لا أشعر بأنه من واجبي تقديم النصيحة لأي رئيس دولة في العالم بشأن تفاصيل الترتيبات السياسية والاقتصادية في دولته. لكنني أريد الارتقاء بمستوى النقاش ليشمل التطورات السياسية في العالم، ونقطة انطلاقي في هذا الصدد ستتمحور حول نظرية صامويل هنتنغتون الخاصة بـ «صراع الحضارات».
لقد قال البروفيسور هنتنغتون في كتاب له في عام 1996 حمل عنوان «صراع الحضارات» إن السياسة العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة لن يسيطر عليها الصراع بين أصحاب الأيديولوجيات المتباينة، وإنما ستكون هناك صراعات بين الحضارات والثقافات. وكتب قائلاً إن قوة الثقافة ستهزم القوى المتداخلة للعولمة وإن ولاءات الناس ستتحدد بحسب الديانة والعرق والتاريخ المشترك. وقد وصف هنتنغتون قيم عصر التنوير الغربي، وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارها مظاهر لقيم المسيحية الغربية، مستنتجاً من ذلك أن الحضارات الأخرى بما تحمله من قيم ستوجد أنواعاً مختلفة من المؤسسات. إن القضايا التي تثيرها نظرية صراع الحضارات تطرح سؤالاً مهماً للغاية: هل نحن عندما نفكر بشأن الاندماج الإقليمي نضع حدوداً للتعاون وفقاً للعوامل الثقافية أم أننا نتبع املاءات الحقائق الاقتصادية؟ أم أننا بوسعنا الاندماج فيما بيننا على أساس يقوم بشكل أكبر على قيم العولمة؟
أنا اتفق وفي الوقت نفسه أختلف مع نظرية صراع الحضارات. اتفق على أن العوامل الثقافية قد أصبحت بمثابة الشكل المنشوري الذي يرى منه كثير من الناس الشؤون الثقافية اليوم. وعلى الوجه الآخر، أعتقد أن وجهة النظر هذه تبخس حق القوى المتداخلة التي تقف وراء التنمية الدولية والطريقة التي تحتم من خلالها عملية العولمة وجود دمج بين المؤسسات والمقاربات الخاصة بأسلوب الحوكمة على المستوى العالمي. إن هنتنغتون محق في أن الهوية الثقافية والسياسية القائمة على الثقافة المشتركة لن تختفي في المستقبل المنظور. وستظل الأمم والثقافات والتقاليد والمجتمع المحلي العناصر التي ستحدد هوية الشعوب. إن العولمة لم تفرز توحداً ثقافياً بين جميع دول العالم، ولن يكون هذا أمراً جيداً لو حدث في الأساس.
لن يكون الأمر به أي نسبة من العدل في حال أن تتسبب قوى الاقتصاد العالمية في تجريد المجتمعات المحلية من قدرتها على هيكلة حياتها السياسية المشتركة. كما يجب أيضاً أن تقوم بلدان العالم المختلفة بإيجاد أساليب خاصة بها تؤدي بها إلى الحداثة. فالطرق التي اتخذتها أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان وروسيا ودول أخرى هي كلها طرق مختلفة. إن الحداثة والتنمية تأتيان نتيجة لجهود الناس الذين يعيشون في مجتمع ما وليس نتيجة الجهود التي يبذلها أناس من الخارج. يمكن أن تتعلم البلدان من بعضها البعض ولكن قدرة هذه البلدان على تحقيق نتائج في أراض أجنبية هي في العادة قدرة محدود للغاية. وهذا هو الدرس الذي تتعلمه الآن الولايات المتحدة في العراق بعد مرور أربعة أعوام من العذاب.
غير أن القضية التي نحتاج إلى تناولها تتعلق بما إذا كنا جميعاً نتبع طرقاً مختلفة تفضي بنا إلى نقطة النهاية نفسها وهي نهاية وجود حضارة واحدة للعالم كله، أم أن الثقافات الإنسانية المختلفة تؤدي بنا إلى أماكن مختلفة بشكل جذري. وجهة نظري التي تختلف عن وجهة نظر البروفيسور هنتنغتون هي أن الحداثة نفسها على المدى البعيد تتطلب نوعاً من أنواع الاندماج بين أنماط كثيرة من المؤسسات بصرف النظر عن نقاط الانطلاق الثقافية. كما أن الاندماج الاقتصادي بين الدول هو أمر بناء للغاية وينتج عنه أكثر أشكال الثقة قدرة على الاستمرار، لاسيما عندما تقوم الثقة على عنصر الشفافية والمؤسسات التي تحكمها القواعد بدلاً من أن تقوم على الصلات الهشة الخاصة بالارتباط الثقافي.
إذا استطعنا بشكل أفضل تفهم الصفة الرئيسية للدول العصرية الفعالة، سنستطيع أن نتفهم كيف تسير الأمور بالشكل الذي سبق ذكره. إن نقطة انطلاق العملية التنموية في أي بلد هي الدولة نفسها؛ هذه الدولة عرفها الاشتراكي الألماني واكس ويبر بأنها احتكار للقوة الشرعية لما يتم داخل مساحة معينة من الأرض. ولكن فيما تبدأ الدولة سياستها بعمليات القسر والاضطهاد، فإن معجزة الدولة الحديثة تتمثل في قدرتها على حل متناقضات القوة والمتمثلة في أن تكون الدولة قوية بالشكل الذي يمكنها من فرض القوانين والنظام وفي الوقت ذاته تعمل على كبح جماح ممارستها لسلطاتها في حال أرادت تحقيق نمو اقتصادي على المدى البعيد.
كثير من المراقبين في الغرب أخطأوا في التقليل من أهمية دور الدولة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. الاتجاه نحو التحرير الاقتصادي بعد سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفييتي كان مفهوماً وله ما يبرره، وذلك في ضوء حقيقة أن دولاً كثيرة قد نمت إما بشكل أقوى من اللازم أو بشكل يفتقد المرونة أو بالطريقتين معاً، وقد حدث هذا ليس في الاتحاد السوفييتي فقط، وإنما في الدول المتطورة الأخرى. إلا أنه أثناء عمليات التعديل، فإن بعض الدول اقتطعت من وظائف الدولة الحيوية أيضاً بشكل مفرط للغاية.
ومن ثم فإنه على امتداد أجزاء كثيرة من فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بشكل خاص، كان هناك ضعف مفرط في سلطات الدولة. وبشكل فعلي يتبين أن ضعف دور الدولة هو السبب وراء ضعف النمو الاقتصادي في أجزاء كثيرة من العالم النامي. إن جميع المجتمعات تحتاج إلى النظام وحكم القانون وإلى حكومة توفر المنتجات الأساسية للشعب وإلى توزيع الثروات الطبيعية بشكل عادل بين المواطنين.
وفي حال ألا يستطيع الحكام إدارة شؤون البلاد بشكل فعال، أو إذا كانوا فاسدين ويستغلون موارد البلاد لخدمة أغراض شخصية، وفي حال أن يتصرفوا بشكل متعسف، فإنهم بذلك يقتطعون من المدخرات والاستثمارات التي تحتاجها عملية النمو على المدى الطويل. ومن ثم فإنه ليس من قبيل المفاجأة أن تكون الدول الأكثر فعالية والتي تطبق أساليب حوكمة أفضل هي التي تحولت إلى ظاهرة مع نهاية التسعينات.
كيف يمكن لدولة عصرية صغيرة تحقيق إدارة جيدة؟ إن الإدارة الجيدة ليست هدية يمنحها الحكام إلى المحكومين. ففي النهاية يجب أن تكون هذه الإدارة مبنية على آليات المساءلة التي تضمن قيام الحكام بخدمة مصالح المحكومين وليس مصالحهم هم أنفسهم فحسب أو مصالح أصدقائهم وعائلاتهم. ولهذا السبب فإن البنك الدولي منذ سنوات يعمل على التأكيد على مبدأ المساءلة بوصفه المفتاح الذي يؤدي إلى حوكمة وإدارة أفضل.
إن الحكومات يمكن أن تُحاسب بطرق مختلفة. أكثر هذه الطرق فعالية هي آليات المحاسبة الرأسية التي تعرف بالانتخابات. ولكن هناك أيضاً آليات محاسبة أفقية تتمثل في قيام الأركان المختلفة للحكومة بتحمل مسؤولية مراقبة أداء بعضها البعض. إن وجود القيود أمر ضروري على المدى البعيد من أجل تحقيق نمو اقتصادي جيد، حيث يعتمد النمو على المدى البعيد على الاستثمار ولن يأتي الاستثمار إلا مع وجود بيئة جيدة تحمي حقوق الملكية وبيئة تحكمها قوة القانون يمكن أن تعمل مؤسسات القطاع الخاص من خلالها بشكل حر بعيداً عن تدخل الحكومة.
ترجمة: حاتم حسين
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»
