى نشر القوة الاقتصادية ويخفف من الضوابط السياسية الاستبدادية ويعدل من انتهاكات حقوق الإنسان.»

وهذا السياسات تمتثل للإجماع الإقليمي، أما البديل فهو المواجهة بطريقة استراتيجية بوش ـ تشيني ـ رامسفيلد الكبرى للحرب الوقائية «يمكن أن تجر شمال شرق آسيا والولايات المتحدة إلى حرب غير مرغوبة،» حسبما يجادل فريق العمل. من شأن السياسة الأكثر اعتدالاً أن تشجع شمال شرق آسيا، مثل أوروبا على سلوك مسار أكثر استقلالية والذي سيجعل على أية حال الأمر أكثر صعوبة للولايات المتحدة لكي تحافظ على نظام عالمي ينبغي على الآخرين خلاله أن يحترموا مكانهم الملائم.

استقلال الطاقة

لقد كان لاستقلال الطاقة مكانة مركزية في هذه التفاعلات، فمنذ الحرب العالمية الثانية دأب المخططون الأميركيون على السيطرة على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط التي ليس لها مثيل حيث إنها تعمل على نحو فاعل كرافعة للسيطرة العالمية. وبالاعتراف بنفس الحقائق الأساسية للحياة، سعت أوروبا والقوى الناهضة الآسيوية إلى الحصول على مواردها الخاصة بعيداً عما أطلق عليه المخطط البارز جورج كينين «سلطة الفيتو» لسيطرة الولايات المتحدة على إمدادات الطاقة والخطوط البحرية. إن جانباً كبيراً من الصراع على الشرق الأوسط فضلاً عن آسيا الوسطى يعكس هذه المخاوف.

لقد ردت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بقسوة على «التحدي الناجح» لبلدان العالم الثالث، مثل كوبا التي بحثت عن طريق إلى التنمية المستقلة وجعلت أولوياتها الحاجات المحلية وليس مصالح المستثمرين الأجانب ومخططي واشنطن. وبالنسبة لواشنطن فإن المخاوف وصلت دوماً إلى المناطق الصناعية للقوى الرئيسية أيضاً، ويبدو الآن أكثر من أي وقت مضى أن السمة «ثلاثية الأقطاب» الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي تتخذ أشكالاً جديدة.

إن غزو العراق كان «عملاً نموذجياً»، يثبت للعالم أن إدارة بوش كانت تعني تماماً مذهبها لاستخدام القوة بتصميم لتأكيد هيمنتها العالمية ولمنع أية تحديات محتملة، مهما كانت نائية. ولا شك أن الآخرين انتبهوا للدرس. فالعنف أداة قوية للسيطرة كما يثبت التاريخ ولكن معضلات الهيمنة ليست بسيطة.

ترجمة: محمود برهوم ونوال القصار سرياني